عند الملاحظة الدقيقة للتنظيمات المغلقة، سنجد فكرة تتكرر داخل معظمها، مهما اختلفت أسماؤها وشعاراتها: الاعتقاد بأنها تمثل «النموذج الصحيح» الوحيد، وأنها الأقرب إلى الحقيقة مقارنة بالمجتمع المحيط بها.
هذه الفكرة لا تظهر دائماً بشكل مباشر أو صريح، لكنها تتحرك بهدوء داخل اللغة والتربية والتنظيم، حتى تتحول مع الوقت إلى يقين نفسي ينعكس على طريقة النظر إلى الآخرين.
ومن هنا تبدأ واحدة من أخطر أزمات جماعات الإسلام السياسي، حين لا تعود الجماعة مجرد تنظيم بين تنظيمات، بل تصبح في وعي أعضائها «الجماعة المختارة» التي تمتلك الفهم الصحيح للدين والتاريخ والمستقبل.
تأمل أدبيات جماعة الإخوان منذ التأسيس لتلاحظ أن فكرة «الصف المؤمن» كانت حاضرة بقوة، حتى وإن لم تُطرح دائماً بلغة حادة.
فقد جرى تقديم الجماعة باعتبارها مشروعاً لإعادة الإسلام إلى المجتمع، وهو ما منح أعضاءها شعوراً ضمنياً بأنهم يحملون رسالة أكبر من بقية الناس.
ومع الوقت، لم يعد التنظيم مجرد وسيلة للعمل العام، بل تحول إلى مساحة نفسية يشعر داخلها العضو أنه يعبر عن «الفهم الصحيح» مقارنة بمن هم خارج الجماعة.
اقرأ كتابات سيد قطب لتكتشف كيف تطورت هذه الفكرة لاحقاً إلى صورة أكثر حدة.
لم يعد الأمر يتعلق بجماعة تسعى للإصلاح فقط، بل بطليعة مؤمنة تعيش وسط مجتمع غارق في الجاهلية.
هنا لم يعد الاختلاف سياسياً أو فكرياً، بل أصبح فرقاً بين من يملكون الحقيقة ومن يعيشون بعيداً عنها.
هذه النقلة بالتحديد صنعت حالة نفسية معقدة داخل بعض التنظيمات، حيث يشعر العضو أنه ينتمي إلى دائرة «الخلاص»، بينما يقف المجتمع خارجها.
لاحظ كيف تظهر آثار هذه الفكرة في اللغة اليومية للجماعات المغلقة.
يتكرر الحديث عن «الثبات» و«الصف» و«أهل الحق» و«الابتلاء»، وكأن التنظيم يعيش معركة وجودية مستمرة ضد مجتمع لا يفهمه أو يعاديه.
ومع تكرار هذه اللغة، تتكون بالتدريج حالة من الانفصال المعنوي عن المجتمع، حتى لو استمر الاحتكاك به ظاهرياً.
يصبح المختلف موضع شك، ويصبح النقد نوعاً من الخيانة أو الضعف الإيماني.
تتبع مسار الجماعات الأكثر تطرفاً لتكتشف أن معظمها بدأ من هذه النقطة تحديداً.
ففكرة «الجماعة المختارة» تبدو في بدايتها معنوية أو تربوية، لكنها تتحول مع الوقت إلى أرضية تسمح بتكفير المجتمع أو احتقاره أو التعامل معه، باعتباره كتلة جاهلة تحتاج إلى من ينقذها بالقوة إذا لزم الأمر.
ولهذا لم يكن غريباً أن تنتقل بعض التنظيمات من الحديث عن «إصلاح المجتمع» إلى الحديث عن «تغيير المجتمع» بالقوة والسلاح.
أفهم أن خطورة هذه الفكرة لا تتوقف عند التنظيمات المسلحة فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي أيضاً.
فعندما ترى جماعة ما نفسها باعتبارها صاحبة الحقيقة الوحيدة، يصبح التعايش مع المختلف أمراً صعباً.
تتحول السياسة من مساحة للتنافس والتعدد إلى معركة بين «الصواب المطلق» و«الخطأ المطلق».
وهنا تفقد الجماعات قدرتها على المراجعة أو التكيف، لأنها لا ترى نفسها مجرد طرف بشري يمكن أن يخطئ، بل مشروعاً يحمل رسالة مقدسة.
انتبه إلى أن هذه الحالة النفسية لا تُصنع دفعة واحدة، بل تُبنى بالتدريج عبر التربية المغلقة والعلاقات الداخلية واللغة الخاصة بالتنظيم.
يعيش العضو داخل عالم يكرر له باستمرار أنه جزء من «الفئة الصامدة»، وسط مجتمع مرتبك أو منحرف.
ومع مرور الوقت، يصبح الانتماء إلى الجماعة جزءاً من الهوية الشخصية نفسها، لا مجرد موقف فكري أو سياسي.
تأمل كيف انتهت كثير من الجماعات التي تبنت هذا التصور إلى العزلة عن المجتمع الذي قالت إنها جاءت لإصلاحه.
فبدل أن تقترب من الناس، بدأت تنظر إليهم باعتبارهم أقل فهماً أو أقل التزاماً أو حتى أقل إيماناً.
ومن هنا ظهرت حالة الاستعلاء الخفي التي رافقت كثيراً من التنظيمات المغلقة، حتى عندما حاولت إخفاءها بخطاب سياسي أو دعوي أكثر هدوءاً.
في النهاية علينا أن ننظر إلى الصورة الأوسع لنكتشف أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي جماعة ليس الاضطهاد أو الهزيمة السياسية، بل اقتناعها بأنها وحدها تمتلك الحقيقة الكاملة.
ففي اللحظة التي يتحول فيها التنظيم إلى «جماعة مختارة»، يفقد قدرته على رؤية المجتمع كما هو، ويبدأ في رؤية العالم كله من خلف جدرانه الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك