يعيش المشهد السياسي الداخلي الإيراني حالاً من الصراعات والاختلافات، قد تكون غير مسبوقة في ظل نظام يمر في وضع دقيق، يتأرجح ما بين الحرب والانهيار، أو بتعبير أكثر دقة، ما بين تهديد بالقضاء عليه وخطر التفكك، نتيجة تصاعد الأزمات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، والمطالب المتزايدة للمكونات الإيرانية بمختلف مستوياتها وانتماءاتها، العرقية والقومية والسياسية والاجتماعية.
ظاهرة الصراع الداخلي في إيران، والتي برزت بعد إعلان وقف إطلاق النار في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران، خرجت عما كان متعارفاً عليه في طبيعة الصراعات الإيرانية، وتحديداً الصراع التقليدي بين الإصلاحيين والمحافظين، وانتقلت إلى نموذج جديد قائم على مواجهة واضحة وصريحة، بين" العقلانية الوطنية" مع" الراديكالية المكلفة"، تمثل فيها منظومة السلطة التي تمسك بالقرار في هذه المرحلة البعد الأول من هذه المعادلة، فيما يمثل التيار الراديكالي البعد الثاني منها.
وسُجل في الداخل الإيراني إرباك كبير لدى الجماعات المتطرفة والمتشددة، والتي راهنت على هذه الحرب من أجل العودة للإمساك بمفاصل القرار وتنفيذ سياساتها الراديكالية، التي تعتمد على التشدد في الداخل والتصعيد مع الخارج.
التحديات الوجودية التي واجهها النظام ويواجهها نتيجة التحديات التي أفرزتها الحرب، لعبت دوراً كبيراً في بروز تحالفات على نصاب مختلف بين مراكز القرار الأساس في السلطة أو النظام، فتراجعت حدة التناقض والخلافات بين الرئاسات الثلاث في هرمية الدولة (الجمهورية والبرلمان والقضاء)، وفتحت الطريق لعودة شخصيات أمنية وسياسية كانت مستبعدة أو معزولة في المراحل السابقة للمشاركة في عملية القرار، من منطلق تشريك الجهود والمواقف في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من عمر النظام و" الجمهورية الإسلامية"، ومن أجل إدارة الدولة والأزمة بأقل خسائر ممكنة وبعقلية واقعية.
وفي المقابل فإن تياراً من الجماعات المتشددة أو الراديكالية، ممثلة في جماعة" بايداري" (الثابتون)، بزعامة محمد صادق محصولي الذي يعتبر رجل الظل لهذا التيار، ورأس حربته سعيد جليلي، بات يشكل ظاهرة مقلقة للمنظومة التي تقود النظام في هذه المرحلة تحت قيادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، فهذا التيار أضاف عبئاً إضافياً على هذه المنظومة الغارقة في محاولة إعادة تثبيت قواعد النظام الإسلامي على أسس وقراءات جديدة، لا تستعدي البعد الوطني والقومي والتعددية السياسية والاجتماعية والفكرية للمجتمع الإيراني، وأيضاً في العمل على ترميم صورة النظام الأمنية والعسكرية، بعد ما تعرّض له من خروقات ضخمة جعلته مكشوفاً أمام أجهزة الاستخبارات الدولية، وتالياً العمل على ترميم علاقات إيران الإقليمية والدولية، وإخراجها من العزلة السياسية التي عاشتها وتعيش بها.
عودة هذا التيار للإطلالة برأسه في المفاصل الأساس واللحظات الحرجة من حياة النظام، قد تسهم في تعطيل مسار موازٍ من الصراع الصامت والجدي، تخوضه القوى السياسية العقلانية من إصلاحيين ووسطيين ومحافظين معتدلين، بكل ما فيه من تحديات معقدة، ويهدف إلى محاولة إعادة ترتيب المعادلات السياسية الحاكمة للنظام والجمهورية، بخاصة ما يتعلق بإفرازات الحرب أو الحال العسكرية والأمنية التي تعيشها وتمر بها إيران بعد هذه الحرب، والتي أسهمت في فتح الطريق أمام المؤسسة العسكرية، لتكون على رأس القرار والممسكة بكل تفاصيل الموقف والتوجهات، مما ساعد في تحجيم دور المؤسسات الدستورية، وتحديداً مؤسسة رئاسة الجمهورية، وتحويلها إلى مجرد أداة تنفيذية تعمل على إدارة الشؤون اليومية، ومتابعة القرارات التي تتخذ في الدائرة الضيقة للسلطة.
في موازاة خوف القوى الإصلاحية والمعتدلة بمختلف توجهاتها، من تكريس الطابع العسكري للسلطة، والخوف أيضاً من تعميق الشراكة بين موقع المرشد الأعلى الثالث مع قوات" حرس الثورة"، فإن التيار الراديكالي يسعى إلى تعميق الشرخ وضرب ما بقى من قنوات تواصل بين السلطة والمجتمع الإيراني، بدأ بمحاولة التشكيك في قدرات المرشد على إدارة الأمور، واتهام الحلقة المحيطة به بإدارته وإدارة المرحلة بناء على رؤيتها ومصالحها، ووصلت الأمور بهذا التيار حدّ التلويح بأن كل الخطابات والمواقف التي صدرت عن المرشد الثالث لم تكن بعلمه ومعرفته، أو أنها فرضت عليه وصدرت باسمه، وأن ما يقوم به" المجلس الأعلى للأمن القومي" جزء من خطط المؤسسة العسكرية لـ" حرس الثورة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما الأهداف التي تقف وراء هذا الهجوم الذي يقوم به الراديكاليون، فلا يعدو أن يكون السعي من أجل تشويه دور وموقع المؤسسات الرسمية للسلطة والنظام، بما تمثله من مرجعية قرار إستراتيجي، على أمل تمهيد الطريق لتخريب ما بقي من قنوات تواصل مع الجسم الاجتماعي، بكل أطيافه ومستوياته السياسية والثقافية والفكرية والشعبية، وأن تكون البديل لهذه المرجعيات أو الجهة المتحكمة بدوائر القرار القريبة من المرشد، وتلك التي تعمل على تنفيذ توجهات وقرارات مؤسسة المرشد، وهذا ما دفعها بعد وقف إطلاق النار وعقد الجولة الأولى للمفاوضات إلى إعادة تشغيل محركاتها، والتصويب على الأطراف التي تدير دفة القرار السياسي والدبلوماسي.
الجماعة الراديكالية أو المتشددة، التي تشعر بحال من المحاصرة والعزلة نتيجة حال التضامن الوطنية التي تمر بها إيران ما بعد الحرب، لم تجد خياراً أمامها سوى إعادة استفزاز منظومة السلطة واستثارة الشارع، من خلال الضرب على وتر الانقسام في المواقف، وتأكيد استمرار الصراع بين ثنائية التسوية والتشدد، على جميع المستويات، سواء الداخلية، من خلال إعادة الجدل حول قوانين وإجراءات صنفتها منظومة السلطة منذ أيام المرشد السابق بأنها تهديد للوحدة الوطنية والأمن القومي، أو الخارجية من خلال رفض التفاوض مع واشنطن، واتهام المفاوضين بالخيانة والاستسلام أمام مطالب وشروط العدو، محاولين إيجاد نوع من القيادة في الظل، تختلف عن المنظومة التي يقودها المرشد الجديد.
الراديكاليون، ومن خلال أدائهم السياسي في هذه المرحلة، يعيشون عقدة إنكار التحولات التي حصلت، وأن المرحلة باتت بحاجة إلى كثير من البراغماتية لإنقاذ ما بقي من المنظومة والسلطة، وبالتالي فهم قد لا يتورعون عن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع المنظومة الجديدة، أولاً للحد من خسائرهم ومنع مزيد من محاصرتهم، وثانياً بالطموح للقيام بانقلاب على السلطة والمرشد بهدف الإمساك بقرار إيران الجديدة، حتى وإن جاء ذلك من خلال التفاهم والاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك