حقق علماء صينيون تقدمًا طبيًا لافتًا بعد تطوير نسيج قلبي نابض مُستنبت مخبريًا، قادر على محاكاة عمل منظم ضربات القلب الطبيعي داخل جسم الإنسان.
ويأمل الباحثون أن يُمهد هذا الابتكار الطريق مستقبلًا نحو بدائل بيولوجية لأجهزة تنظيم ضربات القلب الإلكترونية التقليدية، التي تُستخدم منذ عقود لعلاج اضطرابات نظم القلب.
ويعتمد هذا الإنجاز على إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للعقدة الجيبية الأذينية، وهي الجزء المسؤول عن توليد الإشارات الكهربائية التي تتحكم في إيقاع نبض القلب، وربطه بشبكة عصبية اصطناعية تُحاكي التفاعل الطبيعي بين القلب والجهاز العصبي.
تطوير نسيج قلبي نابض داخل المختبرتقع العقدة الجيبية الأذينية في الجزء العلوي من الأذين الأيمن للقلب، وتُعرف بأنها" منظم ضربات القلب الطبيعي".
وتتكون من مجموعة صغيرة من الخلايا المتخصصة التي تُولد نبضات كهربائية تُحافظ على انتظام ضربات القلب وتنسيق عملية ضخ الدم في أنحاء الجسم.
وتعمل هذه العقدة بالتعاون مع إشارات الجهاز العصبي لتحديد توقيت انقباض حجرات القلب العلوية والسفلية.
لكن عند تعرضها لأي خلل، قد ينبض القلب ببطء شديد أو يتوقف مؤقتًا، ما يؤدي إلى اضطراب تدفق الدم وظهور مخاطر صحية قد تصل إلى تهديد الحياة.
وفي الحالات الحادة، يضطر الأطباء إلى استخدام أجهزة تنظيم ضربات القلب الإلكترونية أو التدخل الطبي الطارئ للحفاظ على انتظام نبضات القلب.
بحسب تقرير نشرته صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”، نجح فريق بحثي من مدينة شنغهاي في تطوير جهاز تنظيم ضربات قلب بيولوجي مُستنبت مخبريًا باستخدام خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات، وهي خلايا قادرة على التحول إلى أنواع مختلفة من الأنسجة.
واستخدم العلماء هذه الخلايا لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للعقدة الجيبية الأذينية قادر على توليد نبضات كهربائية مستقرة وتلقائية تُشبه بدرجة كبيرة النشاط الطبيعي للقلب البشري.
ولجعل النموذج أكثر واقعية، ربط الباحثون النسيج القلبي بشبكة عصبية اصطناعية تُحاكي الضفيرة القلبية الموجودة قرب قاعدة القلب، والتي تلعب دورًا مهمًا في تنظيم سرعة نبضاته واستجابته للإشارات العصبية.
إنجاز علمي لفهم اضطرابات القلبأُجريت الدراسة بمشاركة علماء من الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة فودان، ونُشرت نتائجها في مجلة" Cell Stem Cell" العلمية.
ويُعد هذا التطور مهمًا لأن دراسة العقدة الجيبية الأذينية ظلت لسنوات تحديًا كبيرًا للباحثين بسبب صغر حجمها ووجودها في منطقة عميقة من القلب يصعب الوصول إليها في العينات البشرية.
كما واجهت النماذج الحيوانية، خاصة الدراسات المعتمدة على الفئران، صعوبة في محاكاة الطريقة الدقيقة التي يعمل بها منظم ضربات القلب البشري، ما دفع العلماء إلى الاتجاه نحو تطوير نماذج بشرية مُستنبتة مخبريًا.
واعتمد الفريق البحثي على إعادة إنتاج الإشارات البيولوجية التي تظهر خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين البشري، ما سمح بتكوين نسيج قلبي يُحاكي إلى حد كبير خلايا العقدة الجيبية الأذينية الطبيعية.
وأظهرت النتائج أن النسيج المُستنبت يمتلك نشاطًا جينيًا مشابهًا للخلايا الجنينية البشرية، كما استجاب بشكل صحيح للأدوية المستخدمة في التحكم بمعدل ضربات القلب.
ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل المرة الأولى التي يتمكن فيها العلماء من إعادة بناء العملية الكاملة لتوليد الإشارات الكهربائية في القلب ونقلها داخل بيئة مخبرية متكاملة.
رغم أن أجهزة تنظيم ضربات القلب الإلكترونية لا تزال تُستخدم على نطاق واسع منذ أكثر من 50 عامًا، فإن الباحثين يعتقدون أن النماذج البيولوجية الجديدة قد تُوفر مستقبلًا بديلًا أكثر توافقًا مع جسم الإنسان.
وقد تفتح هذه التقنية الباب أمام تطوير أجهزة تنظيم ضربات قلب تعتمد على الخلايا المزروعة أو الأنسجة العضوية، ما قد يقلل من الحاجة إلى الأجهزة الإلكترونية التقليدية ومضاعفاتها المرتبطة بالبطاريات والأسلاك الجراحية.
ومع استمرار الأبحاث، يأمل العلماء أن تُساهم هذه النماذج في فهم أفضل لأمراض القلب واضطرابات النظم القلبية، إلى جانب تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية للمرضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك