يحلّ عيد الأضحى على فلسطينيي الضفة الغربية مثقلاً بظروف اقتصادية وأمنية قاسية، فيما تحاول العائلات التمسك بعادات العيد المتوارثة رغم الاعتقالات والنزوح والفقد.
ورغم محاولات الحفاظ على أجواء الفرح وطقوس العيد، تواجه آلاف الأسر واقعاً يبدّد البهجة.
يتجهز الفلسطيني أسامة الكيشي (51 سنة) لاستقبال عيد الأضحى المبارك، إذ تعود الفرحة إلى منزله بعد عامَين من الغياب بسبب اعتقال ابنه الأكبر ليث الكيشي في سجون الاحتلال، إضافة إلى تداعيات حرب الإبادة في قطاع غزة.
يمتلك أبو ليث أحد مقاهي مدينة البيرة الملاصقة لمدينة رام الله بوسط الضفة الغربية المحتلة، ويؤكد أن العائلة قرّرت إلغاء كل مظاهر الفرح بالعيد خلال العامَين الماضيَين، لكن كل شيء سيعود في هذا العيد كما كان في السابق.
يقول الكيشي لـ" العربي الجديد": " هذا هو العيد الأول بعد الإفراج عن ليث، وستكون أجواء البيت سعيدة رغم أن أوضاع البلد غير مريحة، والأمور غير مستقرة، لكن على الأقل ستكون العائلة مطمئنة بعد أن منَّ الله علينا بالإفراج عن ليث.
ستعود لمة العائلة الكبيرة على الإفطار والغداء، بعدما توقفنا عن هذه العادة خلال السنتَين الماضيتَين، وستعود حلوى البقلاوة إلى الطاولة بعد أن اقتصرت ضيافة الزوار على القهوة.
للعائلة عادات متوارثة في العيد، تبدأ بالاستيقاظ باكراً لأداء صلاة العيد، ثم زيارة المقبرة، والعودة إلى المنزل كي يبدأ مشوار زيارات الأقارب.
بعدها تتجمع العائلة على إفطار العيد المميز، والذي يعتمد أساساً على الكبدة والطحال، ثم تجتمع مرة أخرى على غداء مميز يتكون من المنسف".
ويضيف: " ستعود (طلعات) العائلة في اليومَين الثاني والثالث من العيد، بعدما أزيل التنزه من قاموس العائلة بعد اعتقال ليث، كما قرّرت العائلة تنفيذ رغبة ليث بذبح أضحية، وهو سعيد بأنه سيشارك عائلته العيد بعد هذا الغياب".
وتعيش آلاف العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية نفس الحال الذي كانت تعيشه عائلة الكيشي، في ظل تغييب أبنائها داخل سجون الاحتلال، كما تعيش عشرات آلاف العائلات النازحة من مخيّمات جنين، وطولكرم، ونور شمس واقعاً صعباً يؤثر على معنى العيد لديها.
تسكن الفلسطينية نهاية الجندي مع زوجها وطفلتها البالغة 14 سنة في منزل مستأجر بمنطقة المسقوفة في ضاحية اكتابا في طولكرم شمالي الضفة الغربية، بعد أن نزحت الأسرة قسراً من مخيّم نور شمس قبل نحو 17 شهراً، وهي لا ترى أياً من عادات العيد ممكنة بسبب الواقع المرير، وتقول لـ" العربي الجديد": " لا أملك بصفتي امرأة نازحة تنفيذ أي عادة، ولا أي من طقوس العيد.
كل شيء مؤجل لأنّ إمكانات النازحين المادية والاجتماعية والنفسية محدودة".
تبدلت أولويات عائلة الجندي كما هو حال بقية العائلات النازحة، وغابت عنها تحضيرات العيد المعتادة، ولم يعد التفكير منصباً على شراء الحلوى أو المكسرات ولوازم الضيافة، أو حتى ملابس العيد للأطفال، فالأسر النازحة تفكر أولاً في كيفية تسديد إيجار المنزل، ودفع الفواتير، وكلفة المواصلات المرتفعة في ظل انعدام مصادر الدخل، وتوقف معظمهم عن العمل.
توضح الجندي: " لست قادرة على شراء ملابس العيد لابنتي الطالبة في الصف التاسع الأساسي، في ظل اضطراري لدفع 300 شيكل (عملة إسرائيلية) شهرياً للمواصلات، أي ما يقارب 100 دولار، وهذا ليس مبلغاً هيناً على أي عائلة نازحة.
ابنتي تدرك الواقع، ولم تطالبني بشراء ملابس جديدة، ليس بسبب تفهمها الوضع المادي للعائلة فحسب، بل لغياب البيئة التي اعتادت عليها في العيد، من وجود الأقارب والجيران في ظل تشتت العائلات نتيجة النزوح".
وتركز الأم الفلسطينية على" غياب لمة العائلة"، مؤكدة أنها تفتقد شقيقاتها الستّ اللواتي كن يسكنّ في ذات المخيم قبل النزوح، وتوزعن على مناطق متفرقة من محافظة طولكرم، بين ضاحية شويكة، وضاحية اكتابا، وبلدة دير الغصون، ومنطقة المحجر، وهو تشتت مقرون بأعباء مالية تجعل التزاور صعباً.
وتصف الحال بالقول إنّ" رائحة الكعك والمعمول اختفت من البيوت بسبب الأوضاع المادية، وزينة حارات المخيّم انطفأت، فقد كان يتكفل بها شباب المخيم لإدخال البهجة على قلوب الأطفال والأهالي، لكن الجميع اليوم نازحون، والأزقة معظمها مدمر.
شخصياً، لست أعيش في بيتي، فكيف سأفرح؟ ليست لدي مقومات بيت، بل أعيش في غرفتَين متداخلتَين، وأضطر إلى تقديم القهوة في أكواب كرتون لأول مرة في حياتي، لأنني فقدت كل محتويات منزلي".
وتحولت عادة زيارة القبور في العيد، خاصة قبور الشهداء، إلى مهمة صعبة، فمقبرة المخيم تقع على مقربة منه، ويصلها الناس بشكل حذر، وشهد عيد الفطر الماضي تدخلاً من جيش الاحتلال لمنع وجود الأهالي في المقبرة، رغم أنها تقع خارج نطاق المخيم، وخارج المنطقة التي يمنع الاحتلال الوصول إليها.
وتترافق أيام عيد الأضحى مع الاستعداد لاستقبال حجاج بيت الله العائدين، وهي عادة متجذرة في الضفة الغربية، ويبدأ الأهالي في الأيام التالية للعيد بتزيين مداخل المنازل، والكتابة على الجدران، وحتى طباعة صور الحجاج على لافتات كبيرة، تعبيراً عن الفرحة بأداء الفريضة، ويحضر الأهالي المستلزمات الخاصة باستقبال المهنئين، من مسابح، وتمر، ومصليات صغيرة.
من جانبه، يقول الباحث المهتم بالتراث والتاريخ في بلدة سلواد شمال شرق رام الله، عبد الكريم عياد لـ" العربي الجديد"، إن الأهالي يواصلون المحافظة على بعض عادات العيد رغم الأوضاع الصعبة في ظل استمرار هجمات المستوطنين واقتحامات جيش الاحتلال، ويضيف: " انتقلت تلك العادات إلينا من الأجداد، وأهالي سلواد يحرصون على إقامة صلاة العيد في ساحة المدرسة الكائنة بوسط البلدة، إذ يتجمع كل أهالي البلدة بدلاً من التفرق في عدد من المساجد.
يعزز هذا التجمع التواصل الاجتماعي؛ وكلما التقى شخص بآخر في الساحة أو الطريق يسلم عليه، ويتبادل معه التهاني بالعيد، وأحياناً يسهم هذا في إنهاء قطيعة بين الأشخاص".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك