يعيش ملايين المستخدمين حالة من القلق اليومي لا يتحدثون عنها، سببها علامة القراءة الزرقاء في" واتساب".
هذه العلامة البسيطة حوّلت التواصل غير الرسمي إلى التزام كامل، فأنت متاح دائماً، والآخرون يعرفون متى رأيت رسائلهم بالضبط، والنتيجة مفادها بأن الصمت أو التأخير في الرد يتحولان إلى إهانة شخصية أو علامة على وجود مشكلة.
هذا الضغط دفع الكثيرين إلى تعطيل خاصية الظهور آخر مرة، بل وإخفاء علامات القراءة الزرقاء وذلك هرباً من الشعور بأن التطبيق يراقبهم ويحاكمهم.
وعليه كيف تحول تطبيق للمراسلة إلى مصدر للتوتر الاجتماعي اليومي؟يرى كثيرون من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بوجوب وجود عقد اجتماعي غير مكتوب يحكم تفاعلاتنا عبر الرسائل الإلكترونية، وأوضح بند في هذا العقد يجب أن يكون هو أن أنواعاً معينة من الرسائل تتطلب رداً سريعاً.
ففي عالمنا الذي يتميز بالاتصالات الفورية، يبدو أننا أصبحنا نتوقع أن تنعكس سرعة الوصول إلى المعلومات التي توفرها لنا التكنولوجيا في تواصلنا الاجتماعي عبر الإنترنت، تماماً كما هو الحال عند التواصل وجهاً لوجه.
لكن المعايير السائدة في العالم الواقعي لا تنتقل بالضرورة بسهولة إلى العالم الرقمي، لذا يبدو من الأنسب وضع عقد اجتماعي جديد للتواصل عبر الإنترنت.
فعندما يُكسر العقد الاجتماعي أو حتى الخروج عنه قليلاً، فإنه يمكن أن يُدخل تسلسلاً هرمياً من عدم الارتياح في عملية التواصل، وغالباً ما يشمل ذلك القلق والتفكير العميق في أسباب عدم الرد.
وقد تزداد حدة هذه المشاعر عندما نعتقد أن الشخص الآخر قد قرأ رسالتنا ولكنه تجاهلها.
وفي هذه الحالة قد يتفاقم شعورنا بالانزعاج مع مرور الوقت، وقد يصل القلق المتزايد إلى حدّ إغراق الشخص الذي لم يردّ علينا بمزيد من الرسائل في محاولة لاستدراجه للرد.
وبالطبع تختلف ردود الفعل هذه من شخص لآخر، ومن ثقافة لأخرى، وقد أشير إلى أن بعض الأشخاص الذين يتميزون بردود فعل عاطفية شديدة ويستخدمون الرسائل النصية بكثرة، قد يشعرون بالرفض والعزلة ويعانون من قلق شديد عندما لا يتلقون ردوداً فورية على رسائلهم.
ومن أبرز أسباب التوتر المرتبط بتطبيق" واتساب" الحاجة المستمرة لتفقد الرسائل والرد عليها.
فمع إمكانية تلقي إشعارات بالرسائل الجديدة، يصعب مقاومة الرغبة في تفقد الرسائل والرد عليها فور وصولها.
هذه الحاجة الدائمة للبقاء على اتصال قد تؤدي إلى الشعور بالقلق والضغط، بخاصة إذا شعرنا بضرورة الرد على الرسائل فوراً.
وعليه هل سبق لك أن وجدت نفسك تتفقد تطبيق" واتساب" عند إشارة المرور، أو أثناء تناول العشاء، أو حتى في منتصف محادثة؟ فاعرف أنك لست وحدك، إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن مستخدم الهاتف الذكي العادي يتفقد تطبيقات المراسلة أكثر من 80 مرة يومياً، ويتصدر" واتساب" القائمة في العديد من البلدان، وهذا ما جعله يدخل في قائمة التطبيقات التي تؤدي للإدمان.
لذا، فإن تصميم" واتساب" ليس وليد الصدفة، حيث تستغل المنصة عدة آليات نفسية تجعل التخلي عنها صعباً للغاية.
وعليه فإن فهم هذه الآليات هو الخطوة الأولى نحو إدراك الاستخدام الإشكالي.
إذ تُثير خاصية تأكيد القراءة، وهي تلك العلامات الزرقاء المزدوجة، ما يُسميه علماء النفس قلق المسؤولية الاجتماعية.
فعندما يرى أحدهم أنك قرأت رسالته، يتوقع ضمنياً الرد، وهذا يُحوّل المراسلة العادية إلى استعراض للتواجد.
وقد لاحظ العلماء في البيئات السريرية كيف يُمكن لهذه الخاصية وحدها أن تُولّد ضغطاً نفسياً كبيراً، لا سيما لدى الأشخاص الذين يُعانون أصلاً من نزعة إرضاء الآخرين أو القلق الاجتماعي.
ويُعطّل كثيرون علامة القراءة الزرقاء في" واتساب" حفاظاً على خصوصيتهم، فهم لا يرغبون في ضغط الرد الفوري، أو يشعرون بعدم الارتياح لإعلام الآخرين بقراءة رسالة.
وفي بعض الحالات، تُساعد هذه الميزة في وضع حدود واضحة، وتجنب التوقعات غير الضرورية، ولكن على رغم من فوائدها، إلا أنها تُسبب مشاكل أكثر مما تحل.
فإذا سبق لك أن أرسلت رسالة مهمة ولم تكن متأكداً إذا كانت قد قُرئت، فأنت تفهم المعنى، ففي حال كنت تستخدم" واتساب" لأغراض العمل وكأداة تواصل فعّالة، قد يبدو تعطيل خاصية تأكيد القراءة إعداداً بسيطاً، ولكنه قد يؤدي إلى سوء فهم وتأخيرات غير ضرورية وحتى مشاكل في الثقة.
ويرى البعض أن الأمر قد يبدو غير لائق أحياناً، وذلك بناءً على فكرة مفادها بأن التواصل عملية تفاعلية.
فعندما يُعطّل أحدهم خاصية تأكيد القراءة، لا يمكنك معرفة ما إذا كان قد رأى رسالتك أم يتجاهلها.
هل فتحها؟ هل نسي الرد؟ هل يجب عليك إرسال رسالة أخرى؟ وهذا يُحوّل المحادثات البسيطة إلى لعبة تخمين، مما يعتبر مُرهِقاً للطرف المبادر.
وفي المحادثات الشخصية والمهنية على حد سواء، فمعرفة أن الرسالة قد قُرئت تُساعد على معرفة ما الذي يجب عليك القيام به، فإذا عرفت أن أحدهم قد رأى رسالتك، ولكنه لم يرد، يُمكنك على الأقل تحديد الخطوة التالية.
أما من دون علامات القراءة الزرقاء، فستبقى في حيرة من أمرك تتساءل إن كان عليك المتابعة أم الافتراض ببساطة أنهم لم يتفقدوا هواتفهم.
في حين يستخدمها البعض كذريعة للتهرب من المسؤولية، ففي بيئة العمل إذا ادعى أحدهم أنه لم يرَ الرسالة، فمن المستحيل التحقق من ذلك، ولكن مع تفعيل علامات القراءة الزرقاء يبدو الوضع وكأن هناك نوعاً من الشفافية.
عندما تكون المساءلة مهمة، فإن تعطيل إشعارات القراءة قد يخلق ثغرات غير ضرورية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما فيما يخص المحادثات الجماعية، فإنها بخلاف المحادثات الفردية، تُولّد هذه المجموعات سيلاً متواصلاً من الإشعارات يصعب تجاهله، ويتفاقم الخوف من تفويت الأحداث FOMO بصورة كبيرة في سياقات المجموعات، فقد تجد 200 رسالة غير مقروءة في مجموعة عائلية، لكن القلق من تفويت شيء مهم، أو ما هو أسوأ، أن يجري الحديث عنك من دون علمك، يدفعك إلى الاستمرار في التصفح.
وقد وصف كارلوس، وهو متخصص تسويق يبلغ من العمر 34 سنة، كيف كان مشتركاً في 17 مجموعة" واتساب" نشطة في وقت واحد، حيث كان هاتفه يرن باستمرار طوال اليوم، فقال، " كنت أشعر دائماً أنني متأخر عن الركب، حتى عندما كنت ألحق بمجموعة واحدة، كانت ثلاث مجموعات أخرى قد انضمت إليها".
هذه الحالة المستمرة من محاولة اللحاق بالركب مرهقة، وتعزز سلوك التحقق القهري.
إذ يعمل تطبيق" واتساب" وفق ما يسميه علم النفس السلوكي جدول التعزيز بنسبة متغيرة، وهو نفس المبدأ الذي يجعل ماكينات القمار شديدة الإدمان.
فأنت لا تدري متى ستتلقى رسالة شيقة، أو صورة مضحكة، أو معلومة مهمة.
وأحياناً تتفقد التطبيق فلا تجد شيئاً، وأحياناً تجد شيئاً مثيراً للاهتمام نوعاً ما.
إن هذا التقلب له تأثير قوي على الجهاز العصبي، إذ يفرز دماغنا الدوبامين ليس فقط عند تلقي المكافآت، بل تحسباً لمكافآت محتملة.
ففي كل مرة تمسك فيها هاتفك لتفقد" واتساب"، يكون دماغك أشبه بسحب رافعة على ماكينة قمار، على أمل الحصول على تواصل اجتماعي أو محتوى شيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك