بالتأكيد، ستجد قارئي العزيز في هذا المقال أشد الكلمات تنديدا بالأحداث المأساوية الأخيرة التي تعرض لها أسطول غزة الجديد، وسؤال كيف يمكن الانتقال بهذه السهولة، بهذا الاستهتار، بهذا التراخي، من أسطول الصمود، شقيق أسطول الحرية، أسطول الشرف والهمة، إلى «سفينة السجن»، سفينة الحاوية المعدنية، سفينة الإذلال، التي تعد آلية قمع آخرى من آليات القمع التي تعتمد عليها السلطات الإسرائيلية الحالية.
لكن افتح لي في مستهل هذا المقال مجالا للعودة إلى هذه الكلمة، كلمة «أسطول»، التي غالبا ما نطرحها للتداول، من دون أن نقف عند أبعادها.
فمن منا يتذكر، من دون بحث مسبق أن، «الأسطول» يعيدنا إلى أصل الكلمة الإغريقي Stolos، التي تحيلنا بدورها إلى مجموع السفن المشتركة تحت قيادة لواء واحد، أي تحت قيادة واحدة.
تنكيل وكسور في الأضلاع.
ركل وضرب وتقييد على الكراسي، تلكم أبرز وجوه المنظومة التعسفية التي وضعتها السلطات الإسرائيلية في سبيل كسر عظام أسطول الحرية والسلامارتحت كثيرا لهذا التعريف، فهو يشير إلى منحى أساسي يرتبط عضويا بمهمة الأسطول، وهي ضرورة رص الصفوف لتحقيق مشروع محدد وقد يكون مشروعا متعدد الأبعاد.
هنا، أفادتني كثيرا العودة إلى موقع وزارة الأوقاف المصرية «أوقاف أونلاين»، الذي يقترح بلغة أشبه باللغة الكلاسيكية التي تجدها عند قدماء المؤرخين، وقفات اصطلاحية تقربنا من التاريخ العربي الإسلامي، بدءا بـ»حماية ثغور البلاد» من هجمات دولة الروم، حين كانت السيادة على شرقي المتوسط هي الرهان المطروح.
الحماية إذن، دعونا ندخر هذا المصطلح ونواصل قراءتنا: «وقد وافق الخليفة عثمان بن عفان لمعاوية بن أبي سفيان على ضرورة ركوب البحر، ولكنه اشترط ألا يعمل فيه إلا المتطوعة.
وبفضل هذا الأسطول، نجح معاوية في ضم جزيرتي قبرص ورودس»، متطوعة: كلمة أخرى شأنها شأن» حماية»، تتناغم كليا مع واقعنا الراهن.
وفي انتقال سلس إلى «أخي عثمان بن عفان من الرضاعة ووالي مصر في عهد خلافته، عبد الله بن سعد بن أبي سرح» يحيلنا الموقع المصري إلى مقدمة ابن خلدون ليدخل في قاموس مفرداتنا «الصواري»، نسبة إلى موقعة «ذات الصواري « الشهيرة التي أنهت سيادة البيزنطيين على شرق المتوسط (بحر الروم) وقد سميت كذلك لكثرة صواري المراكب المجتمعة.
حماية.
متطوعة.
صوار.
مراكب مجتمعة«ومن هذه اللحظة – يواصل الموقع – أصبح الاهتمام عظيما بأمر الأسطول، وتم إعداد السفن برسمه (ترسيمه)، وجعلت مرتبات غزاة البحر كمرتبات غزاة البر، وانتدب له مجيدو الرمي واختير له القواد من العارفين بمحاربة العدو واجتهد الناس في تعليم أولادهم ألوان القتال البحري».
بات الأسطول إذن في قلب التاريخ العربي الإسلامي، ممارسة مقننة رسمية رافقت الفتوحات والغزوات وحماية الثغور.
وإذا كان سياقنا اليوم سياقا مختلفا، وإذا كان التاريخ قد طوى صفحة الغزوات والفتوحات، فلم تطو صفحة الأساطيل.
فاليوم نجد مجددا الحماية والمتطوعين والمراكب مجتمعة، 69 تحديدا، لكن هذه المرة في حركة مدنية عالمية إنسانية سلمية تتوخى إيصال المساعدات لقطاع غزة المحاصر.
تطوع وحماية وسلمية.
لكن بأغلى ثمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك