نكبر ونشعر أنّ عار الوجود أعمق من أن يُحتمل.
إدراك متأخّر ودائم لا يباغتنا دفعة واحدة، بل يتسلّل كبرودة بطيئة تقوّض أوهام النضج.
فنكتشف أنّ كلّ ما بنيناه من كبرياء ليس سوى قشرة واهية تخفي تحتها رعب العبث الشاسع.
نكبر ونفهم أنّ المحاولة في حدِّ ذاتها عبء، وأنّ البحث عن معنى في هذا الفضاء المُحايد هو ضرب من الجنون، ومع ذلك نتحرّك مدفوعين بغريزة البقاء البائسة.
وهذا لأنّنا جبناء.
ما من سبب آخر.
قد نفعل أيّ شيء ببساطة، كي لا ننتحر، أو ننتحب.
فهل من أمر مُعيب بقدر التّجرؤ على التفكير بكليهما، من دون أن نُثير حولنا تعاطفَ" العدّ التنازليّ"، وغريزة كلمات التّشجيع المُبهمة، والتي يخاف أن يصدّقها قائلوها؟وفي هذا السياق، يقول الشاعر الأرجنتينيّ خورخيه لويس بوجيس" فبالرغم من أَنَّ الْخِنْجَرَ الْمُعَادِي، أَوْ ذَاكَ الْخِنْجَرَ الْآخَرَ (الوقت)، قَدْ طَمَرَهُمْ فِي الْوَحْلِ، إِلَّا أَنَّهم، وبعيدًا عن الوقت والموت، هَؤُلَاءِ الْمَوْتَى يَعِيشُونَ الْيَوْمَ فِي التَّانْغُو".
سجائرهم تكاد تكون مختونة الأنفاس، كأنّهم يحاولون طمس هُويّاتهم أو التستّر على تجاعيد الخيبة التي حفرها الزمن على نواصيهم، فلا أحد يريد أن يُعرف على حقيقته في هذا المحفل الجنائزي، وكلمات خورخيه لويس بورجيس هي واقعهم.
لم يكونوا قادرين على الإتيان بسبب أفضل لإتقان الحياة، لذا أتساءل دومًا إن كانوا أموات في الداخل مثلي، أم أنّهم يحتقرون الموت ولا يحفلون به؟ ما الميل الخفيّ الذي يدفعهم الى تلك الأماكن، التي تقصدها الأجساد، كي يُلتَهم فيها الملهمون و" خناجرهم"؟ أم أنهم بالفعل يحتفلون…فقط؟للغرباء طريقة غريبة بفرض الطمأنينة على الأرواح المُتزعزعة.
لا يجيدون تحويل أكتافهم إلى مقاصل، لذا يسهل للرؤوس الاتّكاء عليها.
ينظرون في عيون بعضهم بعضًا، فلا يرون سوى انعكاس لدمارهم المشترك.
لا وعود، لا أحلام، ولا كلمات وداع.
والأعناق تهجر الأكتاف المُستعارة إلى مواضعها الأصلية، عائدةً إلى القريب الذي سيقتلعها حبًا، ووفاءً، واكتراثًا.
أتوا كما تأتي الكائنات الجريحة إلى الضوء: بدافع غامض، نصفه عادة ونصفه انتحار مؤجّللا قيمة لشيء.
وخاصّة، لا قيمة لرقابهم المرميّة على ايادٍ مؤقّتة، رقاب انحنت تحت ثقل الهزائم المُتراكمة واليومية، لتبحث عن ركيزة واحدة لن تحثّها على نبذ نفسها.
تلاحم يائس بين أناس لا يجمعهم سوى إدراكهم الضمني لعدمية الوجهة.
لا أحد يتكبّد عناء البوح بها كما الصمت الهائل، لأنّ لا أحد يجاهر بقتامة أفكاره عندما يرقص.
فالرقص، كالخيانة، تواطؤ جماعي على التظاهر بالتماسك.
والصمت يكدّس رعب العبارات التي جفّت في الحناجر والصرخات التي استعصت على النطق.
قد" يخالف" الحظ أحدهم ويربكه، إذا وقع الاختيار على أستور بيازولا، بلحنه المحدّد الذي يشي بكلّ شيء بمنتهى الوقاحة، فتتبدّد بذلك الهدنة الهشّة وسجاد المواربة المخمليّ وتفشل مداراة التشتّت.
لا أعلم من أَذَنَ له بأن يكون خائنًا إلى هذه الدرجة بحقّ الكتمان، أو من قدّم له أحقية التبذير في وصف التيه والتمرّد عليه.
فكيف يجرؤ على تقيّؤ هذه الفجاجة مُحوّلًا عقلًا مُسرفًا في الحزن إلى مشاع يتقاسمه الجميع في الغرفة المُعتمة؟ نادرًا ما تحضر الحقيقة عندما يتعلّق الأمر بالموسيقى: تكذّبنا المواقف وإرهاق التبرير، وأشياء أخرى لا تُفسّر بل تُختبَر في وقتها وتختفي الى الأبد.
فأيّ حجر ثابت كُتِبَ عليه حتّى عَجز الكذب عن مفاوضته؟ أيّ جنيّ مسّه آنذاك كي يجنّ دقّةً لا تُجادَل؟نستمرّ في النضج المزعوم بينما تتآكل أطرافنا.
وفي الساحات البالية يكتسب هذا الوعي بالخراب جسدًا ملموسًا، تتنفّسه الرئات المخنوقة وتلمسه الأصابع المرتجفة.
اللحن يقدّم عزاءه الصاخب، يمعن في تعميق الإحساس بالذنب، يُفرز الشهود حسب آليّات زوالهم، يلهي النفس بوفرة الأوهام.
لا يبدو أنّ أحدًا منهم جاء لينجو فعلًا.
أتوا كما تأتي الكائنات الجريحة إلى الضوء: بدافع غامض، نصفه عادة ونصفه انتحار مؤجّل.
والموسيقى ما كانت إلّا أناقة الاعتراف بأنّ الحياة أفلتت من بين الأصابع منذ وقت طويل.
عادوا إلى اُسَرِهِم التي تشبه توابيت الفرح عندما نبالغ في تخديرها، إلى أَسرِهِم الذي لا يجرؤون على الاعتراف به لأنفسهم، والذي يقاسي من غادره ممّا هو أشنع من توابيتهم.
لكنّهم سيعودون مُجددًا، في ليلة أخرى، بالعيوب ذاتها، والعيون الذابلة، كأنّهم يؤدّون طقسًا وثنيًا ضدّ العدم.
لا لأنّهم يحبّون الحياة، بل لأنّهم، مثلي، لم يجدوا بعد طريقةً لائقة لمغادرتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك