مع حلول عيد الأضحى، ازدحمت ممرات الأسواق خلال الأيام الماضية بالمتسوقين الباحثين عن مستلزمات العيد، فيما أعادت متاجر كثيرة تقديم الهوية البصرية المعتادة للمناسبة، بألوان يغلب عليها الأسود والذهبي وتصاميم مستوحاة من الأضحية والحج، حتى بات الخروف يتصدر كثيراً من تفاصيل الموسم، في عيد يعرفه بعض الناس شعبياً باسم" عيد اللحم".
والتقت" اندبندنت عربية" بإحدى المتسوقات المنشغلات باختيار زينة العيد داخل أحد المتاجر، إذ قالت نورة خالد إنها لاحظت خلال جولة لشراء مستلزمات فطور العيد أن كثيراً من المتاجر" اعتمدت زينة وهوية بصرية خاصة بعيد الأضحى"، موضحة أن الصحون الورقية وأغطية الطاولات وأكياس الهدايا والتوزيعات جاءت بطبعات يطغى عليها حضور الخروف والكعبة.
وأضافت أنها لاحظت سرعة نفاد بعض التصاميم، " كأن المتاجر تعرف مسبقاً ما يفضله الناس"، في إشارة إلى الإقبال المتكرر سنوياً على الزينة المرتبطة بأجواء الحج والأضحية.
وبخلاف عيد الفطر، الذي تتبدل ملامحه البصرية وترنداته من موسم إلى آخر بين الألوان والفوانيس والهلال وثيمات الحلويات، يبدو عيد الأضحى أكثر ثباتاً في رموزه، إذ يحتفظ تقريباً بالعناصر نفسها عاماً بعد عام، وعلى رأسها الخروف بوصفه الرمز الأكثر حضوراً في تفاصيل المناسبة.
وتظهر رسومات الخراف على الكيك والشوكولاته والبالونات وعلب الضيافة، فيما تعيد متاجر الزينة والمتاجر الموسمية استخدام التصاميم ذاتها كل عام، بخلاف عيد الفطر الذي تتغير هويته البصرية باستمرار تبعاً لما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
كذلك تحضر الكعبة المشرفة وأحياناً رسوم الأيادي المرفوعة بالدعاء كرموز بصرية ملازمة للموسم، عبر مجسمات ورقية وزخارف تستخدم في تنسيق الطاولات والزينة المنزلية، في محاولة لاستحضار أجواء الحج داخل البيوت.
حين تصبح الصورة أقوى من الكلماتولا يرتبط حضور الرموز الموسمية بالعادات الاجتماعية فقط، بل بطريقة تفاعل الدماغ مع الصور أيضاً.
إذ تشير أبحاث في علم الإدراك إلى أن الإنسان يميل إلى تذكر الصور والرموز البصرية بصورة أسرع من الكلمات، لأن الصورة تختصر المعنى وتترسخ في الذاكرة بسهولة أكبر.
وفي هذا السياق، توضح الأخصائية الاجتماعية جوهرة فؤاد المطر أن المجتمعات تميل بطبيعتها إلى ربط المناسبات برموز بصرية ثابتة، لأن الصورة تحمل دلالات ومشاعر يمكن فهمها بسرعة من دون الحاجة إلى شرح مطول، مضيفة أن هذا الارتباط يمنح الأفراد" إحساساً بالانتماء والاستمرارية، وكأن هناك طقوساً متوارثة تربط بين الناس على رغم اختلاف الأجيال".
وترى المطر أن عيد الأضحى يرتبط بشعائر واضحة تبدأ بالحج ثم الأضحية، وهو ما منحه" هوية بصرية مستقرة ومباشرة"، بعكس عيد الفطر الذي يحمل طابعاً احتفالياً أكثر تنوعاً يرتبط بالحلويات والعيديات والهلال، لذلك تبدو رموزه أكثر مرونة وتغيراً.
وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة حديثة من مختبر Brain Bridge Lab في جامعة شيكاغو، نشرت في مجلة" PNAS"، أن بعض الخصائص البصرية تجعل الرموز أكثر قابلية للتذكر، وهو ما يساعد في تفسير استمرار حضور رموز موسمية بعينها عاماً بعد آخر وتحولها إلى جزء من الصورة الذهنية للمناسبة.
الخروف.
من رمز ديني إلى أيقونة تسويقيةولا يقتصر حضور الخروف على البعد الديني، بل تحول تدريجياً إلى عنصر تسويقي موسمي تستخدمه العلامات التجارية في التغليف والحلويات والهدايا وحتى المحتوى الرقمي.
وتقول أخصائية التسويق ليان عبدالله النصار إن" نجاح الرموز الموسمية لا يعتمد على شكلها فقط، بل على المعنى العاطفي الذي يمنحه الناس لها".
وتضيف أن الخروف يرتبط في الذاكرة الجمعية بمشاعر مثل لمة العائلة والتكبيرات وطقوس العيد، لذلك لا يحتاج إلى إعادة تعريف كل عام، إذ تستثمر العلامات التجارية هذا الارتباط الجاهز وتعيد تقديمه بصرياً بطرق متعددة.
وترى النصار أن ثلاثة عوامل تفسر استمرارية حضور الخروف سنوياً: الارتباط العاطفي بالمناسبة، والتكرار الموسمي الثابت، إضافة إلى مرونته البصرية التي تسمح بتقديمه بأساليب فخمة أو بسيطة أو مرحة، مما يجعله قابلاً للاستخدام في قطاعات متعددة، من الحلويات والتغليف إلى المحتوى الرقمي.
السوشيال ميديا تعيد إنتاج الرمزوتؤكد المطر أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً واضحاً في إعادة تدوير الرموز البصرية سنوياً، حتى أصبحت جزءاً من هوية المناسبات.
وتتفق معها النصار، موضحة أن المنصات الرقمية حولت بعض الألوان والأشكال إلى" لغة موسمية مشتركة"، مثل القلوب الحمراء في عيد الحب أو اللون الوردي في أكتوبر، فيما أصبح الخروف العلامة البصرية الأسرع لاستحضار عيد الأضحى.
وتضيف أن قوة السوشيال ميديا لا تكمن فقط في استخدام العلامات التجارية لهذه الرموز، بل في إعادة إنتاجها من قبل الجمهور عبر الصور والتغليف والزينة المنزلية والمحتوى الموسمي، " فيتحول الرمز من تصميم تسويقي إلى جزء من الثقافة الرقمية المرتبطة بالمناسبة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك