تكشف الحربان في أوكرانيا وإيران حقيقة أساسية في النظام الدولي المعاصر: إنهاء الحروب لم يعد لحظة درامية فاصلة، بل عملية طويلة تقوم على رفع كلفة الاستمرار في القتال، وبناء مسارات تدرجية لضبط النفس والتعايش مع الخلافات.
وربما يكون هذا النهج البطيء وغير المثالي هو الخيار الواقعي الوحيد المتاح للعالم في هذه المرحلة المضطربة.
في المقالة الأولى من هذه السلسلة، كان التركيز على الحرب في أوكرانيا بوصفها نموذجاً لحرب عجزت فيها القوة العسكرية عن إنتاج حسم سياسي واضح، على رغم ضخامة الكلفة البشرية والعسكرية والاقتصادية.
وعلى رغم اختلاف الطبيعة الجيوسياسية والعسكرية للحرب مع إيران، فإنه يعكس المعضلة نفسها: فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، وتراجع تدرجي لفكرة" النصر والحسم" لمصلحة إدارة الصراع واحتواء أخطارها.
وبحلول مايو (أيار) 2026، أدت المواجهات العسكرية المرتبطة بإيران — سواء عبر استهداف البنية التحتية النووية والعسكرية، أو من خلال حروب الوكلاء، أو تبادل الصواريخ والطائرات المسيّرة — إلى إضعاف بعض القدرات الإيرانية، لكنها لم تُنهِ التحدي الاستراتيجي الذي تمثله طهران.
فقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، وتقليص نفوذها الإقليمي، وفرض مستوى أعلى من الردع يمنع التصعيد المستقبلي.
وفي المقابل، تعرضت إيران لخسائر بشرية ومادية كبيرة، وتراجعت قدرات شبكاتها الإقليمية، كذلك تضررت أجزاء من بنيتها العسكرية والنووية، ومن ثم هناك كلفة ضخمة على الكل وإنما لم يفز أحد.
فإيران لم تُهزم أو تُخضع سياسياً، لكنها أيضاً لم تتمكن من فرض أو الحفاظ على معادلة ردع مستقرة أو توسيع نفوذها الإقليمي كما كانت تطمح.
بل وربما كانت خسارتها السياسية الأهم هي تراجع مسار التهدئة الذي بدأ سابقاً مع عدد من الدول العربية الخليجية، وعودة الشكوك الإقليمية حول سلوكها الاستراتيجي، فضلاً عن انكماشها الإقليمي.
وهنا تبرز المفارقة نفسها التي ظهرت في أوكرانيا: فالنجاحات التكتيكية لا تتحول بالضرورة إلى نتائج سياسية مستدامة.
والضربات العسكرية قد تؤخر برنامجاً نووياً أو تدمر بنية تحتية أو ترسل رسائل ردع قوية، لكنها لا تنتج تلقائياً نظاماً إقليمياً مستقراً.
وإيران بعد إضعافها لا تزال تمتلك أدوات تأثير، وقدرة على التكيف مع العقوبات والضغوط.
لذا، فإن الاعتقاد بإمكانية" حل المشكلة الإيرانية" وتغيير النظام عسكرياً يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الاستراتيجية الواقعية.
ومن هنا، فإن المسار الأقرب والأكثر واقعية لا يتمثل في البحث عن اتفاق شامل وكبير، بل في بناء عملية تدرجية لخفض التصعيد وإدارة الأخطار، لمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع.
ويمكن أن تبدأ بوضع سقوف واضحة لمستويات تخصيب إيران لليورانيوم، مع تعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتوسيع آليات التفتيش والتحقق، وأن تشمل تفاهمات متبادلة بعدم الاعتداء، مع الوقف الكامل والحاسم من جانب إيران لاستهداف المواقع النووية والمدنية غير المسؤولة والمجرمة دولياً وتأمين الملاحة المدنية أو المنشآت النفطية، إلى جانب إنشاء قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة لمنع سوء التقدير أثناء الأزمات.
كذلك، فإن تخفيف العقوبات بصورة تدرجية وقابلة للعكس، وربطها بآليات امتثال واضحة، قد يوفر حافزاً عملياً أكثر من سياسات الضغط المفتوح من دون أفق سياسي.
وفي مثل هذه البيئات المتوترة، تصبح الإجراءات الإنسانية وتبادل السجناء أدوات سياسية مهمة، ليس لأنها تحل جذور الأزمة، بل لأنها تساعد على منع الانهيار الكامل لقنوات التواصل.
ويبقى البعد الإقليمي عنصراً حاسماً في أي مقاربة واقعية.
فدول الخليج العربية تعرضت لاعتداءات إيرانية وتمتلك مصالح مباشرة في منع التصعيد، سواء لحماية أمنها الداخلي أو للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة ومسارات التنمية الاقتصادية.
وقد نوه الرئيس ترمب أخيراً إلى أنه أجل ضربة جديدة لإيران بناء على طلب عدد من الدول العربية والخليجية، ونُشرت أخبار عن حديث هاتفي حاد بين الرئيس الأميركي ورئيس وزراء إسرائيل لتمسك الأخير بخط التصعيد العسكري المستمر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك