تعد العبادات في الإسلام واحدة من أهم المفاتيح لمعرفة مقاصد التشريع الإسلامي وأسراره العظيمة، فالعبادات لم تشرع طقوسا وحركات تؤدى بلا هدف أو مضمون، بل لها أهداف إنسانية، أهمها بناء الفرد المسلم عقديا وسلوكيا وأخلاقيا واجتماعيا.
ويقرر علماء المقاصد أن الأحكام الشرعية كافة، العبادات منها والمعاملات، تدور مع مصالح العباد وجودا وعدما.
وفي هذا يقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: (والمعتمد إنما هو أننا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه، فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل، وهو الأصل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (الإسراء: 15) (الموافقات ج2 ص6).
تأتي شعيرة عبادة الأضاحي واحدة من أهم وأعظم الشعائر في الإسلام، التي تجمع بين مختلف العبادات القلبية والتعبدية التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع، ولها في الإسلام مقاصد جمة وفوائد شتى.
وما شرع الله العبادات إلا لحكم عظيمة ومقاصد سامية لا تقتصر على الأداء الظاهري والحركي فقط، بل تتجاوز ذلك لتكون وسيلة لتزكية النفوس وإصلاح الفرد والمجتمع وتحقيق العبودية الحقة لله رب العالمين.
وتأتي عبادة الأضاحي كواحدة من أبرز الشعائر والعبادات في الإسلام، يؤديها المسلمون تقربا إلى الله وامتنانا وشكرا له على ما أولاهم به من النعم، وهي سنة سنها خليل الله إبراهيم عليه السلام، وأكدها خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.
فقد ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر) (أخرجه البخاري، حديث رقم 5595).
ولهذا يدرك المسلم أن كل عبادة يؤديها تدور في فلك متكامل، ودورة متواصلة لإصلاح الفرد والمجتمع.
وتأتي شعيرة عبادة الأضاحي واحدة من أهم وأعظم الشعائر في الإسلام، التي تجمع بين مختلف العبادات القلبية والتعبدية التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع، ولها في الإسلام مقاصد جمة وفوائد شتى تتجلى من خلالها حكم التشريع في الإسلام، وكيف أن الله سبحانه وتعالى شرع الشرائع وسن السنن لأجل الإنسان ولأجل منفعته.
إن الله جعل الشعائر من أسباب تقوى قلوب العباد، ومنها شعيرة الأضاحي، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
فمن مقاصد الأضحية أن الله جعل لها جانبا تعبديا محضا، ففيها إطعام للفقراء وتوسعة على الأهل والعيال، وقبل ذلك فيها وصل للمخلوق بخالقه من خلال تجسيد مفهوم العبودية.
فالإسلام يتجاوز الفعل المادي في إراقة الدم قربة إلى الله إلى كونه عملا قلبيا يتجه إلى الله سبحانه قبل أن يتم على الأرض.
وفي هذا يقول سيد قطب: والإسلام يوحد المشاعر والاتجاهات، ويتوجه بها كلها إلى الله، ومن ثم يعنى بتوجيه الشعور والعمل والنشاط والعبادة والحركة والعادة إلى تلك الوجهة الواحدة، وبذلك تصطبغ الحياة كلها بصبغة العقيدة.
(في ظلال القرآن ج5)ثم يستطرد قائلا: (ويربط بين الهدي الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب، إذ إن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره، وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته، وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم عليه السلام وما تلاه، وهي ذكريات الطاعة والإنابة والتوجه إلى الله، ممن نشأت هذه الأمة المسلمة، فهي والدعاء والصلاة سواء) (في ظلال القرآن ج5).
ويتجلى هذا المقصود التعبدي مع استحضار مشهد الخليل إبراهيم وهو ينفذ أمر الله سبحانه وتعالى في امتثال مطلق، وقد نزع هواه واختار أن يكون عبدا لله، فأتم بذلك كلمات الله التي ابتلاه بها: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: 124).
ومن المقاصد أيضا أن الله جعل الشعائر من أسباب تقوى قلوب العباد، ومنها شعيرة الأضاحي، قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
وفي تفسير هذه الآية أن المقصود هو تعظيم البدن وتسمينها، وهي البهيمة التي يذبحها الحاج، فيكون حسن اختيارها من تقوى القلوب.
من مقاصد الأضاحي إحياء مبدأ التكافل الاجتماعي من خلال إطعام الفقراء والمعوزين خلال أيام عيد الأضحى المبارك، والأغنياء في الإسلام تقع عليهم مسؤولية سد حاجة الجائعين في شتى بقاع العالم الإسلامي، والأضاحي واحدة من الوسائل.
وهذا ما درج عليه الصحابة رضوان الله عليهم، حيث كانوا يختارون أحسن أضحياتهم وأسمنها، ذلك لأنهم لم يكونوا ينظرون إلى مجرد الأضحية، بل كان نظرهم منصبا على من تقدم له، وهو رب العالمين سبحانه وتعالى.
ولذلك فقد كانوا يجدون في ذلك لذة روحية تعزز لديهم الرضا النفسي وتجعلهم يشعرون بالراحة الإيمانية، وهو ما يتحول بعد ذلك إلى نمط يرافق المسلم في كافة حياته، فيعيش مطمئنا سعيدا راضي النفس مستبشرا بما يأتيه من ربه سبحانه وتعالى.
ومن هذه المقاصد أيضا إحياء مبدأ التكافل الاجتماعي من خلال إطعام الفقراء والمعوزين خلال أيام عيد الأضحى المبارك، والأغنياء في الإسلام تقع عليهم مسؤولية سد حاجة الجائعين في شتى بقاع العالم الإسلامي، والأضاحي واحدة من الوسائل التي تمثل أهمية كبيرة في حياة المسلمين، كونها تتجاوز مفهومها بوصفها وسيلة للصدقة، إلى طريقة تمنح الفقير شعورا بالكرامة من خلال منحه حصة وقسمة دعا إليها الإسلام ورغب فيها، وهي الثلث من الأضحية.
فقد أورد ابن قدامة في المغني (ج9/ص488): " والاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها، وإذا أكل أكثرها جاز ذلك".
وذهب بعضهم إلى أن الغني يقسم الأضحية بينه وبين الفقير نصفين، مستدلا بقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28).
وهذا التقسيم بين الصدقة والهدية يمثل وسيلة هامة من وسائل القضاء على الأنانية الفردية وتعزيز روح التشارك الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
ويضاف إلى ذلك تربية نفس المسلم على البذل والعطاء وتقديم الأفضل والتخلص من أثر الأثرة النفسية لصالح إيثار الفقير من خلال إعطائه ما هو من حق المتصدق، بل ومن أفضل ما فيه.
ومن المقاصد الأخلاقية للأضحية تعزيز خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين من خلال ما ذكرناه من تجسيد التضحية بين الهدية والصدقة، وكذلك خلق الرحمة بالحيوان والإحسان إليه حتى وإن كان في مرحلة الذبح والنحر ومفارقة الحياة.
قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (أخرجه مسلم).
وفي هذا التوجيه تتضح أهمية ما أعطاه الإسلام من عناية كبيرة بهذا الجانب، كما يكشف عن الرقي الأخلاقي في الإسلام.
وقد ناقش الفقهاء هذه القضية، وأقروا حرمة تعذيب الحيوان أو ذبحه أمام أقرانه، وفي هذا درس بليغ أن الإسلام يعمل على بناء مجتمع يعلي من شأن الإحسان وينبذ العنف والقسوة زمانا ومكانا.
تتجلى من خلال هذه الشعيرة عظمة التشريع الإسلامي الذي لم يشرع الأحكام إلا لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وإقامة حياة إنسانية متوازنة تقوم على الرحمة والتقوى والتعاون والمحبة.
ومن هنا يتبين لنا أن عبادة الأضحية ليست مجرد شعيرة موسمية أو مظهر تعبدي عابر، بل هي عبادة عظيمة تحمل في طياتها مقاصد إيمانية وأخلاقية واجتماعية، يتجسد من خلالها حقيقة عبودية المسلم لربه سبحانه وتعالى، وتغرس في نفسه معاني الطاعة والتقوى والبذل والإحسان.
كما أنها تسهم في تعزيز التراحم والتكافل بين أبناء المجتمع المسلم، وتجعل الفقير يشعر بحقه في المجتمع، ويتربى فيه الغني على العطاء والإيثار، وتمتد آثارها حتى إلى الرحمة بالحيوان والإحسان إليه.
كما تتجلى من خلال هذه الشعيرة عظمة التشريع الإسلامي الذي لم يشرع الأحكام إلا لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وإقامة حياة إنسانية متوازنة تقوم على الرحمة والتقوى والتعاون والمحبة.
ولهذا فإن المسلم حين يؤدي أضحيته بروح مؤمنة ونفس مطمئنة، مستحضرا مقاصدها، مدركا يشارك في بناء ذاته وإصلاح مجتمعه وتعظيم شعائر الله التي هي، كما قال الله، من تقوى القلوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك