في ليبيا، يبدو أنّ حلّ الأزمة صار أقرب إلى مسألة حسابية منه إلى مسألة سياسية.
كلّما تعقّدت الأمور، نرجع للأرقام.
4+4، ثم 13+13، ثم 5+5، وقبلها 75 و120.
معادلات تبدو بسيطة على الورق، لكنها تُقدَّم كحلّ لجذر مشكلة بلد مقسوم على نفسه، ومضروب في عدد الحكومات والمسارات والحوارات… والحروب.
أُعلن مؤخراً عن حوار 4+4.
النسخة الأحدث من ماراثون الحوارات السياسية.
تقليص العدد وتبسيط الشكل، والحديث عن" الفاعلية".
لكن المشكلة لم تكن يوماً في عدد المشاركين.
النتيجة واحدة، طالما أنّ من يجلسون على الطاولة لا يملكون القرار فعلياً، ولا يملكون القوّة على الأرض، أو لا مصلحة لهم في إنهاء الأزمة.
وفي الخلفية، كان حوار 120، أو ما يُسمّى بالحوار المُهيكل بتنسيق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
120 شخصاً دفعة واحدة، لا أحد يعرف كيف جرى اختيارهم، في محاولة لتمثيل كلّ شيء، تطبيقاً لفكرة الشمولية، تلك الفكرة المغرية.
لكن النتيجة معروفة مسبقاً.
كلّما كبر العدد، صغرت المسؤولية.
يتحوّل الحوار إلى قاعة مزدحمة، ولا أحد يملك أن يقول" نعم" أو" لا" وينهي الأمر.
في النهاية، لا يجتمع هذا العدد لحل الأزمة السياسية، بل لترتيبها بشكل يسمح لها أن تستمر.
النتيجة واحدة، طالما أنّ من يجلسون على الطاولة لا يملكون القرار فعلياًوقبله، كان حوار 13+13.
لجنة دستورية يُفترض أنّها تُمهّد لانتخابات طال انتظارها.
لكن ما حدث هو تكرار نفس المرض.
كلّ طرف يُفاوض ليبقى، لا ليحلّ.
بقاؤهم مرتبط ببقاء الوضع كما هو، لأنّ من يحاور هو نفسه المُستفيد من استمرار الانقسام.
أمّا حوار 5+5، فكان الأكثر واقعية.
عشرة رجال، بلا امرأة واحدة، يمثّلون توازن القوّة على الأرض.
أنتج وقف إطلاق نار، وهذا في حدّ ذاته إنجاز.
لكنه بقي في حدوده.
مسار عسكري يعرف كيف يوقف القتال، لكنه لا يعرف كيف يصنع سياسة.
وقبل هذا كلّه، جاء حوار 75.
75 مشاركاً، حيث التمثيل الواسع والتنوّع الجغرافي، ووعود كبيرة، لكن الرشاوى كانت أكبر.
النتيجة كانت حكومة وحدة جديدة بعد حكومة الوفاق، وجرعة أمل لم تعش طويلاً.
فلا وحدة تحقّقت ولا وفاق استمر.
ما حدث فعلياً هو إعادة توزيع للسلطة، وتقسيم للفساد، وتشتيت كامل للمسؤولية، حتى لم يعد أحد مسؤولاً عن شيء.
بقاؤهم مرتبط ببقاء الوضع كما هو، لأنّ من يحاور هو نفسه المستفيد من استمرار الانقسام.
بعد كلّ هذا، الفكرة التي أُريد قولها بسيطة.
ليبيا اليوم لا تعاني من عدد الحوارات أو المتحاورين، بل من عدد الأزمات ومفتعليها.
لم يعد الهدف من هذه الحوارات توحيد البلد أو إنهاء الانقسام، بقدر ما صار توحيد كلّ هذه الأزمات في أزمة واحدة، وتوحيد السلطات الفاسدة والظالمة في سلطة واحدة مسؤولة.
جمع هذا التشتّت في جهة واحدة واضحة ومُحدّدة يمكن رؤيتها ومواجهتها.
لهذا، قد يبدو الحل الذي أطرحه هنا مُستفزّاً أو حتى هزلياً، لكنه بلا شك يعكس الواقع كما هو، أو كما أراه على الأقل.
ما نحتاج إليه فعلاً هو حوار 1+1.
ليس حوار نخب، ولا لجان موسّعة، ولا مسارات أممية، إنّما حوار مباشر بين من يملكون القرار الحقيقي والقوّة على الأرض.
حوار عائلي بين عائلتي حفتر في الشرق والدبيبة في الغرب.
ليس لأنّه حل عادل، ولا لأنّه يمثّل تطلّعات الليبيين، بل لأنه يضع المشكلة في مكانها الحقيقي.
نريد أن نصل إلى مرحلة لا يتحوّل فيها النقد إلى اصطفاف، ولا تُفسّر فيها المواقف كدعم لطرف ضد آخرلسنا بصدد الوصول إلى حلّ مثالي بعقلية اليوم.
هذا ترف لم يعد مُتاحاً.
علينا إدارة طموحاتنا قبل توقّعاتنا، فلا أحد يريد أن يضيع عقداً آخر في هذه الدوامة.
ما نريده فقط هو اختصار هذا العبث اللامتناهي، واستنزاف الموارد والوقت والعمر، وهو الأهم.
وأن يصبح لدينا طرف واحد بوجه واضح، يمكن أن نراه ونحدّده، أن نعارضه من دون أن نُحسب على أحد، وأن ننتقده من دون أن نُتهم بالانحياز، وأن نحمّله المسؤولية من دون أن يجد من يلقي عليه اللوم.
نريد أن نصل إلى مرحلة لا يتحوّل فيها النقد إلى اصطفاف، ولا تُفسّر فيها المواقف كدعم لطرف ضدّ آخر.
علينا أن نقتنع أنّنا لم نعد نحاور من أجل إنقاذ أنقاض دولة، بل لإدارة الانقسام.
كلّ هذه الحوارات، مهما اختلفت أرقامها، ليست سوى مساحيق مختلفة لتجميل نفس المأزق.
حوار 1+1 لن يكون عادلاً، ولن يكون ديمقراطياً، ولن ينهي الاستبداد.
لكنه سيمنحنا شيئاً افتقدناه طويلاً، وهو وضوح الخصم الحقيقي.
وفي ليبيا اليوم، هذا وحده كافٍ لكشف الحقيقة، حتى لو لم يُغيّرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك