لم تعد الحوادث في عصر السيارات الكهربائية مجرد وقائع تصادم تقليدية تُحسم فيها المسؤولية بين سائقين متنازعين على الأسبقية أو السرعة.
فمع دخول السيارات الكهربائية إلى قلب أساطيل النقل الحديثة، تغيّر شكل الحادث نفسه، وتحوّل إلى ملف مركّب تتداخل فيه الفيزياء الثقيلة للبطاريات، والمخاطر الكيميائية، والأنظمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى معارك قانونية حول البيانات والبرمجيات، حسب" فوكس تو موف".
ورغم أن حوادث الطرق لا تزال تمثل أزمة صحية واقتصادية كبرى، مع تسجيل نحو 40,901 حالة وفاة مرورية في عام 2023 في الولايات المتحدة وحدها، فإن طبيعة هذه الحوادث تتبدل بسرعة مع ارتفاع نسبة السيارات الكهربائية وتطور أنظمة القيادة المساعدة.
اصطدامات السيارت الكهربائية أشد عنفاًتغيّر السيارات الكهربائية معادلة الاصطدامات بشكل واضح، إذ إن وزنها المرتفع الناتج من حزم البطاريات الضخمة يجعلها أثقل بكثير من السيارات التقليدية.
هذا الفارق في الكتلة يعني أن الطاقة الحركية في أثناء التصادم تصبح أعلى، وبالتالي تنتقل قوة أكبر إلى المركبة الأخرى أو إلى البنية التحتية على الطرق.
في الحوادث عالية السرعة، لا يعود الأمر مجرد احتكاك بين هيكلين معدنيين، بل تصادماً بين كتلتين غير متكافئتين، ما يجعل المركبات الأخف وزناً - وبخاصة الصغيرة أو الدراجات النارية - أكثر عرضة للأضرار الجسيمة.
كذلك فإن البنية التحتية نفسها، من حواجز الطرق إلى الجدران الإسمنتية، تتعرض أحياناً لأضرار تتجاوز حدود التصميم الهندسي الذي وُضع قبل انتشار هذا النوع من المركبات الثقيلة.
حرائق بطاريات السيارت الكهربائية خارج السيطرةإلى جانب قوة الصدمة، تحمل السيارات الكهربائية خطراً مختلفاً جذرياً يتمثل بما يُعرف بـ" الانفلات الحراري" للبطاريات.
فعند تعرّض بطارية الليثيوم-أيون لضرر شديد نتيجة حادث، قد تدخل في تفاعل كيميائي متسلسل يؤدي إلى اشتعال ذاتي مستمر وصعب الإطفاء.
المشكلة أن هذه الحرائق لا تشبه حرائق الوقود التقليدي، إذ يمكن أن تعود للاشتعال بعد ساعات من إخمادها بسبب توليد البطارية للأكسجين داخلياً.
هذا النوع من الحوادث يفرض على فرق الإطفاء استخدام كميات ضخمة من المياه أو أنظمة عزل خاصة، ما يرفع الكلفة التشغيلية ويطيل زمن إغلاق الطرق، ويزيد من الأعباء البيئية والاقتصادية بعد الحادث.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الحوادث المرورية كلفت الاقتصاد الأميركي نحو 1.
9 تريليون دولار في عام 2023، فيما تساهم تعقيدات حوادث السيارات الكهربائية في رفع هذه الكلفة بسبب إجراءات الإطفاء والمعالجة والتخلص من المواد الخطرة.
أحد أبرز التحولات في حوادث السيارات الحديثة يتمثل بدخول أنظمة القيادة المساعدة المتقدمة إلى قلب التحقيقات القانونية.
فأنظمة مثل الحفاظ على المسار، والتحكم الذكي بالسرعة، والفرملة التلقائية، أصبحت طرفاً غير مباشر في العديد من الحوادث، ما يطرح سؤالاً معقداً: هل الخطأ بشري أم برمجي؟تظهر إشكالية أكبر في حالات ما يُعرف بـ" الفرملة الوهمية"، حيث قد تفسر الحساسات والكاميرات الظلال أو الانعكاسات أو المركبات القادمة بأنها خطر مباشر، فتقوم المركبة بالفرملة المفاجئة على سرعات عالية، ما يؤدي إلى اصطدامات متسلسلة خطيرة.
في هذه الحالات، يصبح تحديد المسؤولية عملية شديدة التعقيد، إذ تتداخل مسؤولية السائق مع مسؤولية الشركة المصنعة للبرمجيات أو أنظمة الاستشعار.
" الصندوق الأسود" في السيارات الكهربائيةتُنتج السيارات الكهربائية والمتصلة كميات ضخمة من البيانات الرقمية لحظة الحادث، تشمل زاوية المقود، قوة الفرملة، موقع السيارة، وسلوك أنظمة القيادة في أجزاء من الثانية قبل الاصطدام.
لكن هذه البيانات لا تكون متاحة دائماً بسهولة، إذ غالباً ما تعتبرها الشركات المصنعة معلومات حساسة أو جزءاً من الملكية الفكرية.
وهذا يدفع المتضررين في كثير من الحالات إلى اللجوء إلى أوامر قضائية للحصول عليها.
المشكلة لا تتوقف هنا، فبعض هذه البيانات قد تُحذف تلقائياً أو تُستبدل مع مرور الوقت، ما يخلق فجوة خطيرة في الأدلة الرقمية اللازمة لتحديد المسؤولية.
كلفة إصلاح السيارات الكهربائية تتفاقمتُظهر بيانات قطاع التأمين أن إصلاح السيارات الكهربائية يستغرق وقتاً أطول بنحو 40% مقارنة بالمركبات التقليدية، بسبب تعقيد الأنظمة الكهربائية واشتراطات السلامة العالية عند التعامل مع البطاريات.
كذلك ترتفع كلفة التأمين على هذه المركبات بنسبة تراوح بين 15% و30%، نتيجة ارتفاع كلفة قطع الغيار، وبخاصة البطاريات، واحتمال تصنيف السيارة خسارةً كليةً حتى في حالات الأضرار المتوسطة.
وتلجأ شركات التأمين أحياناً إلى التشدد في تقييم المطالبات، بحجة احتمال سوء استخدام أنظمة القيادة المساعدة أو تعطيلها قبل الحادث.
بالإجمال، لم تعد معارك ما بعد الحوادث تدور فقط حول شهود العيان أو آثار الفرامل على الطريق، بل أصبحت تعتمد على تحليل بيانات رقمية معقدة تتطلب خبراء في البرمجيات والهندسة الجنائية الرقمية.
ويؤكد مختصون أن" الأثر الفيزيائي على الطريق لم يعد كافياً وحده لفهم الحادث"، إذ أصبحت البيانات المخزنة في أنظمة السيارة جزءاً أساسياً من تحديد الحقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك