ما إن تنتهي دورة انتخابية في الصومال حتى تتجدّد فصول الأزمات السياسية بين المعارضة والحكومة الفيدرالية.
خلافات عميقة تطاول راهناً شرعية مؤسّسات الدولة، فالولاية التي يجيزها الدستور المؤقت (2012) هي أربع سنوات بعد تشكيل البرلمان وانتخاب رئيس الجمهورية.
وبموجب هذا الدستور، انقضت فترة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في 15 مايو/ أيار الحالي، وكذلك باقي مؤسسات الحكومة الفيدرالية، لكنه مدّد فترة ولايته من أربع سنوات إلى خمس، بموجب دستور معدّل مثير للجدل أقرّه البرلمان الفيدرالي في مارس/ آذار الماضي، والذي يمنحه عاماً بعد انتهاء مدته الدستورية.
وتجادل المعارضة الصومالية بأن هذا الدستور المعدَّل، حتى وإن حظي بالموافقة الجماعية، لا ينطبق على ولاية الرئيس المنتهية ولايته التي بدأت منذ انتخابه رئيساً في 15 مايو/ أيار عام 2022، بمعنى أوضح فإن القانون لا يسري بأثر رجعي.
وكان الرئيس حسن شيخ محمود دافع مراراً عن أهمية إجراء تعديلات في الدستور المؤقت، لحشد الجهود لمشروع إجراء التعديلات على الدستور في العامين الماضيين.
ولكي يقطع شكوك المعارضة ومخاوفها من محاولة تمديد سلطته، قال في تصريح متلفز عام 2024 إن الدستور المعدل لا يسري على ولايته وفترة حكومته، وينطبق على المؤسسات الحكومية المقبلة، لكنه تراجع عن موقفه السابق بعد انتهاء مدته الدستورية في الحكم، ليعلن أن فترته ستنتهي في مايو/ أيار عام 2027، ما يؤدي إلى نشوء صدامات جديدة في بلد يعيش شعبه في دوامة من الفوضى السياسية والأمنية منذ عقود.
يختلف حسن شيخ محمود جذرياً عن شخصيته السابقة، عندما كان معارضاً في فترة حكم الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو (2017- 2022)، وكان يدافع بشراسة عن أهمية الالتزام بالدستور وعدم العبث به، حفاظاً على المكتسبات الأمنية والسياسية، وإجراء انتخاباتٍ نزيهةٍ لا تقصي دور السياسيين المعارضين، وكان يبدي تخوّفه من جرّ البلاد إلى نفق حرب أهلية مريرة، لكن تصريحات وخطاباته تلك شغلت الناس وملأت عالم المنصّات الرقمية وباتت متداولة وتقف على النقيض، من قرارات تتعلق بالدستور والانتخابات المباشرة التي تعدّ أيضاً مثار جدل بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، وأصبحت هذه المقاطع المنتشرة تحت عنوان" قبل وبعد" متداولة، وتستخدم لأجندات سياسية، وهي أضداد الرئيس الصومالي وتناقضاته في تصريحات مقتبسة، عندما كان معارضاً شديداً ورئيساً لا يغمض له جفن حتى يحقق ما يريده من أجندات دستورية وانتخابية.
فشلت المباحثات التي رعتها واشنطن ولندن في معسكر حلني بين الرئيس وأقطاب المعارضة مطلع مايو الجاري.
والعادة أن تنتهي اجتماعات الأطراف الصومالية منذ التسعينيات بالفشل، نتيجة البحث عن مصالح شخصية ضيفة في كومة من القش، فالمعارضة تتهم الرئيس بالتمسك بقرار إجراء انتخابات مباشرة لا تعطي هامش حرية للمعارضة، فهو الذي يفصل مقاسها ويحدّد إطاريها الزمني والمكاني، ويسنّ تشريعاتها أيضاً.
وتتهم الحكومة الفيدرالية المعارضة بالسعي إلى إجراء انتخابات تقليدية غير مباشرة، لا تعطي المواطن الصومالي حق انتخاب من يمثله في البرلمان الفيدرالي.
وفي تفاصيل تلك الانتخابات المباشرة يكمن الشيطان دوماً، فاللجنة الوطنية للانتخابات، وكذلك اللجان التي تعمل على إدارة الانتخابات، كلها تتبع الرئيس أو تمثل شخصيات وشركات متحالفة معه، وفق تصوّر المعارضة.
ولذلك لا مجال لـ" مجلس المستقبل المعارض" في الانخراط في انتخابات نتائجها معلومة سلفاً، وهي أشبه بلعبة الفائز فيها من يضمن نتيجتها مسبقاً وبكل الأدوات.
مجلس المستقبل المعارض الذي تأسس في نيروبي عام 2025 مجرّد كيان هشّ لا ترابط فيه، ولا أهداف سياسية واضحة لهالمشكلة لا تكمن في خلافات سياسية مزمنة، كالجفاف الذي يبسط يديه في الصومال كل عام، ليبيد الزرع ويهلك الماشية، بل في غياب مؤسّسات حكومية قضائية فعّالة، فغياب المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء في البلاد يمنح سلطة غير محدّدة وصلاحيات إدارية واسعة لحاكم" فيلا صوماليا" في مقديشو تخوّله في تنفيذ قراراته السياسية، وتلك المتعلقة بالانتخابات كما يشاء، من دون أن يأبه لإعادة عمل أهم مؤسّستين قضائيتين في البلاد، والتي تعتبر السلطة الثالثة للحكومة، لفصل الصلاحيات بين المركز والأطراف وبين المؤسسات التنفيذية (الحكومة والرئاسة) لسد الثغرات ودرء مخاطر قانونية تثير أزمات سياسية متكرّرة في كل دورة انتخابية جديدة بعد مرور كل أربع سنوات.
ولهذا يضع إغفال الجانبين، القضائي والدستوري، والتقيد بـ" حكم القانون" البلاد في متاهات سياسية وأمنية لا تنتهي.
ولا يمكن الإجابة عن سؤال الاستقرار في ظل نظام قضائي هش، في مقابل رئيس يحاول التشبث بالسلطة قدر الإمكان، فمستقبل البلاد على حبل مشدود نحو المجهول.
يدور الجدل في الأزمة الراهنة في محورين: التعديلات الدستورية والانتخابات المباشرة، وهما موضع خلاف دائم بين الشركاء السياسيين.
والحالة الصومالية في هذا ليست شاذة أو استثناء خالصاً، إذ تعجّ القارّة الأفريقية بالأنظمة السياسية الفاسدة، التي تتعمّد إجراء تعديلات في دساتيرها لتمديد فترة الرئيس، أو تغيير بنود في الدستور لصالح بقائه على الحكم فترة جديدة، وكلما انتهت هذه الولاية جرى السكين على فصول من الدستور، ما يسمح له البقاء في الحكم مدى الحياة، ظناً منه بعدم توفر بديل آخر؛ إذ يتخيّل أنه الضامن الوحيد للاستقرار، وحامل لواء عجلة تطوّر البلاد إلى الأمام.
ويروج حالياً في المشهد الانتخابي في البلاد تبرير غياب بديل آخر في المعارضة الصومالية، يمكن الوثوق به، وتحاول، هي الأخرى، مواجهة هذا التمديد بحشد الشارع المحلي، ولكن بأثمان باهظة، إذ سقط مدني في تظاهرة نظمتها أخيراً قوى المعارضة في مقديشو، وتتردّد كلمات تصف الرئيس الحالي بـ" مواطن" عادي، واعتبار تمديد سلطته انقلاباً على الشرعية، وكلها أدوات سياسية لإحراج الرئيس ونزعه لبوس الشرعية عنه بأي ثمن.
الانخراط في حوار جاد بين الحكومة والمعارضة لاحتواء الأزمة تجنّباً لما هو أسوأ خيار صائب قبل فوات الأوانيعد مجلس المستقبل المعارض الذي تأسس في نيروبي عام 2025 مجرّد كيان هشّ لا ترابط فيه، ولا أهداف سياسية واضحة له، وتتصارع فيه الأجندات السياسية.
ويرى بعضهم أنه لا يمكن اعتباره جسداً سياسياً يسعى إلى تحقيق تطلعات المجتمع الصومالي؛ إذ يطمع كل شخصٍ فيه بالظفر بالحكم من دون توفر أدوات سياسية واقتصادية ورؤية وطنية للم شمل الصوماليين بعد عقود من الاحتراب الأهلي.
كما أن هذا المجلس فشل في انتخاب رئيسٍ له في اجتماعات تأسيسه وكذلك في التشاورية اللاحقة، ما يعني أن الصراع الخفي بين أقطاب المجلس يمثل حجر عثرة أمام كل خطة لمواجهة الحكومة الفيدرالية، ما يشتت جهودهم السياسية والإعلامية قبل الولوج في معركة كسر عظم انتخابية.
في النهاية، ليس الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أقلّ حظاً وفرصة إذا تبنّى نموذج الانتخابات غير المباشرة، إن لم يكن أوفرهم حظاً، كما أن التنازل عن بعض قراراته السياسية ليس انتقاصة بقدر ما هو مخرج لأزمةٍ تبدو في ظاهرها راهناً عابرة، لكنها مع مرور الوقت تكبر ككرة الثلج.
وحينها يفقد الرئيس الصومالي شعبيته التي تضرّرت حالياً بفعل سياسة مكافحة العشوائيات في مقديشو، والتي شرّدت آلافاً من سكان العاصمة، كما أن حشد كل جهوده نحو إجراء انتخابات لا تحظى بالموافقة من الشركاء السياسيين، وتنفيذ بنود دستور معدّل مثير للجدل، تستنزف موارده وطاقته، وينتهي المآل إلى تشكيلة برلمانية تضم 329 عضواً لا يُعرف من سيصوّتون له رئيساً لعام 2027.
ولهذا، فإن الانخراط في حوار جاد بين الحكومة والمعارضة لاحتواء الأزمة تجنّباً لما هو أسوأ خيار صائب قبل فوات الأوان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك