في مثل هذا اليوم من عام 1453، تغير مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد، حين تمكنت الجيوش العثمانية بقيادة السلطان محمد الفاتح من فتح مدينة القسطنطينية الحصينة، وتنهي بذلك عصر الإمبراطورية البيزنطية التي دامت أكثر من ألف عام، ومعها تنتهي العصور الوسطى في القارة الأوروبية، وتعاد صياغة موازين القوى بين الشرق والغرب.
عقدة الجغرافيا ومفتاح الإمبراطورية، لماذا فكر العثمانيون في فتح القسطنطينية؟جذور الرغبة العثمانية في السيطرة على القسطنطينية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت هدفًا استراتيجيًا لجميع السلاطين الذين سبقوا محمد الفاتح؛ فمن الناحية الجغرافية، كانت المدينة بمثابة إسفين يقطع أوصال الدولة العثمانية الناشئة، حيث فصلت بين ممتلكاتها في الأناضول الآسيوية وممتلكاتها في الروملي الأوروبية، مما جعلها تهديدًا مستمرًا للأمن القومي التركي.
وتكشف الكواليس السياسية أن الأباطرة البيزنطيين كانوا يستغلون هذا الموقع المتميز لإثارة الفتن داخل البيت العثماني، عبر احتضان الأمراء المتمردين وتحريضهم على الانقلاب، فضلًا عن تحالفهم المستمر مع القوى الصليبية في الغرب لتسيير حملات عسكرية ضد المسلمين، مما جعل إسقاط هذه المدينة مسألة حياة أو موت لتأمين وحدة واستقرار الدولة العثمانية.
عبر صراع عسكري استمر ثلاثة وخمسين يومًا من القتال الضاري والحصار الخانق الذي استخدمت فيه العسكرية العثمانية أحدث التكتيكات التكنولوجية في ذلك العصر، وعلى رأسها مدافع أوربان العملاقة التي كانت تدك الأسوار الثلاثية الأسطورية دون توقف، وشهدت المعركة كواليس أذهلت الجميع، حيث واجه العثمانيون معضلة السلسلة الحديدية الضخمة التي أغلق بها البيزنطيون مدخل المدينة لمنع السفن من الاقتراب.
في المقابل ابتكر السلطان محمد الفاتح خطة خداع عبقرية، وأمر بنقل سبعين سفينة حربية عبر البر فوق أخشاب مدهونة بالزيوت والشحوم، ليتم إنزالها خلف السلسلة في ليلة واحدة، مما أصاب الحامية البيزنطية بالذعر وشتت خطوط دفاعها، لتبدأ مرحلة الهجوم الشامل من البر والبحر حتى انهارت الدفاعات تمامًا واقتحم الإنكشارية - قوات النخبة في الجيش العثماني- الشوارع، وسقط الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر قتيلًا في أرض المعركة.
لماذا هوت بيزنطة؟ سر سقوط إمبراطورية الألف عامتلخصت أسباب سقوط الإمبراطورية البيزنطية في أن مدينة القسطنطينية بأسوارها كانت هي الإمبراطورية بأكملها في ذلك الوقت، بعد أن تآكلت كافة ممتلكاتها وأقاليمها المحيطة بفعل الضربات العثمانية المتتالية على مر العقود، ولم يتبقَ من هيبتها سوى تلك العاصمة المحاصرة.
وبسقوط المدينة انهار المركز الروحي والسياسي والاقتصادي الذي يستمد منه البيزنطيون شرعية وجودهم، فضلًا عن الانقسامات الدينية العميقة بين كنيسة روما الكاثوليكية وكنيسة القسطنطينية الأرثوذكسية، والتي منعت وصول مساعدات حقيقية من الغرب الأوروبي الذي كان منشغلًا بصراعاته الخاصة؛ ليرحل القياصرة وتطوى صفحة الإمبراطورية الرومانية الشرقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك