تحت سماء مثقلة بالتوتر، وبين بحارٍ تعبرها البوارج أكثر مما تعبرها سفن الطمأنينة، تطل الذكرى الخامسة والأربعون لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية كواحدة من اللحظات النادرة التي يثبت فيها التاريخ صحة الرؤية السياسية لا بعد سنواتٍ قليلة، بل بعد عقود كاملة من العواصف والحروب والتحولات الكبرى.
لا شك أن المنطقة اليوم ليست كما كانت في مطلع الثمانينات.
فالشرق الأوسط يعيش على إيقاع اشتباكات مفتوحة، وصراع النفوذ بلغ ذروته مع الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما حملته من تهديد مباشر لأمن الخليج واستقراره وممراته الحيوية.
إلا أن ما برز وسط هذا المشهد المضطرب، كان تماسك المنظومة الخليجية وقدرتها على التحرك كجسد واحد حين تصدت بكل مقدرة إلى الضربات الايرانية العدوانية الآثمة.
التنسيق الخليجي هذه المرة ظهر بصورة أكثر وضوحًا وصلابة؛ تعاون أمني وعسكري عالي المستوى، تكامل في قراءة المخاطر، واستجابة مشتركة لصد الصواريخ والمسيرات الغادرة التي استهدفت أمن دول مجلس التعاون واستقرارها.
ولم يكن ذلك وليد لحظة طارئة فحسب، بل ثمرة تراكم طويل من العمل المشترك الذي أدركت عبره دول الخليج أن الأمن الفردي لم يعد كافيًا في زمن الصواريخ العابرة والميليشيات المتحركة والحروب غير التقليدية.
ولا بد التأكيد هنا إلى أن وراء هذا الثبات، تقف حكمة أصحاب الجلالة الملوك والسمو قادة دول الخليج، الذين نجحوا في إبقاء المجلس متماسكًا رغم كثافة الضغوط الإقليمية والدولية.
فمنذ تأسيسه، لم يكن المجلس مجرد إطار سياسي أو اقتصادي، بل صيغة اتزان إقليمي حافظت على الحد الأدنى من الاستقرار في منطقة اعتادت الانفجارات الكبرى أكثر من اعتيادها على التسويات.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من التنسيق التقليدي، إذ تبدو الحاجة ملحّة لبناء اتحاد أو تحالف اقتصادي وسياحي أكثر عمقًا وتماسكًا.
فدول الخليج تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتكون كتلة اقتصادية عالمية موحدة؛ موارد هائلة، بنية تحتية متقدمة، موقع استراتيجي، وصناديق سيادية تُعد بين الأكبر عالميًا.
وتشير الدراسات الاقتصادية وتقارير المؤسسات المالية إلى أن تحول دول المجلس إلى اتحاد اقتصادي كامل وسوق مشتركة موحدة، سيرفع معدل النمو السنوي إلى ما بين 3.
4 % و5 % كمتوسط مستدام حتى عام 2030، مدفوعًا بتكامل القطاعات وارتفاع الكفاءة الاقتصادية.
وإذا استمر هذا النمو التكاملي، فإن حجم الاقتصاد الخليجي المشترك مرشح للقفز من نحو 2.
4 تريليون دولار إلى ما يقارب 6 تريليون دولار، بما يجعله سادس أكبر اقتصاد في العالم.
لقد كشفت هذه التطورات عن أن منطقة الخليج، رغم ما حققته من إنجازات تنموية واقتصادية، ما زالت بحاجة إلى مظلة تكاملية أكثر قوة وصلابة، قادرة على حماية مكتسباتها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في إنشاء اتحاد خليجي يضم جميع دول الخليج، على غرار التجارب التكاملية الناجحة، وفي مقدمتها تجربة الاتحاد الأوروبي.
إن قيام اتحاد خليجي حقيقي يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة اقتصادية وأمنية متكاملة، تقوم على توحيد العملة الخليجية، وفتح الحدود بشكل أوسع، وتسهيل حركة المواطنين ورؤوس الأموال، وتنشيط التجارة والسياحة البينية، و إقامة المعارض والمؤتمرات المتخصصة والفعاليات الثقافية والترفيهية والثقافية بما يعزز التنافسية الاقتصادية عالميًا.
لقد مضت خمسة وأربعون عامًا، فيما يواصل مجلس التعاون إثبات حقيقة واضحة: أن الخليج، حين يتماسك، يصبح أكبر من الجغرافيا وأقوى من العواصف والتهديدات الخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك