في زقاق ضيق من أزقة حي ركن الدين الدمشقي، يمشي صلاح شبابيبي، المعروف بين أبناء الحي بـ" أبو عبدو"، حاملاً حقيبتين تختصران حياته كلها، واحدة تضم زيّ العراضة الشامية المطرّز، وأخرى فيها مريول عمله الثاني، وبين الحقيبتين يقف رجل خمسيني يحاول صون تراث دمشقي عريق، بينما يلاحق في الوقت نفسه لقمة عيشه.
حين يعلو صوته في الأعراس مردداً: " أول ما نبدأ ونقول… صلوا على طه الرسول"، يستعيد" أبو عبدو" دوره قائداً لفرقة" فرسان الصالحية"، إحدى أقدم فرق العراضة الشامية في دمشق.
يرفع سيفه، ويضبط إيقاع صوته، ويقود عشرات الشبان الذين يتحركون خلفه بتناغم يحاكي استعراضات الفرسان القديمة، بينما تتردد الأهازيج في حارات المدينة العتيقة.
لكن ما إن تنتهي" الزفة" وينفضّ الفرح، حتى يعود أبو عبدو إلى عمله الآخر خلف منقل الفحم، يقلب أسياخ الكباب والشيش طاووق وسط الدخان وحرارة المطعم.
يقول أبو عبدو لموقع" تلفزيون سوريا": " أنا من مؤسسي العراضات الشامية في حي الصالحية، وأعمل في هذا المجال منذ نحو 27 عاماً.
العراضة ليست مجرد مهنة، بل هي هويتنا وصوت الحارة".
ويضيف أن المردود لم يعد كافياً كما في السابق، إذ باتت الفرقة تطلب ثلاثة أو أربعة ملايين ليرة للحفلة، غير أن المفاوضات تنتهي أحياناً بدفع نصف المبلغ، في وقت تنفق فيه مبالغ أكبر على الصالات وتكاليف الأعراس الأخرى.
تضم فرقة" فرسان الصالحية" ما بين 15 و20 شاباً، يتوزعون بين عازفي الطبل والمزاهر والدربكة، إلى جانب" الرديدة" وحملة السيوف.
إلا أن معظمهم، وفق" أبو عبدو"، اتجهوا إلى مهن أخرى لضمان استمرارهم في حياتهم اليومية، فمنهم من يعمل في سوق النحاسين، وآخرون في الخياطة أو الحلاقة أو الورشات الصغيرة، بينما وجد هو في مجال المشاوي عملاً يؤمن احتياجاته ويساعده على تمويل فرقته.
ويختصر أبو عبدو يومه بابتسامة تحمل الكثير من التعب: " في النهار أعمل في المشاوي، وفي الليل أقود الفرسان"، ثم يؤكد: " العمل ليس عيباً… العيب أن تقف وتنتظر".
العراضة الشامية.
تراث يواجه الغيابرغم تراجع الإقبال على العراضة الشامية، ما يزال أبو عبدو يرفض التخلي عنها.
يجتمع مع فرقته أسبوعياً، ويحاولون حماية ما تبقى من روح دمشق القديمة.
متسائلاً: " إذا تركناها نحن… فمن سيبقى يغني للشام؟ ".
وتُعدّ العراضة الشامية واحدة من أبرز أشكال الفلكلور الدمشقي، ويعود تاريخها إلى مئات السنين، إذ ارتبطت قديماً بالاحتفال بالحجاج واستقبالهم، قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء أساسي من الأعراس والمناسبات الشعبية.
وتعتمد العراضة على الأهازيج التراثية، واستخدام آلات الطبل والمزاهر واستعراضات السيف والترس، التي ترمز إلى الفروسية والشهامة الدمشقية.
وتنتشر عشرات الفرق في دمشق القديمة وأحيائها، لا سيما في الميدان والصالحية وساروجة والشاغور، غير أن العديد منها تقلّص أو اختفى خلال السنوات الأخيرة بسبب الظروف الاقتصادية وتراجع القدرة على إحياء الأعراس الكبيرة.
من جهته، يقول هيثم الفحل" أبو رياض"، وهو أحد قدامى العاملين في التراث الشامي ومن أبناء سوق ساروجة، إن معظم العاملين في هذا المجال باتوا مضطرين للبحث عن أعمال إضافية.
ويشير لـ" تلفزيون سوريا" إلى أن الوارد من العراضة لم يعد كافياً لتأمين احتياجات الأسرة، إذ قد تمر أسابيع من دون حفلات، ما يدفع أغلب شباب الفرق إلى العمل في مهن أخرى لتأمين معيشتهم.
ويلفت إلى أن فرق التراث الشامي لم تعد تقتصر على العراضة فقط، بل تضم الحكواتي وخيال الظل وفنوناً شعبية أخرى، وأن استمرارها أصبح مرهوناً بقدرة أصحابها على تمويلها، ويضيف: " الناس ما زالت تحب التراث، لكن الواقع المعيشي أصبح أقوى من أي شيء آخر".
الأعراس تغيّرت.
والفرح أصبح مكلفاًويرى منظم الحفلات الدمشقي عبد الرحمن الحسامي، أن العراضة الشامية ما تزال حاضرة في معظم الأعراس الدمشقية، لكنها لم تعد تحظى بالأولوية نفسها كما في السابق، موضحاً أن ارتفاع تكاليف الزواج يدفع كثيراً من العائلات إلى اختصار فقرات الاحتفال أو البحث عن الخيارات الأقل تكلفة.
ويقول لـ" تلفزيون سوريا": " العريس اليوم لديه قائمة طويلة من المصاريف؛ صالة، وضيافة، وتصوير، وذهب وملابس، لذلك يبدأ بالتفاوض على الفقرات الفنية والتراثية.
كثير من الناس يحبون العراضة ويريدونها، لكنهم يتعاملون معها كإضافة يمكن تخفيض تكلفتها".
ويضيف أن المنافسة الكبيرة بين فرق العراضة أسهمت أيضاً في خفض الأسعار، إذ ظهرت خلال السنوات الأخيرة فرق كثيرة تقبل بأجور أقل، ما أثّر على الفرق القديمة المعروفة بتاريخها وخبرتها.
الفنون الشعبية في مواجهة الأزمة الاقتصاديةلا ترتبط الأزمة التي تواجه فرق العراضة الشامية اليوم بتراجع عدد الحفلات أو انخفاض الأجور فقط، بل تعكس أيضاً تحولات اقتصادية أوسع أثرت على شكل الإنفاق الاجتماعي والقدرة على الحفاظ على الفنون التراثية.
ويؤكد حسين النحاس، وهو صاحب فرقة تراث شامي يبلغ من العمر 63 عاماً، أن معظم رؤساء فرق العراضة لديهم أعمال أخرى يعتمدون عليها بشكل أساسي، مضيفاً: " العراضة وحدها لا تطعم خبزاً، أنا لدي مطعم، ومن عملي الآخر أمول الفرقة، ومعظم رؤساء الفرق لديهم أعمال أو مصالح أخرى".
ويشير النحاس لـ" تلفزيون سوريا" إلى أن الأزمة الاقتصادية انعكست على مختلف المهن، لكن تأثيرها على الفنون الشعبية كان أشد قسوة، لأن هذه الفنون تعتمد أساساً على المناسبات الاجتماعية والقدرة الشرائية للعائلات.
وفي ظل هذا الواقع، يرى متخصصون أن الفنون الشعبية باتت من أكثر القطاعات هشاشة، لأنها تعتمد بصورة مباشرة على القدرة المعيشية للعائلات واستمرار المناسبات الاجتماعية.
ويقول الباحث الاقتصادي رأفت العيد، إن الفنون الشعبية في سوريا كانت تاريخياً جزءاً من الاقتصاد الاجتماعي للمدينة، لكنها اليوم تواجه أزمة مزدوجة تتمثل في تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة.
ويوضح لتلفزيون سوريا أن" العراضة الشامية كانت تعتمد على كثافة المناسبات الاجتماعية وعلى وجود طبقة متوسطة قادرة على الإنفاق على الطقوس الاحتفالية، لكن تآكل هذه الطبقة خلال السنوات الأخيرة جعل الإنفاق على الفنون التراثية يُنظر إليه باعتباره من الكماليات".
ويضيف العيد أن استمرار هذه الفرق بات يعتمد على" الدافع المعنوي والارتباط العاطفي بالتراث أكثر من كونه نشاطاً اقتصادياً مربحاً"، مشيراً إلى أن كثيراً من الفرق التراثية تعيش اليوم على" الهواية والشغف" لا على العائد المادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك