يمتد حضور عيد الأضحى في الوجدان الشعبي القطري على مدار الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة، لتتداخل الطقوس الدينية مع العادات الاجتماعية المتوارثة.
يُعد عيد الأضحى، أو كما يسميه القطريون وكثر غيرهم" العيد الكبير"، أحد أهم المناسبات الدينية السنوية التي ترتبط في ذاكرة المجتمع بالحج، والأضحية، كما تتجلى فيها روح الفريج" الحي"، ويبرز فيها التكافل، والاحتفال الجماعي.
تبدأ الاحتفالات بأداء صلاة العيد، ثم تعود العائلات إلى بيوتها لذبح الأضاحي، وتوزيع لحومها، وعلى خلاف عيد الفطر الذي يقدَّم فيه الطعام مبكراً، يتأخر غداء عيد الأضحى نسبياً بسبب الانشغال بذبح الأضاحي، وتجتمع العائلة حول طعام العيد المعد من لحم الأضحية.
يقول القطري راشد الجديع لـ" العربي الجديد"، إن" الأسر القطرية تبدأ استعداداتها لعيد الأضحى قبل أيام عدة من حلوله، إذ تشهد الأسواق والمجمعات التجارية إقبالاً واسعاً، وتهتم العائلات بشراء الملابس الجديدة، للأطفال والكبار على السواء، وتجهيز الحلويات، والقهوة العربية، إضافة إلى ترتيب المجالس لاستقبال الضيوف.
تحرص الأسر أيضاً على تجهيز العيديات، وإحياء عادات وتقاليد تعكس روح الترابط والمحبة بين أفراد المجتمع، إذ يُعد العيد مناسبة لتجمع العائلات، وتبادل الزيارات، وصلة الرحم".
وأطلقت وزارة التجارة والصناعة بالتنسيق مع وزارة البلدية، مبادرة لدعم أسعار الأضاحي وتشجيع الإنتاج الحيواني المحلي بمناسبة عيد الأضحى، وتهدف المبادرة إلى توفير الأضاحي بأسعار مدعومة ومستقرة خلال العيد، وبموجب شروطها، يقتصر الشراء على المواطنين بمعدل رأس واحد لكل بطاقة شخصية، على ألا يقل عمر المستفيد عن 18 سنة، مع توحيد السعر بنحو ألف ريال قطري (نحو 274 دولارا)، سواء كانت الأضحية محلية أو مستوردة.
وتشهد الأسواق حركة استثنائية وانتعاشاً لافتاً منذ الأول من شهر ذو الحجة، وتتوافد العائلات إلى المراكز التجارية والمتاجر، خاصة محال بيع مستلزمات العيد، مثل محال الخياطة والأقمشة، ومحال الملابس الجاهزة، ومتاجر الحلويات التي تسابق الزمن لتلبية الطلب المتزايد على القهوة والتمور والحلويات التقليدية.
وإلى جانب الطابع الديني والتراثي للعيد، تشهد قطر فعاليات جماهيرية وترفيهية داخل المجمعات التجارية، وفي مختلف الوجهات السياحية والحدائق العامة، تشمل عروضاً فنية ومسرحية، وألعاباً للأطفال، وأنشطة عائلية متنوعة، وتتحول أماكن مثل الحي الثقافي" كتارا"، وحديقة أسباير إلى مراكز جذب تعكس احتفالات عيد الأضحى، والتمسك بالعادات والتقاليد، مع مواكبة مظاهر الحياة الحديثة.
يروي الباحث في التراث الشعبي، خليفة السيد لـ" العربي الجديد"، تفاصيل طقوس عيد الأضحى القديمة في قطر، حين كان الأطفال يعيشون أجواء العيد منذ بداية شهر ذي الحجة، من خلال طقس شعبي يُعرف باسم" الحية بية"، وهو من العادات التراثية التي كانت منتشرة في دول الخليج، وتعتمد على علبة صغيرة يتم صناعتها من سعف النخيل، ثم تزرع بالحبوب وتعلق في المنازل حتى تنمو، وفي يوم الوقفة، يحملها الأطفال ويتوجهون بها نحو شاطئ البحر مرددين أهازيج شعبية متوارثة، قبل أن يلقوا بها في الماء مع غروب الشمس، في مشهد احتفالي يرتبط بالبيئة البحرية التي شكلت جزءاً أساسياً من حياة القطريين والخليجيين قديماً.
ويضيف السيد: " كانت ليلة العيد تشهد عادة (يا العيدو)، وفيها تخرج الفتيات في مجموعات لزيارة البيوت، مع إنشاد الأغاني الشعبية الخاصة بالعيد، ويُقدم لهن الأهالي العيدية، وهي مبالغ رمزية، أو هدايا صغيرة.
وكان يوم عرفة يحمل طابعاً اجتماعياً مهماً داخل الأحياء القديمة، فمع صيام الأهالي في ذلك اليوم، تبدأ البيوت بإعداد أطعمة متنوعة للإفطار، وتوزيعها على الجيران، وتتنوع الأطباق بين الهريس، والثريد، والحيش، إلى جانب الحلويات التقليدية مثل اللقيمات، والخبيص، والعصيد.
كان تبادل الأطعمة بين البيوت يعكس طبيعة الحياة المتقاربة داخل الفريج، حيث البيوت متلاصقة، والعلاقات الاجتماعية وثيقة".
يتابع: " تبدأ مظاهر الاحتفال الجماعي في الساحات المفتوحة في وقت الظهيرة، حيث يؤدي الرجال (العرضة) بالسيوف على وقع قرع الطبول والأهازيج الحماسية، بينما تجتمع النساء والفتيات في احتفال شعبي يُعرف بـ(المراداة)، حيث ترتدي النساء الملابس التقليدية وتضع المشموم، ويرددون الأغاني التراثية الخاصة بالعيد".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك