أبوهريرة زين العابدين عبد الحليمهل ينجح اعادة تشكيل مركز القرار السياسي العسكري لدى طرفي الحرب في حل معضلة السودان ام ندخل مرحلة التطبيع مع الحرب؟دخلت “كريهة” السودان خريفها الرابع وما زالت دماء السودانيين تسيل، ولا بصيص أمل لوقفها وجلب الإستقرار والسلام.
ففي حالة فشل آخر مبادرة جادة مبادرة الرباعية فربما ينسى العالم حرب السودان كما نسي العالم حرب الصومال.
فما هي الخيارات؟هل يمكن أن يشمل أحد هذه الخيارات تغييراً في قيادة المؤسسة العسكرية السياسية لدى طرفي الصراع، أي إعادة تشكيل مركز القرار السياسي والعسكري، كجزء من مخرج واقعي من الأزمة؟لنعتبر ذلك من اللامفكر فيه، سوف أحاول تفكيك ذلك، وقراءة السيناريوهات الممكنة.
أولاً: لماذا وصلت الحرب إلى هذا المدى؟ ولفهم الخيارات، يجب أولاً فهم طبيعة مأزق الأزمة.
الحرب ليست صراع عسكري فقط، لكنها انفجاراً لتراكمات طويلة من ازدواجية السلطة، وتعدد مراكز القوة السياسية والاقتصادية، وغياب مشروع وطني جامع وعقد أجتماعي وممارسات نظام البشير في تكوين مليشيات وتناسلها او التحالف معها وقياداتها في اطار الزبائنية العشائرية القبلية داخل النطام نفسه وفي تحالفاته المسمومة التكتيكية التي تجرع سمها وقُتل السودانيين بما تبقى منه، فعلاج السم ببلسم مضاد من وصفته كخيار مضاد ربما يكون بداية حل في حالة استحالة الحلول الأخرى.
القوى المدنية نفسها تعاني من انقسامات عميقة، ما جعلها عاجزة عن فرض رؤية موحدة أو تشكيل كتلة ضغط فعّالة وانقسامها بين معسكري الحرب.
تدخلات إقليمية ودولية وطموح قياديتعدد اللاعبين الخارجيين، كلٌ بدوافعه ومصالحه، جعل الحرب أكثر تعقيداً، وأضعف فرص الحل السريع.
وقد سمعنا تصريحات روبيو وزير الخارجية الأمريكي حول التدخلات والدعم العسكري واللوجستي من دول بعينها ساهم ويساهم في تطويل أمد الحرب.
ايضا لا ننسى الطموح البرهاني في أن يظل رئيسا وأيضا طموح الطرف الآخر حميدتي في أن يكون رئيسا.
اعتقد هذا أحداهم اسباب الحرب لان طبيعة الشمولية العسكرية المتملشة حزبيا وقبليا لا تقبل الشراكة فكان لابد ان يحاول كل واحد التخلص من الاخر رغم العهد القديم والصداقة “ذهبت لحميدتي في نمرة ٢ وقلت له لازم تكون معي او سوف لا اقبل ان اكون رئيسا لمجلس السيادة” واتى به ومشياها خطىً وعينه نائب رغم حديث البعض انه لا يوجد نائب عسكري في الوثيقة الدستورية، ولكن وقتها كان يخاف من سادته الذين يساندوه الآن وانقلبا سويا على الحكم المدني الانتقالي وبعدها حدثت بينهم الفتنة الكبرى وادخلا البلد في كف عفريت.
مع استمرار الحرب، تراجعت قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وتفككت شبكات الإدارة، ما جعل أي حل سياسي أكثر صعوبة.
ثانياً: هل يمكن أن ينسى العالم حرب السودان؟العالم اليوم يعيش حالة إرهاق من تعدد الأزمات، أوكرانيا، غزة، وإيران، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية العالمية.
ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب الحفاظ على اهتمام المجتمع الدولي بملف واحد مثل ملف السودان.
تجربة الصومال مثال واضح، حرب بدأت كأزمة سياسية داخلية، ثم تحولت إلى صراع أهلي طويل، ثم إلى ملف منسي لعقود.
إذا فشلت مبادرة الرباعية، فإن خطر التطبيع مع الحرب يصبح حقيقياً، أي أن يتحول النزاع إلى واقع دائم، وتصبح البلاد ساحة مفتوحة للميليشيات، والتهريب، والتدخلات الخارجية كما حدث في لبنان ايضا لفترة، او سيناريو ليبيا ووجود أكثر من نظام وحكومة داخل اقليم الدولة الواحد.
فقد اقامت تأسيس حكومة اخرى تسيطر على الغرب.
ثالثاً: ما هي الخيارات المتاحة أمام السودانيين؟استمرار الحرب إلى أجل غير معلوموهو السيناريو الأسوأ، لكنه للأسف الأكثر احتمالاً إذا لم يحدث تغيير جذري في موازين القوى أو في بنية القيادة.
اي نصر عسكري او تغيير في بنية قيادة الطرفين عبر ترتيبات داخلية او صراع قوى داخلي يؤدي للإطاحة بالقيادات الحالية لطرفي الصراع.
هذا السيناريو اي استمرار الحرب يعني:مزيداً من الانهيار الاقتصاديانتشار المجاعة وزيادة رقعتهانشوء سلطات أمر واقع متعددةتراجع فرص إعادة بناء الدولةلكن هذا السيناريو ليس امرا محتوماً.
تسوية سياسية جذرية بضغط دولي وإقليمينجاح الرباعية أو صيغة مشابهةتوافق إقليمي دولي ومحلي على وقف الحربقبول الأطراف بتسوية جذرية مؤلمةلكن المشكلة أن الأطراف المتحاربة ما زالت تعتقد أن بإمكانها تحقيق نصر عسكري، وهذا الوهم يطيل أمد الحرب.
فمثلا تجربة حرب جنوب السودان استمرت طويلا لاعتقاد نطام البشير انهم يمكنهم تحقيق نصر عسكري وأعلنوا الجهاد وتحالفوا مع إيران وغيرها وفي خاتمة المطاف اقتنعوا بالتفاوض.
تغيير في بنية القيادة العسكريةوهنا يأتي السؤال الذي طرحته أولا هل يمكن أن يشمل الحل ذهاب البرهان أو تغييراً في كابينة القيادة العسكرية وايضا ذهاب حميدتي واسرته وتغيير في قيادة الدعم؟هذا الخيار ليس مستبعداً في تاريخ النزاعات.
كثير من الحروب انتهت عندما حدث تغيير داخل أحد أطراف الصراع، مثل البرتغال 1974، تشيلي 1988، جنوب أفريقيا 1990 بعد فوز دي كليرك ضد الكهل العنصري بوتا وقبول الحزب بالاصلاح والتفاوض مع المؤتمر الوطني برئاسة ماتديلا داخل غيهب سجنه في جزيرة روبن بعد ان مكث لثلاثة عقود.
او على طريقة ابراهام لنكولن في امريكا او ديجول في فرنسا.
لكن في السودان، هذا السيناريو يواجه تعقيدات:الجيش مؤسسة كبيرة لكنها منهكة وقياداتها من جهات بعينها وعساكرها من جهات اخرى حيث تعاني من انفصام منظومي وفي تراتبيتها وتسيسها من قبل تنظيم الجبهة الاسلاموية.
القيادة الحالية ترى نفسها في معركة وجود ولها طموحها في الحكم كما اسلفت.
أي تغيير داخلي يحتاج توافقاً داخل المؤسسة وقياداتها، وليس مجرد قرار فردي فاذا نجح ضباط وطنيين واقتنعوا بفساد وعدم قدرة القيادة الحالية في الطرفين فربما يحدث الامر كحل او بترتيبات وضغط شعبي محلي ودعم اقليمي دولي بإبعاد قيادات طرفي الحرب.
التدخلات الخارجية قد تدعم أو تعرقل أي تغييرومع ذلك، يبقى هذا السيناريو ممكناً إذا:وصلت الحرب إلى مرحلة استنزاف كاملظهرت كتلة إصلاحية داخل الجيش او الدعم او ترتيبات محددة كما اسلفت.
توفر دعم إقليمي ودولي وارادة سودانية لحل سياسيالتغيير في القيادة لا يعني بالضرورة نهاية الحرب فوراً، لكنه قد يفتح الباب لتسوية جذرية جديدة.
هذا السيناريو يعتمد على قدرة القوى المدنية على:بناء تحالف واسع يشمل المجتمع المدني، النقابات، الإدارات الأهلية، وتنظيمات المهجر والمرأة والشبابلكن هذا يتطلب وقتاً وتنظيماً، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
تدخل إقليمي مباشر مدعوم دوليا لفرض وقف إطلاق النار عبر مجلس الامن الدولي والاتحاد الأفريقي.
هذا السيناريو قد يحدث إذا:توسعت الحرب إلى دول الجوارأصبحت تهدد الأمن الإقليمي مثلما ما يحدث مع إثيوبيا الان وتشاد.
لكن هذا الخيار يحمل أخطار كبيرة، وقد يؤدي إلى تدويل النزاع و”اقلمته” بدلاً من حله.
قد تظهر مبادرة من زعماء قبائل او شخصيات وطنية مستقلة او رجال دين وطرق صوفية وقوى شبابيةفهذه المبادرات قد لا توقف الحرب وحدها، لكنها قد تشكل ضغطاً أخلاقياً وسياسياً.
رابعاً: ما الذي يحتاجه السودان فعلاً؟ هناك ثلاثة شروط أساسية لأي حل:وقف شامل لإطلاق النار فبدون وقف الحرب، لا يمكن الحديث عن مساعدات و إعادة إعمار او عودة النازحين انتقال سياسي مدني.
إعادة بناء الجيش على أسس مهنيةوهذا يشمل دمج القوات وإنهاء تعدد الجيوشوإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنيةالسودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ودستور اجماعي متوافق عليه ثم نظام حكم يضمن العدالة والمساواة وتوزيع عادل للسلطة والثروةرغم كل شيء، نعم.
تاريخ الشعوب يقول إن الحروب مهما طالت تنتهي، وأن الشعوب التي تملك إرادة الحياة قادرة على النهوض.
السودانيون أثبتوا في ثورة ديسمبر وأبريل وأكتوبر أنهم قادرون على التغيير السلمي، وعلى بناء مشروع وطني جامع.
لكن هذا يتطلب وجود قيادة جديدة ورؤية واضحة، وتنظيم فعال، ودعمإقليمي، ودولي.
السودان اليوم يتكيء على حافة سيف تقسيم حاد، فإما أن يستمر في حرب بلا نهاية، أو أن يختار طريقاً صعباً يحتاج لهندسة سياسية اجتماعية اقتصادية وقيادة تخرج من ركام هذه الأزمة لمستقبل ممكن ينحو نحو السلام.
الخيارات ليست سهلة، ولا توجد وصفة جاهزة.
لكن ما هو مؤكد أن السودانيين وقواهم السياسية وبمساعدة اقليمية ودولية حميدة سيحددون مستقبل بلادهم ومهما طال ليل الشمولية المدلهم في اتجاهاتها المزدوجة دعماً وجيشا.
السؤال الحقيقي ليس ما هي الخيارات؟ بل هل نحن مستعدون لدفع ثمن السلام كما ندفع اليوم ثمن الحرب؟ ام سوف نتعايش مع الحرب كما فشلنا في التعايش مع السلام وخلق وطن مستقر، فهذا ما تجيب عليه قادمات الليالي السياسية والعسكرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك