في تدخل سياسي يُعد الأعنف منذ عودة حزب العمال للسلطة في بريطانيا عام 2024، وجّه رئيس الوزراء السابق توني بلير انتقادات مباشرة لقيادة الحزب الحالية برئاسة كير ستارمر، محذراً من أن الحكومة" العمالية" تسير نحو فقدان ثقة الناخبين والقطاع الاقتصادي معاً، وأن الحزب يواجه" أزمة هوية استراتيجية" قد تعيده سريعاً للمعارضة.
وجاءت تصريحات بلير في مقالة مطولة نشرتها صحيفة" ذا تايمز" بالتزامن مع تصاعد التوتر داخل حزب العمال حول الأداء الاقتصادي وتراجع شعبية الحكومة في استطلاعات الرأي، إذ يرى بلير الذي قاد" العمال" 13 عاماً متتالية، وانتصر خلالها في ثلاث انتخابات عامة، أن" العمال" اليوم" يلعب بالنار، أو بتعبير أدق، يلعب بمستقبله، ومستقبل البلاد".
وقدم بلير تشخيصاً قاسياً لأسباب وصول" العمال" إلى الحكم عام 2024، فيعتقد بأن فوز الحزب الأحمر في ذلك الاستحقاق لم يكُن نتيجة" جماهيريته" واقتناع البريطانيين بمشروع سياسي جديد يحمله، بل بسبب حال" الإنهاك الشعبي" من حكم" المحافظين" لنحو عقد ونصف شهدت البلاد خلالها كثيراً من الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية، أما اليوم فيرى بلير أن البلاد تعيش بين" نزعة انعزالية" لفئات من اليمين و" تقدمية مضللة" ليساريين، وإذا اجتمعتا معاً فستتركان البلاد معزولة في جزيرة من اللاأهمية، على حد وصفه.
ومن وجهة نظر رئيس الوزراء السابق، أخفقت حكومة ستارمر حتى الآن في تحويل الانتصار الانتخابي عام 2024 إلى مشروع حكم متماسك، قائلاً إن حزب العمال اليوم" لا يملك رؤية اقتصادية واضحة"، ويتعامل مع الملفات الكبرى عبر" إدارة يومية للأزمات"، بدلاً من تقديم رؤية طويلة المدى، وحذر من أن بريطانيا قد" تتراجع إلى الدرجة الثانية بين الدول الكبرى اقتصادياً" إذا لم تواكب التحولات العالمية في التكنولوجيا والاستثمار والإنتاجية.
وركز بلير هجومه على ما اعتبره انحيازاً متزايداً داخل حزب العمال نحو سياسات معادية للأعمال على حد تعبيره، وهي نقطة ظلّ يكررها منذ خروجه من السلطة عام 2007، فكثيراً ما انتقد رئيس الوزراء السابق توسيع حقوق النقابات العمالية وفرض قيود إضافية على الشركات الكبرى وتسريع التخلي عن النفط والغاز في بحر الشمال وزيادة الأعباء التنظيمية على المستثمرين وارتفاع الإنفاق الحكومي من دون استراتيجية نمو واضحة.
وبحسب رئيس الوزراء السابق، فإن حكومة ستارمر ترسل إشارات متناقضة إلى الأسواق الدولية في وقت تحتاج المملكة المتحدة إلى جذب استثمارات ضخمة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي والمنافسة مع الولايات المتحدة والصين، ورأى أيضاً أن التركيز المفرط على إعادة توزيع الثروة قبل خلقها أولاً، هو" خطأ استراتيجي قديم يعود ليسار السبعينيات"، في إشارة ضمنية إلى الصراع التاريخي داخل حزب العمال بين الجناحين الوسطي والمتشدد.
أحد المحاور الأساسية في مقالة بلير كان الذكاء الاصطناعي الذي اعتبره" التحول الأكبر منذ الثورة الصناعية"، وقال إن" السياسة البريطانية ما زالت تتعامل مع هذه التقنية بعقلية تقليدية، بينما يشهد العالم سباقاً حاداً لإعادة تشكيل الاقتصاد وسوق العمل والقطاع الأمني عبر التكنولوجيا"، فدعا إلى استثمارات ضخمة في البنية التكنولوجية وإصلاح جذري للتعليم والتدريب المهني وشراكة أوسع مع القطاع الخاص وشركات التقنية.
ويحذر بلير أيضاً من تغير تاريخي في النظام الجيوسياسي، " فقد أصبحت الصين تشترك الآن مع أميركا في مكانة القوة العظمى، وستنضم إليهما الهند في وقت مناسب، لتكون هذه الدول متقدمة بفارق كبير عن أية دولة تحتل المرتبة الرابعة"، وعلى الصعيد الخارجي أيضاً، لفت رئيس الوزراء السابق إلى أن العودة للاتحاد الأوروبي اليوم ليست حلاً سحرياً لمشكلات بريطانيا، تماماً كما لم يكُن الانفصال هو الإجابة المناسبة لتساؤلات البريطانيين عام 2016، ولكنه لا يستبعد قدوم وقت يصبح النقاش جدياً حول التراجع عن" بريكست".
وتدخل بلير المستمر في شؤون الحزب منذ عودة" العمال" للسلطة قبل عامين تقريباً، يعكس تصاعد القلق داخل المؤسسة" العمالية" في شأن مستقبل الحزب والحكومة، فداخل الحزب الحاكم اليوم تتزايد مخاوف القادة وصناع القرار فيه من تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار أزمة كلفة المعيشة وتراجع الثقة الشعبية بالحكومة، إضافة إلى صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية، وتراجع الحماسة لدى القاعدة" العمالية" التقليدية.
مقالة" ذا تايمز" هي حلقة جديدة من تدخلات بلير في شؤون الحكومة، وتشير تقارير صحافية محلية إلى وجود انقسام متنامٍ بين جناح يريد استمرار نهج ستارمر الحذر، وآخر يعتقد بأن الحزب يحتاج إلى تحول أكثر جرأة باتجاه الوسط لاستعادة تحالف" العمال الجديد" الذي بناه رئيس الوزراء السابق خلال التسعينيات، وهنا يجدر السؤال إن كان بلير يحاول إنقاذ ستارمر أو يهاجمه، دفعاً باتجاه تغيير في القيادة يأمل نواب كثر للحزب في وقوعه.
بعض المقربين من بلير يعتبرون أن" حكومة ستارمر حذرة أكثر من اللازم، وتخشى اتخاذ قرارات اقتصادية صدامية أو تبني إصلاحات هيكلية واسعة"، وعلى رغم هذا، تجنب بلير الدعوة مباشرة إلى تغيير قيادة" العمال"، بل شدد على أن" السياسة تأتي أولاً، والأشخاص ثانياً"، لافتاً إلى أن استبدال الزعيم من دون تغيير المشروع السياسي لن يحل الأزمة.
لم يصدر رد مباشر على بلير من قبل ستارمر، واكتفى مسؤولون بالتأكيد على أن" الحكومة تركز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة"، فربما هي محاولة لتجنب فتح مواجهة علنية مع أحد أبرز رؤساء الوزراء" العماليين" في التاريخ الحديث، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن مقالة بلير تعكس صراعاً أعمق داخل" العمال" حول سؤال قديم متجدد، كيف يمكن للحزب الجمع بين العدالة الاجتماعية وكسب ثقة الأسواق ورجال الأعمال؟هذا السؤال شكّل قلب التجربة" البليرية" منذ التسعينيات، ويعود اليوم بقوة مع حكومة ستارمر التي تحاول الموازنة بين ضغوط الجناح اليساري ومتطلبات الاقتصاد المتباطئ، لكن الفارق هذه المرة هو أن بريطانيا تواجه بيئة عالمية أكثر تعقيداً من ناحية التضخم المرتفع والمنافسة التكنولوجية الشرسة والتحولات الجيوسياسية وأزمة ثقة عامة بالمؤسسات السياسية، ولهذا فإن المقالة تبدو أقرب إلى إنذار مبكر في شأن مستقبل" العمال"، فيقول بلير" كيف نضمن الفوز بولاية كاملة ثانية؟ والإجابة الوحيدة التي يبدو أنها مستبعدة هي الاستفادة من تجربة يتيمة حقق فيها الحزب ذلك خلال تاريخه الممتد على مدى 120 عاماً".
قد يُنظر إلى مقالة بلير على أنها رسالة مباشرة إلى" داونينغ ستريت" مفادها بأن صبر التيار الوسطي داخل الحزب بدأ ينفد، خصوصاً مع تراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي وعدم قدرة الحكومة على خلق زخم سياسي يشبه ما وعدت به بعد انتخابات 2024، كذلك يمكن أن تُفهم المقالة كمحاولة لإعادة فرض نفوذ بلير الفكري داخل الحزب، وتجديد أفكار تيار" العمال الجديد" الذي أطلقه خلال تسعينيات القرن الماضي، اعتماداً على اقتصاد السوق والانفتاح على الشركات والإصلاح الإداري والتحالف مع الطبقة الوسطى والبراغماتية السياسية.
وأثارت تصريحات بلير انقساماً داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، ففي حين رأى بعض نواب" العمال" أن تحذيراته تعكس" خبرة سياسية لا يمكن تجاهلها"، اعتبر بعضهم الآخر أن بلير لا يزال أسير نموذج التسعينيات، وأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية تختلف جذرياً عن المرحلة التي حكم فيها البلاد، أما خصوم حزب العمال، فاستغلوا مقالة رئيس الوزراء السابق، باعتبارها دليلاً على وجود ارتباك داخلي كبير في الحكومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك