هل" الصدمة الثقافية" مجرد استجابة طبيعية وحتمية للكارثة، أم أنها بناء رمزي نصنعه بأنفسنا؟ كيف يتحول الألم الفردي المشتت إلى هوية جماعية توحد المجتمع؟ من يمتلك القدرة على صياغة معنى المعاناة وفرضه في الذاكرة؟ كيف نتمكن من التعاطف العميق مع ألم لم نختبره شخصياً؟ وهل يمكن للجاني أن يعاني من صدمة انهيار هويته الأخلاقية بعد اكتشاف جريمته؟ لماذا قد تولّد التحولات الاجتماعية الإيجابية والمفاجئة كالانتصارات أزمات جديدة؟يجيب عن كل هذه الأسئلة كتاب" Cultural Trauma and Collective Identity" (الصدمة الثقافية والهوية الجماعية) الذي ألفه مجموعة من علماء الاجتماع المعاصرين، وهم جيفري ألكسندر، ورون إيرمان، وبرنهارد جيسن، ونيل سميلسر، وبيوتر شتومبكا وصدر عن دار نشر جامعة كاليفورنيا.
ينطلق هذا العمل من تساؤل جوهري حول آليات الاستقطاب الاجتماعي وبناء القيم المشتركة، ليقدم" الصدمة الثقافية" كمفهوم مفتاحي يمتلك القدرة التحليلية لتفسير الكيفية التي تعيد بها المجتمعات صياغة هوياتها في لحظات الأزمات الكبرى.
لا يعرض الكتاب مجرد دراسات حالة متناثرة، بل يؤسس لأطار نظري بديل يتحدى النظريات العيادية والنفسية التقليدية، ناقلاً الصدمة من حيزها النفسي الفردي كحدث يترك أثرا مباشرا على الذات، إلى مقولة معرفية ورمزية جماعية.
فالصدمة أي كتابة رواية الألم المشترك، وفق هذا المنظور، هي عملية بناء رمزي وتأويلي تشترك في هندستها قوى اجتماعية ونخب ومؤسسات، غايتها إعادة تعريف الهوية وتوسيع دائرة التضامن الأخلاقي، أو تضييقها نحو الانغلاق والإقصاء.
المغالطة الطبيعية والنظرية العامية للصدمةيؤسس جيفري ألكسندر مشروعه بقطيعة حاسمة مع ما يسميه" النظرية العامية للصدمة"، والتي تسيطر على الفهم اليومي لردود الأفعال تجاه الكوارث.
تقع هذه النظرية في فخ" المغالطة الطبيعية"، حيث تفترض أن الأحداث المأساوية تمتلك في ذاتها قوة تفجيرية حتمية تخلخل توازن المجتمع بصورة موضوعية وتلقائية.
وتتفرع هذه النظرية العامية إلى تيارين رئيسيين؛ الأول هو منظور التنوير الذي يفترض أن الصدمة استجابة عقلانية ومباشرة لحدث خارجي مدمر، تتجلى في الغضب أو الحزن، وتتبعها محاولات عقلانية لإصلاح الخلل.
ورغم إسهامات كلاسيكية في هذا الاتجاه، إلا أنه يظل أسيرا لافتراض التدفق الحتمي للصدمة من فيزياء الحدث.
أما التيار الثاني، فهو المنظور التحليلي النفسي الذي يُدخل اللاوعي وآليات الدفاع النفسي كوسيط بين الحدث والاستجابة.
هنا، تصبح الصدمة تجربة تستعصي على الاستيعاب اللحظي، تُكبت في اللاوعي لتعود وتطفو كأعراض عصابية، مما يستلزم" الشغل على الذاكرة" لاستعادتها.
ورغم أهمية هذا الطرح في كشف التواءات الذاكرة البشرية، فإنه يظل وفيا للمغالطة الطبيعية بافتراضه وجود حقيقة موضوعية أصلية تم كبتها.
يعلن الكتاب انفصاله عن هذه الواقعية" الساذجة"، ليؤكد أن الأحداث الفظيعة من إبادات وكوارث لا تتحول تلقائيا إلى صدمات ثقافية، بل تتطلب ابتكارا اجتماعيا-ثقافيا وبناء دلالياً تتوسطه آليات المجتمع.
فالألم ليس معطى جسدي ينتقل للثقافة، بل يصاغ عبر" عملية الصدمة"، وهي صراع رمزي لتعريف طبيعة الألم، وتحديد هوية الضحية، وربطها بالجمهور الأوسع لخلق التماهي، وصولا إلى إسناد المسؤولية الأخلاقية والتاريخية للجناة.
لكي تتبلور الصدمة الثقافية وتعيد صياغة الوعي الجمعي، لابد من توفر شروط بنيوية تحركها فواعل محددة.
يتصدر المشهد ما يُعرف بـ" الجماعات الحاملة"، وهي النخب الفكرية والسياسية والحركات الاجتماعية التي تمتلك الرأسمال الرمزي لترجمة الألم الفردي المشتت إلى قضية عامة وادعاء ثقافي.
تستند هذه الجماعات إلى وسائل التمثيل والجماليات، حيث تتم صياغة المعاناة في قوالب سردية جذابة تثير المشاعر الإنسانية، وتستعين بالفنون والنصب التذكارية لتمنح الألم المجرد جسداً مرئياً ومحسوساً.
ولا يمكن لهذه السرديات أن تكتسب شرعيتها إلا بمرورها عبر الساحات المؤسسية التي تشكل مرشحات مجتمعية.
تتداخل هنا الساحة الدينية التي تقرأ الحدث كاختبار أو تضحية مقدسة، مع الساحة الجمالية التي تخلد الذكرى، والساحة القانونية التي تحسم هوية الجناة عبر المحاكمات، وصولا إلى الساحتين الأكاديمية والسياسية اللتين توثقان الحدث وتستثمرانه لشرعنة القرارات وبناء الذاكرة المقبولة.
يبرهن الكتاب على الكفاءة التفسيرية لبرادايم (الإطار النظري) الصدمة الثقافية عبر دراسات حالة عميقة.
يفكك رون إيرمان تاريخ العبودية وتشكيل الهوية الأمريكية - الإفريقية، مقدما أطروحة جريئة مفادها أن العبودية لم تكن صدمة ثقافية للمستعبَدين الأوائل بالمعنى السوسيولوجي (الاجتماعي)، بل غدت كذلك بعد عقود من إلغائها.
لم تبدأ عملية الصدمة إلا مع الأجيال اللاحقة التي واجهت خيبات إعادة الإعمار والفصل العنصري، لتستدعي ذاكرة العبودية كاستعارة تأسيسية وصدمة ثقافية تمنح السود هوية جمعية وتدعم مطالبهم بالمواطنة.
يثبت هذا التحليل أن الصدمة الثقافية نظرة نحو المستقبل بقدر ما هي استدعاء للماضي.
على النقيض من التركيز المعتاد على الضحايا، يقدم برنهارد جيسن إسهاما بالغ الجرأة عبر مقاربته لـ" صدمة الجناة" من خلال دراسة الهوية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.
واجه الشعب الألماني انهيارا وجوديا إثر اكتشاف شراكته في إبادة وحشية، مما وضعه أمام أزمة هوية عميقة.
تدرجت استراتيجيات التعامل مع هذا الماضي الثقيل من الإنكار والصمت المطبق والتركيز على المعاناة الذاتية، مرورا بمرحلة الانقسام والصراع الجيلي حيث انتفض الشباب ضد صمت الآباء، لتنتهي بمرحلة التماهي مع الضحية والاعتراف الأخلاقي.
هذا الاعتراف العلني والمؤسسي بالذنب حول ذكرى الهولوكوست من وصمة عار إلى المرجع الأخلاقي التأسيسي لألمانيا الحديثة.
وفي سياق التحولات المجتمعية، يطرح بيوتر شتومبكا مفهوم" صدمة الانتصار" أو الصدمة البنيوية كما حصل قي تحول بولندا ما بعد الشيوعية.
ورغم أن سقوط الاستبداد كان حدثا يُحتفى به، إلا أنه أنتج صدمة ناجمة عن الفجوة بين سرعة التغير المؤسسي وبطء التكيف الثقافي.
أدى هذا التناقض إلى شيوع حالة من فقدان البوصلة (اللامعيارية) والاغتراب والشعور بانعدام الأمان في مجتمع لم يألف تعقيدات ومخاطر الاقتصاد الرأسمالي الحر، ما يؤكد أن التغير الجذري، حتى وإن كان تقدميا مرغوبا يحمل في طياته آلام التكيف.
إسقاطات على الصدمة السوريةعند انتقالنا من الفضاء التنظيري إلى مختبر الواقع السوري ما بعد السقوط المدوي لنظام الأسد في نهاية عام 2024، نجد أن الترسانة المفاهيمية للكتاب تقدم أداة استثنائية لتشريح حالة الاستعصاء التي تكتنف بناء الذاكرة السورية.
يمثل انهيار عقود من الاستبداد الممنهج لحظة تاريخية محفوفة بتحديات إعادة صياغة العقد الاجتماعي وترميم الهوية الممزقة بأهوال أربع عشرة سنة من الصراع.
وبناء على تفنيد ألكسندر لـ" المغالطة الطبيعية"، يتضح جليا أن الأرقام المفزعة للضحايا، ومئات الآلاف من المعتقلين، والمدن المدمرة، لم تُنتج بشكل حتمي وتلقائي تضامنا وطنيا أو هوية سورية جديدة تتمحور حول رفض الاستبداد.
على العكس، تعرض هذا الألم الهائل لحالة من التشتت والتمييع وبات مفتقرا إلى إطار تمثيلي رمزي جامع.
تتجلى أزمة الهندسة الثقافية في سوريا عبر الفشل الذريع لـ" الجماعات الحاملة".
فبدلا من صياغة سردية مهيمنة عابرة للانقسامات، تشظت النخب السورية ودخلت في نفق مظلم من" تزاحم الضحايا".
حيث تحاول القوى التي تدعي تمثيل الأغلبية المتضررة، مستندة إلى حجم خسائرها الديموغرافية والعمرانية الهائلة، تصدر مشهد المظلومية لتأسيس مشروعية قيادة المرحلة بناء على هذا الثقل الاستثنائي من المعاناة.
في المقابل، ترفض زعامات تصدرت المكونات الفرعية هذا التوجه، مبرزة سردياتها الخاصة حول مخاوفها الوجودية العميقة وتاريخها الخاص مع التهميش والتهديد.
هذا التنافس المحموم على احتكار الألم عطل الآلية الأساسية في مسار الصدمة؛ وهي ربط الضحية بالجمهور الأوسع وتوسيع دائرة التعاطف الإنساني المتبادل.
وبذلك، استحال الألم من قاسم مشترك يعيد صياغة الأخلاق العامة، إلى جزر معزولة من السرديات المغلقة التي تُستثمر سياسيا لترسيخ هويات فرعية إقصائية، بدلا من صهرها في هوية وطنية جامعة ودامجة.
يمتد أثر هذه الفجوات المعرفية إلى البنية المؤسسية، ولا سيما الساحة القانونية التي يُفترض بها تنظيم المسؤولية الأخلاقية وتوثيق الذاكرة الجمعية.
وقد شهدت المرحلة الانتقالية تحديات بنيوية تمثلت في غلبة المقاربات التنفيذية المركزية، إذ جاء تأسيس هيئات حيوية مثل" الهيئة الوطنية للمفقودين" و" هيئة العدالة الانتقالية" عبر مراسيم وصيغ رسمية تفتقر إلى آليات الإشراك الفعلي والواسع للضحايا، مما أضعف من القيمة التحويلية لِمَسار العدالة.
كما تسبب توزيع الملفات المترابطة على جهات متعددة في تعقيد الإجراءات أمام أصحاب الحقوق، والحد من القدرة على بناء سردية توثيقية متماسكة.
وانعكست هذه التحديات الإجرائية على طبيعة المحاكمات التي افتقرت إلى أطر قانونية متكاملة ومحدثة قادرة على استيعاب الجرائم ضد الإنسانية بخصوصيتها المعقدة.
فبالاعتماد على نصوص تشريعية تقليدية، ومع غياب قنوات التواصل الفعال مع عائلات الضحايا داخل أروقة المحاكم، تحول المسار القانوني للصدمة إلى إجراءات بيروقراطية محدودة الأثر، وعاجزة عن إحداث القطيعة الأخلاقية والمعرفية المنشودة.
إن غياب الشمولية في تطبيق العدالة لا يساهم في التئام الجرح السوري، بل يتركه عرضة للاستقطاب والتفسيرات الفرعية والوقوع في شرك مفاقمة الرغبة بالانتقام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك