تواصل إسرائيل تصعيدها الميداني في لبنان بمعزل عن المفاوضات الأميركية الإيرانية للوصول إلى اتفاق لوقف النار والاجتماعات التي تعقدها مع الوفد اللبناني العسكري في واشنطن، وأهمّها يبرز غداً الجمعة، في مقرّ وزارة الدفاع (البنتاغون)، ضاربةً عرض الحائط الهدنة التي انطلقت في 17 إبريل/ نيسان الماضي، والمساعي الدبلوماسية المكثفة للتهدئة، وذلك في محاولة منها لزيادة الضغوط على الدولة اللبنانية ودفعها بالنار وتوسعة الاحتلال إلى نزع سلاح حزب الله.
وفرض الاحتلال الإسرائيلي، في الأيام القليلة الماضية، وقائع عسكرية جديدة، بعدما أعلن تعميق عملياته العسكرية، بحيث ركّز ضرباته على مدن رئيسية، أبرزها النبطية وصور، ووسّع إنذارات الإخلاء لتشمل قرى بأكملها، بما يتسبّب بتهجير عشرات آلاف المواطنين قسراً، وقد طاولت أمس الأربعاء جميع المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، إلى جانب تنفيذ غارات شرقي لبنان، خاصة في البقاع الغربي، مرتكباً مجازر متنقلة ودماراً كبيراً، مع إبقاء تهديداته باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، التي سبق أن ضربها مرّة واحدة خلال" الهدنة".
في المقابل، يواصل حزب الله عملياته العسكرية، بالدرجة الأساسية ضدّ تجمّعات وآليات جيش الاحتلال في المناطق الجنوبية المحتلّة، مستخدماً المسيّرات الانقضاضية التي باتت تشكل تحدياً متزايداً للقوات الإسرائيلية، محاولاً التصدّي ميدانياً لمحاولات التوسّع الإسرائيلية، باشتباكات مباشرة وعلى مسافة صفر، منها ما شهده محور زوطر الشرقية، مستخدماً القذائف المدفعية والصواريخ الثقيلة، والمحلّقات والمسيّرات الانقضاضية، وأسلحة خفيفة ومتوسّطة.
وفي قراءة عسكرية شاملة للتصعيد الإسرائيلي وتوسعة العمليات العسكرية، يقول الخبير بالشأن العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد، حسن جوني، لـ" العربي الجديد"، إن" أهداف إسرائيل تبدّلت في الجنوب اللبناني على وقع الضربات التي نفذها حزب الله والمواجهات البرية، ووفقاً أيضاً لبعض الاعتبارات الإقليمية والدولية وطلب الرئيس الأميركي منها وقف إطلاق النار".
ويضيف: " اقتنع الإسرائيلي أنه لا يمكن أن ينهي حزب الله عسكرياً إلا إذا أراد أن يجتاح لبنان ويحتلّ كل بيت، وهذا ما أعلنه رئيس أركانه، لذلك تبدّلت الأهداف العسكرية وأصبح الهدف بالنسبة إليه هو إنشاء المنطقة العازلة والخطّ الأصفر وعمل على هذا الأساس".
ويتابع جوني: " لاحقاً، ظهرت المسيّرات الانقضاضية التي لجأ إليها حزب الله، والمعروف أنها عصيّة على الرصد والمتابعة وتتحرّك على الألياف الضوئية، ما أحدث إرباكاً لدى جيش الاحتلال، وحوّل كل قواه العسكرية في الجنوب ضمن المنطقة العازلة إلى أهداف، من دبابات وجرّافات، ومؤخراً القبب الحديدية، ولم يستطع الإسرائيلي إيجاد حلّ تقني لها، لذلك اعتمد استراتيجية مختلفة بعض الشيء تقوم على الضغط المستمرّ والقاسي على بيئة حزب الله من خلال تكثيف تدمير القرى وتوسِعة مناطق الإخلاء والإنذارات، وبالتالي أراد تكريس قاعدة اشتباك مع حزب الله مفادها أن استمرار إطلاق المسيّرات يعني مواصلة تدمير القرى والبلدات ومنها المدن الأساسية صور والنبطية".
ويردف جوني: " في المقابل، واصل حزب الله عملياته، وصعّد أكثر بإطلاق أسرابٍ من المسيّرات وإشراك المدفعية وأسلحة أخرى، وواجه الإسرائيلي في محور دير سريان – زوطر الشرقية، ورشاف – حداثا، وغيرها، وحاول الإسرائيلي إيجاد حلول تقنية وشِباك للمسيّرات من دون أن ينجح، ما كبّده خسائر وإصابات منها في صفوف كبار الضباط"، لافتاً إلى أن الإسرائيلي أراد من معارك رشاف – حداثا استكمال المنطقة العازلة، من خلال ربط القطاع الأوسط بالقطاع الغربي ضمن الخط الأصفر.
هذه التطورات الميدانية، يقول جوني، " يبدو أنها قادت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى تبنّي استراتيجية تصعيدية تقضي بالتوسّع براً بالاتجاهات التي تعتبرها إسرائيل خطرة، أي نقاط إطلاق المسيّرات أو تحرّك حزب الله، وهي منطقة قلعة شقيف ومحيطها، وهذه مفتاحها زوطر الشرقية، لذلك بدأ قبل يومين تقريباً بتطوير محور دير سريان – زوطر الشرقية وعمل ببطء، وواضح أنه حضّر له منذ أكثر من عشرة أيام، وحضّر عبّارات في النهر، وحقق تقدّماً بعدما نفذ غارات جوية على كل نقطة محتمل وجود عناصر لحزب الله فيها، وبالتالي مارس تمهيداً نارياً كثيفاً جداً في هذه المنطقة، ويبدو أنه قبل ساعات وصل إلى مداخل زوطر الشرقية من ناحية الجنوب الشرقي تقريباً".
ويشرح كذلك جوني أن" زوطر تؤسّس لتطوير العملية باتجاه الالتفاف على قلعة شقيف/ أرنون الشقيف، مروراً بمنطقة ميفدون والنبطية الفوقا، فطوّر تالياً استراتيجيته بهذا الاتجاه، رغم إدراكه أنه يغامر وسيتعرّض لإصابات كثيرة، لكن فضّل تكبّد الخسائر والإصابات بتقدّم ممكن أن يؤدي إلى إنهاء التهديد القائم على المسيّرات بدل تكبّد الخسائر بالمسيّرات نفسها".
ويلفت إلى أن" احتلال منطقة الشقيف لم يكتمل بعد، لكن احتلال زوطر الشرقية يمهّد لاحتلال قلعة شقيف، الذي هو هدف استراتيجي مهمّ جداً ويعتبر بمثابة إنجاز، وبالتالي فإن وصوله إلى زوطر الشرقية يعتبر نصف إنجاز عسكري دون شك، لأن قلعة الشقيف هي منطقة استراتيجية مُشرفة على شمال إسرائيل وجنوب لبنان وصولاً إلى البحر تقريباً، واحتلالها يمهّد أيضاً، إذا أراد التوسّع أكثر بالعمل العسكري، للمتابعة باتجاه النبطية، وطبعاً ستندلع مواجهات عنيفة وسيدفع فاتورة غالية من حيث الخسائر، لكن إذا قبِل هذه الأثمان، فبطبيعة الحال سيستكمل عمليته وممكن أن يتابع من هذه المنطقة باتجاه الساحل"، معتبراً أن" الاحتمالات كثيرة وكل الفرضيات ممكن أن تكون تالية بعد سيطرته على هذه المنطقة".
كذلك، فإن منطقة الشقيف تقع أيضاً ضمن الخط الأصفر الذي رسمه جيش الاحتلال وأعلن عنه، وهي استثنائياً في شمال الليطاني، لكنها تقع ضمن الخط الأصفر بالنظر إلى أهميتها التي أشرنا إليها، يتابع جوني حديثه.
وتبعاً لذلك، يشير جوني إلى أن" هذه هي الاستراتيجية الإسرائيلية الآن، لمواجهة المسيّرات، بالتقدّم والتوغّل برّاً لتنظيف هذه المناطق من عناصر حزب الله والبحث عن مطلقي المسيّرات، وكان محور زوطر هو الهدف الأول بتطوير العمليات البرية، وحزب الله من جهته، رغم التدمير اليومي للقرى، واصل إطلاق المسيّرات، علماً أنه قد يكون هناك توسعة في محاور أخرى مرشحة، وأعتقد أن الإسرائيلي يأخذ بعين الاعتبار مدى قدرة حزب الله على المواجهة وفعاليته على الأرض، ليقرّر على أساسها المتابعة أم لا".
أما بالنسبة إلى إنذارات الإخلاء التي شملت أمس جميع المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني، والطلب إلى السكان الاتجاه إلى شمال النهر، فالمقصود بذلك، بحسب جوني، " التركيز على المنطقة ما بين الليطاني والزهراني".
ويشرح أن" أهمية هذه المنطقة أنها خطّ الاتصال بين الساحل والنبطية، وقد يكون ذلك في إطار تحضير الأرضية لتطوير العمليات العسكرية في حال أراد الإسرائيلي متابعة التوسّع، علماً أن المسألة خطرة جداً، فتوغله أكثر يجعله عرضة أكثر للاستهداف، ووجوده كذلك في زوطر يجعله عرضة للاستهدافات المتكررة من حزب الله".
ويردف جوني: " بالتالي، كقراءة عسكرية، فإن هذه الإخلاءات والتركيز على المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني ترتبط بالتحضير لتوسعة العمليات العسكرية واستهدافات أكثر لمراكز أو بنى يعتبرها الإسرائيلي تابعة لحزب الله، وذلك بعدما دمّر أجزاء كبيرة من هذه المنطقة، خاصة محيط كفررمان وحبوش والنبطية، ودير الزهراني، والنميرية، وزفتا".
وعلى صعيد استهدافات البقاع الغربي، يقول جوني إن" البقاع الغربي ديمغرافياً كمنطقة ليست تابعة لحزب الله، لكن كبعد جغرافي، تعتبر منطقة حيوية تؤمّن صلة وصل بين البقاع الشمالي والأوسط من جهة وجنوب لبنان من جهة أخرى، وهي ممر إلزامي بين المنطقتين، وبالتالي ربما تكون هناك ضربات بهذه المنطقة لبعض الأهداف التي تتعلق بالعمليات العسكرية"، مشيراً إلى أن" التوغل عميقاً في منطقة النبطية لا يعني أن هناك هدفاً بالتوغل في البقاع الغربي، فالتوغل عسكرياً بالبقاع الغربي لا يخدم أهداف العملية العسكرية، خاصة من ناحية ديمغرافية المنطقة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك