لم تكن لحظة عادية أبداً، فهذا النوع من اللقاءات لا يحمل سمات الأشياء الطبيعية التي اعتدنا عليها في هذه البلاد.
هكذا لحظات يعيشها الواحد منا، تكون عادة أقرب إلى الأحلام؛ فهي لحظات لطالما حملناها في ذاكرتنا وغربتنا، ورسمنا لها عشرات السيناريوهات المحتملة، لكننا لم نتوقع أن نراها على أرض الواقع.
فكأن الطاغوت لا يضع قيوداً ماديةً وحسب، بل يلف أصفاده على معاصم أحلامنا، ويصعق خيالنا البريء على الكراسي الكهربائية، ويجعلنا نشعر بالخوف من اللحظة التي نرى فيها أن جزءاً من الحلم راح يتجسد على أرض الواقع.
غيث الماغوط في سلمية بعد فرقة دهرفي اللحظة الأولى التي سمعت فيها صوته لم أعرفه، ببساطة ليس لأن صوته تغيّر، لكن في الحقيقة هو انعدام الإدراك بالمحسوسات؛ فالعقل البشري لا يتوقع حدوث الأشياء بهذه البساطة، لا يتوقع أن غيث، الذي غادر الديار باحثاً عن مكانٍ أقل قسوة من الوطن الذي لفظنا جميعاً في حقبة مظلمة، يعود بعد أحد عشر عاماً ليلتقي بالرفاق الذين لم ينسوه يوماً، ولم ينسهم بدوره.
أصبح أكثر هدوءاً، لكن لا تزال خفة ظله حاضرة.
هذا الشاب الذي عرفته منذ الطفولة الأولى في المرحلة الابتدائية، الشاب الذي جمعني به حب الحياة وحب المسرح، اليوم كنا معاً ننهب طرقات سلمية كما اعتدنا، ننبش كل الذكريات العتيقة، نستعيد تلك الأسماء والألقاب القديمة، وننفض عنها غبار الزمن، نحاول أن نعيد تشكيل سلسلة طويلة من الأحداث، وكأننا نحاول أن نعيد تركيب لوحة مبعثرة، أو نسعى لنحل أحجية الزمن التي استعصت على الحل فعلاً.
كثيرة هي القصص التي حاولنا البحث عن أبطالها في ذاكرتنا البعيدة، كثيرة هي المواقف التي جعلتنا نشرد كثيراً لنقوم بعملية عصف ذهني لمحاولة استيعاب سرعة الزمن؛ فكل هذه الذكريات تشربت مرارة الغربة حد الثمالة، واغتالتها جراح الحرب والفرقة، لكن هناك شيئاً في أعماقنا كان يحاول جاهداً أن يقنعنا بأن كل تلك الأحداث كانت فقط بالأمس القريب، وكأن رغبة في أعماقنا تريد أن تسقط طاغية العمر الذي سُرق بسبب طاغية دمشق.
عن حمص وسلمية وأشياء لم تسقط من الذاكرةالمفاجأة أن الجغرافيا القسرية التي ننتمي إليها بالولادة لم تكن هي الحيز الجغرافي الوحيد الذي جمعني مع غيث، بل إن حمص احتضنت أحلام الشباب البكر فينا.
هناك، في أحياء حمص، نبتت العديد من الذكريات، ولم تفلح المدفعية والبراميل المتفجرة في مسحها من تلافيف دماغنا.
في سنوات الدراسة الأولى، ورغم كل الظروف الأمنية المحيطة بنا في شتاء 2012، كانت شقة بسيطة في حي عكرمة تجمع أحلام طالبين بسيطين؛ أحدهما أنا، طالب الأدب العربي، وغيث الجميل، الذي استطاع أن يضع أول قطعة فسيفساء في لوحته العظيمة، ويلتحق بكلية الموسيقى.
كانت الأحلام حينها أكبر من الحرب ذاتها، وأكبر من قدرة الطاغوت وجبروته.
كنا نحاول أن ننسج من بقايا قذائف المدفعية والهاون وغبار الحرب الشرسة على بابا عمرو والخالدية قميص أمل يجعلنا نتجاوز جنون الحرب.
بدورها، كانت الثورة توقد في أعماقنا رغبة في البقاء، رغم أن الموت بأبشع أشكاله كان يفرض علينا حصاراً خانقاً.
غيث في رحلة على متن زوارق الموتحلم الماغوط كان أكبر من الحرب، حلم كان يحتاج إلى مغامرة لا تليق إلا بمغامر مثله، اختار أن يحزم ما تبقى له من الذكريات في حقائب واهية، ويضع الكلارينت على كتفه، ويحتضن موسيقاها في قلبه، ويغادر البلاد، حاله حال آلاف الشباب السوريين الذين ضاقوا ذرعاً بهذه الأرض، وشعروا بأن هذه الأوطان تحولت إلى حبل مشنقة يلتف حول أعناقهم، فكان الخيار هو الهجرة نحو بلاد مجهولة، وفي رحلة محفوفة بالمخاطر، لكن يبقى الحلم أكبر من كل أنواع الخوف.
غادر الماغوط سلمية تاركاً أثراً طيباً، وباحثاً عن أرض جديدة يضع فيها اللحن إلى جانب الكلمة، نحو أرض تحترم أنفاس الموسيقيين، ولا تدفنها تحت سحب السلاح الكيميائي وغاز السارين.
على متن الزورق المطاطي الواهن في عرض بحر إيجة، كانت لحظات عصيبة بين الشاطئين التركي واليوناني.
لا تزال صورة الماغوط حاضرة برفقة الجميل مصطفى الشعار، عندما وصلا إلى الشواطئ اليونانية، لتتلقفهما كاميرات الصحافة، ويظهر الأصدقاء في لقطة تاريخية، وكأنها نبوءة الشهرة التي كانت تنتظر الماغوط هناك، في الأرض الأوروبية المنخفضة: «هولندا».
من أمستردام إلى سلمية: حكاية أنفاس الماغوط والكلارينتبدأ الماغوط رحلة شاقة في التأقلم وإثبات الوجود، رحلة كانت اللغة فيها حاجزاً واضحاً في البداية، إلا أن لغة العالم كانت الموسيقى.
فمن خلال موهبته استطاع الماغوط أن يثبت جدارته، ويكمل دراسته الأكاديمية، ويعتلي المسارح الأوروبية والعالمية تباعاً.
في كل مرة كان الماغوط يظهر فيها فوق المسرح كنت أشعر بالغبطة؛ لأني أعرف التفاصيل الصغيرة حول هذه الرحلة العظيمة.
فمن أمستردام إلى برلين إلى ستوكهولم ولشبونة و.
ها هو الماغوط اليوم يعود إلى سلمية ليعتلي خشبة مسرحها بصحبة الكلارينت العزيزة، وكأنه يعيد رسم شريط الذكريات، ويسعى لأن يحملنا برفقة اللحن نحو عوالم ربما أعرف جزءاً منها، لكن من المؤكد أن الكثير من الأشياء لا تزال تنتظرنا هناك.
في سلمية، وعلى خشبة مسرح سينما سلمية، بتاريخ 21/5/2026، يقيم الماغوط حفله الأول بعد سقوط الطاغية.
يرافقه صوت المغنية إيما نيلسون، خطيبته البريطانية، ورفاقه أسامة خديجة على العود، وسلمى ناصر على البيانو، في الساعة السابعة بتوقيت مدينة السلام سلمية.
واليوم نستطيع القول إن عازف الكلارينت عاد إلى الديار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك