لدى السوريين الكرد رغبة قوية بالانخراط في مؤسّسات المرحلة الانتقالية، وهو ما يُمكن فهمه ضمن الخيارات السياسية الهادفة إلى تثبيت الحضور الوطني الكردي، ضمن الفضاء السوري العام، على أمل المساهمة في إعادة تشييد الدولة السورية وبنائها من الأسفل عبر المؤسّسات، ثم التأثير في مستقبل العملية السياسية والإدارية والعسكرية للبلاد، وهذه أرقى أنواع النضالات السياسية.
يمكن اعتبار هذه النزعة ذات منشأ فريد؛ فرغم سنين القحط السياسي والمحق الوجودي الذي مارسه الأسد، وغياب أيّ مشروع واضح المعالم للمعارضة السورية، ثم إصرار السلطة الحالية على تنفيذ مشاريعها، والانحياز لفئات مُحددة، ومع سيولة الانتهاكات في الساحل والسويداء، ومناطق متفرقة من البلاد، آثر الكرد المشاركة في الدولة السورية، انطلاقاً من حسّ وطني ورغبة في الشراكة.
ولكن هذه الشراكة تصطدم بمصطلحات غريبة، من قبيل" نرفض المحاصصة، ولا توجد خصوصيات".
إلخ.
ويتناسى مُطلقو تلك التصريحات والمواقف أن ما يجري في سورية مُحاصصة بحد ذاتها، حيث تُسند أغلب المناصب الحساسة والغالبية المطلقة ضمن مجلس الشعب، والوزارات السيادية، إلى جزء من المكون السني العربي، وهذه مُحاصصة.
ولهذا، المشاركة الكردية في الانتخابات النيابية مثلاً، أو الاستعداد للعمل ضمن باقي التفصيلات والتشكيلات الحكومية، لا تعني غياب الملاحظات القانونية والسياسية الجدّية، المتعلقة بمستويات التمثيل الحقيقي للكرد، وبما يُمثل ثقلهم الديمغرافي في مناطقهم التاريخية، وأدوارهم التي يسعون إليها ضمن مؤسّسات الدولة الانتقالية، ومنها مجلس الشعب.
فلا تزال كتلة المخاوف الهويّاتية الكردية مستمرّة، على قاعدة أن مُجرد المشاركة السياسية لا تقود حتماً إلى مستوى تمثيل يعكس حقيقة التوزع السكاني والجغرافي والبشري الكردي، وحصاد الأدوار التاريخية للكرد في سورية، ليعود مُجدداً غياب ضمان الوجود الكوردي العادل في إدارة البلاد.
التجربة السورية الحالية الانتقالية، ولضمان نجاحها، لابد لها من الاستناد إلى معايير التوافق والشراكة السياسية المتوازنة بين المكونات، وليس حصرهم بالحضور.
وهذه ليست مُحاصصة، وإنْ كانت ستُسمى كذلك، فإن المشكلة غياب ضمانات وجود كل المكونات، في الهيئات والمراكز الأساسية من وزارات الخارجية والدفاع والداخلية والمالية، إلى أجهزة الاستخبارات والأمن، مروراً بالسلك الدبلوماسي، وحتى القصر الجمهوري.
فحين نقول سورية الجديدة، نعني بها القطيعة التامة مع السابق الذي حصر كل شيء بيد فئاتٍ مُحدّدة لا غير.
المشاركة الكردية في الانتخابات أمر مُهم، بل حتمي، ضمن سياقات الشراكة في بناء الدولة وحمايتهاومن دون مراعاة الواقع الديمغرافي والتنوع الثقافي والقومي في سورية، في المرحلة الانتقالية، ومن الناحيتين، السياسية والدستورية، فإن اختلالات كبيرة ستتسبب بفرض وقائع سياسية، ونسب سكانية غير حقيقية، لتوصيف حجم المكونات السورية، وأدوارها المستقبلية في الدولة السورية.
مثالاً: عدم ورود اسم مُرشّح المكون الآشوري السرياني في لوائح الهيئة الناخبة، رغم الاتفاق المسبق على توزيع المقاعد النيابية على الكرد والعرب والآشوريين السريان.
إضافة إلى محدودية عدد المقاعد البرلمانية الممنوحة للكرد، مقارنة بالثقل الديمغرافي وحجمهم السكاني، والانتشار الجغرافي، وهي تثير تساؤلات مشروعة بشأن مدى تحقيق مبدأ الشراكة، عوضاً عن المُحاصصة التي هي موجودة لصالح فئة، ومحرومة على البقية.
وبالتالي، يُخشى أن يُعدّ ما جرى مستقبلاً تشخيصاً رسمياً للبنية الديمغرافية، وليس مُجرّد ترتيبات انتقالية مؤقتة، وفقاً للظروف السياسية المؤقتة التي تعيشها سورية.
المشاركة الكردية في الانتخابات أمر مُهم، بل حتمي، ضمن سياقات الشراكة في بناء الدولة وحمايتها، خصوصاً مع زيادة الضغوط المحلية والإقليمية والدولية على بُنية الدولة، وضرورة تحقيق الانتقال السياسي السلس.
والمشاركة جاءت تقديراً واحتراماً لدماء الشهداء والثورة السورية، وتتمة لمواقف الكرد وأدوارهم الوطنية في سورية، لكن السؤال الأهم يدور في المُخيلة الكردية: إلى ماذا يتم الاستناد دوماً في تحجيم الأدوار الكردية وتقزيمها في هذه البلاد، ثم يُطالبونهم بالعمل والمشاركة، وكأن الشراكة فقط في الحضور، من دون المطالبة بالفاعلية السياسية، بما تتطلب من إسناد أدوار وصلاحيات، ووجود حقيقي ضمن الوزارات والبرلمان و.
إلخ.
يطالب السوريون الكرد بالعدالة والديمقراطية والمساواة والشراكة بشكل يعكس الحقيقة التاريخية للبلادلا تتعلق القضية بالنسبة للكرد بالمزايا، بل باعتبارهم جزءاً من سورية، من دون امتيازات استثنائية أو قضايا خارج سياقات تعريف الدولة الحديثة، التي لا تُقصي أحداً، ولا تجعل منهم هامشاً وشكلاً بلا مضمون.
بل يطالبون بالعدالة والديمقراطية والمساواة والشراكة، بشكل يعكس الحقيقة التاريخية للبلاد.
ففي انتخابات مجلس الشعب السوري، في تسعينيات القرن الماضي، حصد الكرد ثلاثة مقاعد من أصل خمسة مخصّصة للمستقلين على دائرة محافظة الحسكة، رغم وجود مرشّحين كرد مستقلين، وهذا بحد ذاته إحصاء ودلائل على النسب والتناسب.
في حين، وعلى سبيل المثال، أجريت الانتخابات في دائرة سري كانيه (رأس العين) في غياب تام للكرد والسريان الآشوريين.
وفي المحصلة، حاز المقعد مُرشح من عرب المغموريين، الذين يُطالب الكرد بإعادتهم إلى مناطقهم، واسترداد أملاكهم التي صادرها النظام السابق.
لنتفق، نحن السوريين: إما أن الكرد حالة طارئة ومُهاجرة، ولا حقوق لهم.
أو مكوّن وطني ذو خصوصيات قومية وهويّاتية، لا ينتمون للعروبة بشيء، وآلياتهم في معالجة القضايا تختلف عن الشمولية و" أرباع" الحلول، ويسعون إلى بناء الدولة والنقاش والعمل من الداخل، ما يعني حتمية الإنصاف التاريخي والعادل وضرورته، بما يعكس حقيقة الوجود الديمغرافي، والاعتراف بالتعدّدية السياسية أسّاً لبناء سورية لجميع أبنائها، خصوصاً وأن المواطنة الحقوقية والسياسية تفرض المساواة.
والغريب أن نُخب السلطة (من دون تعميم)، لا ترى في المواطنة سوى حالة تفوّق واستعلاء هويّاتي على باقي المكونات، من دون أن تُقدم شيئاً يُميزهم عن البقية، ما قد يقود مُجدداً إلى مخاوف وصراعات هوياتية، سياسية وثقافية وتمثيلية، ويُخشى أن تتفاقم الأوضاع أكثر، وهو ما لا يتمنّاه الساعون إلى بناء الدولة، وإعادة تشييد السردية والعقيدة الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك