بعد أن دوت المدافع عام 1917 لعشرة أيام هزت خلالها العالم كما قال الصحفي جون ريد، أعلن نجاح الثورة البلشفية الشيوعية، دخل العالم زمنا وعصرا جديدا.
خرجت الثورة الروسية من رحم الحرب والجوع والفوضى، حاملة وعدا هائلا بإقامة أول دولة اشتراكية في التاريخ.
وعلى امتداد سبعة عقود تقريباً، وقف الاتحاد السوفيتي كجبل سياسي وعسكري هائل يوازن القوة الأمريكية ويهدد الرأسمالية العالمية في عقر دارها.
لكن في لحظة بدت للكثيرين مستحيلة، انهار دفعة واحدة، وكأن إمبراطورية الصلب – ستالين - كانت تخفي في أعماقها هشاشة لا ترى.
وبينما كان العلم الأحمر ينزل من فوق الكرملين، كانت الصين تمضي في طريق معاكس تماما، كانت قوتها تتصاعد وتترسخ، وتتزايد ثقتها بنفسها، حتى بات العالم اليوم يتحدث عنها بوصفها المنافس الوحيد القادر على وراثة موقع القوة العظمى.
لماذا تفكك الاتحاد السوفيتي بينما صمدت الصين؟ بل تحولت إلى عملاق اقتصادي وسياسي وعسكري؟ وهل يكمن السر في شخصية ماو تسي تونج وفكره، أم في براعة القيادات التي جاءت بعده، أم في طبيعة المجتمع الصيني نفسه؟أخطأ السوفييت في لحظة صعودهم، حين تصوروا أن القوة العسكرية وحدها تكفي لصناعة البقاء.
بنى الاتحاد السوفيتي ترسانة نووية هائلة، وغزا الفضاء، وحقق إنجازات علمية وعسكرية مذهلة، لكنه عجز عن أن يمنح المواطن السوفيتي شعورا دائما بالرفاه والحرية والقدرة على الحلم.
كانت الدولة قوية، لكن المجتمع كان ضعيفا يختنق ببطء.
الاقتصاد الموجه نجح في الصناعات الثقيلة والحرب، لكنه تعثر في تلبية الاحتياجات اليومية للناس.
ومع الزمن تحولت البيروقراطية إلى طبقة مغلقة، وتحول الحزب إلى مؤسسة ضخمة تخشى التغيير أكثر مما تؤمن بالثورة.
جاءت القوة الناعمة الأمريكية كتيار خفي ينخر الجدار السوفيتي من الداخل.
لم تنتصر بالصواريخ بل بصورة الحياة الأمريكية، بالاستهلاك، بالسينما، بالموسيقى، بفكرة الحرية الفردية، وبإغراء السوق المفتوحة.
كان المواطن السوفيتي يرى خصمه الرأسمالي يعيش حياة أكثر رخاء ومتعة، بينما تطالبه دولته دوما بالتضحية والصبر والانضباط.
وعندما أعلن جورباتشوف البيريسترويكا والجلاسنوست، اعتقد أنه قادر على الإصلاح أو هكذا صرح، كان قد فتح الأبواب لرياح لم يعد أحد قادر على السيطرة عليها.
وما إن ضعفت قبضة الدولة حتى انفجرت التناقضات القومية والاقتصادية دفعة واحدة، فسقط الاتحاد السوفيتي كما تسقط شجرة ضخمة نخرها العطب من الداخل لسنوات طويلة.
أما الصين فقد تعلمت الدرس السوفيتي مبكرا.
وربما كان استمرار ماو تسي تونج الزعيم التاريخي للصين لفترة حكم طويلة دور في ترسيخ قواعد الدولة وتثبيتها.
كان ماو زعيما ثوريا غير مسار التاريخ، بعدما قاد ثورة من أخطر ثورات العالم واجتاز عقبات سياسية وعسكرية لم يكن سهلا اجتيازها.
كما أنه صاغ فكرا ماركسيا مناسبا لطبيعة المجتمع الصيني ولم ينقل التطبيق السوفيتي حرفيا، فإذا كانت الثورة الروسية تقوم على هدف حكم البروليتاريا أو طبقة العمال، فإن ماو رأى أن طبقة الفلاحين في الصين هي الطبقة الغالبة وبذلك يكون هدف الثورة الصينية والفلسفة الثورية الصينية تكريس حكم الفلاحين.
كان ماو بجانب ثوريته، مفكرا نظريا أيضا، لكنه لم يكن ممن يقنعون بتفسير الأحداث أو فلسفتها أو تشكيل الواقع حسب النظريات.
كان زعيما وقائدا يخوض المعارك ويحاور الواقع وله قدرة كبيرة على المناورة معه حتى يتمكن في النهاية من تغييره.
لذلك أدرك ماو أن 80% من الشعب الصيني من الفلاحين الفقراء وهم طاقة ثورية هائلة ولن تنجح الثورة الصينية ما لم تكن ثورة فلاحين تعمل على مستقبل الفلاحين.
إن طبيعة ماو كثوري مثقف لم تكن تتوقف على إدارة التحرك الثوري وإنما كان له إسهامات فكرية في النظرية الماركسية، وربما يكون ذلك عاملا مهما في تكريس المفهوم الصيني بشأن الصراع العالمي وعدم خوض هذا الصراع باعتباره صراعا بين الشيوعية والرأسمالية.
ربما يكون عهد ماو شهد أزمات كبيرة مثل القفزة الكبرى إلى الأمام والثورة الثقافية، وسددت الصين ثمناً بشريا واقتصاديا هائلا، لكن ماو نجح في جعل الثورة الصينية متجذرة في التربة الصينية نفسها.
لم يكن مجرد ناقل حرفي للماركسية الأوروبية، بل أعاد تشكيلها بما يناسب مجتمعا زراعيا متراميا وفقيرا عانى عبر تاريخه الطويل من الاحتلالات والانقسامات.
من هنا ولدت الماوية، لا بوصفها نسخة صينية من الماركسية فقط، بل باعتبارها فلسفة سياسية تربط الثورة بالفلاحين والقومية والانضباط الجماعي والتحرر الوطني.
فهم ماو أن الصين ليست روسيا، وأن استنساخ النموذج السوفيتي بحذافيره سيقود إلى كارثة.
لذلك منح الريف والفلاحين دورا مركزيا، وربط الشيوعية بالهوية الوطنية الصينية.
من هنا اكتسب الحزب الشيوعي الصيني شرعية أعمق من مجرد الأيديولوجيا، صار بالنسبة لكثير من الصينيين تعبيرا عن نهضة الأمة ذاتها بعد قرون من الإذلال الاستعماري.
لكن الحقيقة أن إنقاذ الصين الحقيقي لم يأت من ماو وحده، بل من قدرة القيادة الصينية اللاحقة على مراجعة التجربة دون إسقاط الدولة.
حين جاء دينج شياو بينج، أدرك أن الجمود العقائدي قد يقتل الثورة نفسها.
هنا ظهرت العبقرية السياسية الصينية، الاحتفاظ بقبضة الحزب، مع تحرير الاقتصاد تدريجيا.
سمحت الصين للسوق بأن يعمل، لكنها لم تسمح له بأن يتحول إلى قوة أعلى من الدولة.
فتحت أبواب الاستثمار، لكنها لم تتخل عن التخطيط الاستراتيجي.
شجعت الثروة، لكنها أبقت القرار النهائي بيد الحزب.
هذا ما عجز السوفييت عن تحقيقه.
الإصلاح عندهم تحول إلى تفكيك، بينما كان الإصلاح في الصين عملية إعادة هندسة للنظام من الداخل.
لم تسمح بكين بانهيار هيبة الدولة، لم تفتح المجال لتعددية سياسية مفاجئة، لم تمنح الأوليجارشية فرصة الاستيلاء على مقدرات البلاد كما حدث في روسيا بعد التفكك.
تحركت الصين ببطء صيني تقليدي عتيق، يشبه حركة الأنهار الكبرى، هادئة على السطح، جبارة في الأعماق.
جاءت القيادات اللاحقة، جيانج زيمين، جينتاو، ثم شي جين بينج، لتضيف مستويات جديدة من القوة.
توسعت الصين اقتصاديا بشكل غير مسبوق، تحولت إلى مصنع العالم، ثم إلى منافس تكنولوجي وعسكري.
الأهم أنها لا تقدم نفسها بوصفها دولة شيوعية كأساس، بل باعتبارها حضارة عائدة من أعماق التاريخ لاستعادة مكانتها الطبيعية.
تبدو الصين اليوم أكثر صلابة من الاتحاد السوفيتي في زمنه الأخير.
اقتصادها مندمج بالعالم، قوميتها متماسكة نسبيا.
طبقتها الوسطى ضخمة.
الدولة تمتلك قدرة هائلة على التخطيط طويل المدى.
لم يعد الحزب الشيوعي الصيني يعتمد على الأيديولوجيا فحسب، بل على الإنجاز الملموس، النمو، التكنولوجيا، البنية التحتية، والقوة الوطنية.
تبدو بكين تبدو أكثر مرونة وبراجماتية، وأشد إدراكا لأخطاء الإمبراطوريات التي سبقتها.
المؤكد أن الصين ليست ظاهرة عابرة، ليست نسخة مكررة من الاتحاد السوفيتي.
إنها مشروع حضاري طويل النفس، يمتلك صبرا تاريخيا نادرا، يعرف أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في معركة واحدة، بل تلك التي تبنى عبر عقود من التراكم الهادئ.
حين ينظر العالم اليوم إلى الصين، فإنه لا يرى دولة نجحت اقتصاديا فحسب، بل تجربة استطاعت أن تتعلم من سقوط الآخرين، وأن تحول الخوف من مصير الاتحاد السوفيتي إلى وقود لبناء قوة في تنامي متواصل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك