يا علماء الأمة.
إن الله لم يرفعكم بالعلم لتكونوا زينة مجالس، ولا حراس صمت على أبواب السلاطين، ولا أصواتا باردة تلقي مواعظ الاتزان بينما تذبح الأمة من الوريد إلى الوريد.
لقد أقامكم الله في موضع الشهادة، لا في مقاعد المتفرجين، وجعل الكلمة في أفواهكم أمانة تنقذ الحق إذا اختنق، لا حروفا تتلى ثم تنسحب عند لحظة الامتحان.
إن الأمة لا تنكسر فقط بطغيان أعدائها، بل تنكسر أيضا حين يبرد ضمير علمائها، وحين تتحول الكلمة التي خلقت لتكون نارا في وجه الظالم إلى دخان خافت لا يوقظ نائما ولا يزعج قاتلالكن الوسطية التي تنقلب إلى حياد بين السكين والعنق ليست وسطية، بل عجز متأنق، وخذلان يكتب بلغة مهذبة.
فالحق لا يطلب من العالم أن يكون “متوازنا” بين المظلوم وجلاده، ولا أن يقف في منتصف الطريق بين الأقصى ومقتحميه، ولا بين أطفال غزة وسماء تمطر نارا وحديدا.
أي وسطية هذه التي تخشى تسمية الجريمة جريمة؟وأي فقه هذا الذي يتقن حساب العواقب السياسية، لكنه يعجز عن الانحياز الأخلاقي الواضح؟لقد تحول “الحياد” عند بعض المتصدرين إلى لاهوت جديد للصمت، يغسل به العجز، وتبرر به المواقف الرمادية، حتى صار بعض الناس يسمعون أنين غزة أعلى من سماعهم أصوات كثير من المنابر.
إن الأمة لا تنكسر فقط بطغيان أعدائها، بل تنكسر أيضا حين يبرد ضمير علمائها، وحين تتحول الكلمة التي خلقت لتكون نارا في وجه الظالم إلى دخان خافت لا يوقظ نائما ولا يزعج قاتلا.
يقول علي شريعتي: “أخطر أنواع الاستحمار أن يفقد الإنسان حساسيته تجاه الظلم”.
ولا يجوز أن تفقد هذه الحساسية عند من يفترض أنهم حراس الوعي، وورثة الأنبياء، وأمناء الشريعة على ضمير الأمة.
ويقول فرانز فانون: “إن الصمت أمام القهر ليس حالة سلبية، بل مشاركة غير مباشرة في تثبيت بنية الظلم”.
ولهذا فإن أخطر ما يخشى اليوم ليس فقط بطش المحتل، بل اعتياد الأمة على مشهد الدم، واعتياد بعض النخب على خطاب منزوع الدسم، منزوع الغضب، منزوع الكرامة.
غزة اليوم ليست اختبارا للسياسة، بل امتحانا لضمير الأمة، وامتحانا لمعنى الوراثة النبوية ذاتها: هل خلقت المنابر لتقول الحق حين يصفق الجميع، أم حين يصبح قوله ثمنا؟إن التاريخ لا يرحم المترددين في اللحظات الفاصلة.
وسوف يأتي يوم تفتح فيه دفاتر هذه المرحلة، فيسأل كل صاحب منبر:ماذا قلت حين كان الأقصى يدنس؟وأين كان صوتك حين كانت غزة تباد على الهواء مباشرة؟وهل كنت شاهد حق… أم شاهد صمت؟لقد كان العلماء الكبار عبر التاريخ ضمائر مشتعلة، لا أجهزة تكييف فكري تخفف حرارة القضايا الكبرى.
وكانوا يعرفون أن العالم الذي يخشى على مكانته أكثر من خشيته على الحق، يفقد بالتدريج معنى الوراثة النبوية، ولو حفظ المتون، وازدانت باسمه المنصات والشاشات.
إن أمة الوسط ليست أمة البرود الأخلاقي، بل أمة القسط التي تقف مع الحق ولو دفعت الثمن.
فالوسطية الحقيقية ليست الوقوف في منتصف المعركة، بل الوقوف الكامل مع العدل، دون إفراط في الظلم، ولا تفريط في الحقيقة.
في اللحظات التي تذبح فيها الأمم، لا يعود الصمت موقفا شخصيا، بل يتحول إلى فراغ هائل يبتلع معنى الرسالة كلها.
وحين يخفت صوت العلماء في زمن المجازر، تتقدم السكين أكثر، لا لأن الباطل صار أقوى فقط، بل لأن الحقيقة تركت وحيدة في الميدان.
سيطوى هذا الزمن يوما، لكن الدم لا ينسى، والتاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة لن تسأل فقط: من قتل، بل ستسأل أيضا: من تكلم… ومن اختبأ خلف الكلمات الباردة بينما كان الأقصى ينادي، والأمة تنزف على الهواء مباشرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك