ثمة ثلاثة خطوط سردية، تنطلق من نقاط متباعدة، في الزمان والمكان، تشكل ضفيرة السرد في رواية" الريح تعرف اسمي" للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، الصادرة عن دار الآداب في بيروت، بتعريب مارك جمال.
الخط الأول يبدأ في فيينا عام 1938، والثاني يبدأ في إلموسوتيه عام 1981، والثالث يبدأ في سان فرنسيسكو عام 2019.
وعلى المسافة الطويلة، الزمنية والمكانية، الفاصلة بين بداية وأخرى، فإن هذه الخطوط تتقاطع في نقاط عديدة، حتى إذا ما شارفت الرواية نهاياتها تتحد في خط واحد، لتقول إن معاناة الناس واحدة على تنوع تمظهراتها.
وإن الأفعال الإنسانية النبيلة، على اختلاف فاعليها، من شأنها التخفيف من هذه المعاناة.
وإن الضحايا محكومون بالتعاون في مواجهة الجلادين.
تتخذ الليندي من التاريخ البعيد والمتوسط والقريب مصدراً للأحداث الروائية، فتختار من الأول الإبادة التي مارستها النازية في حق اليهود في فيينا، أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي.
وتختار من الثاني الإبادة التي مارسها الحكم العسكري في السلفادور في حق قرية إلموسوتيه الصغيرة، بدايات الثمانينيات من القرن نفسه.
وتختار من الثالث الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية في حق المهاجرين على الحدود المكسيكية - الأميركية، أواخر العقد الثاني من القرن الجاري.
وترصد تداعيات هذه الأحداث على شخوص الرواية، والتحولات التي تمر بها، والمآلات التي تؤول إليها.
وهكذا، تتوزع الأحداث التاريخية المختارة، على مسافة زمنية، تربو على الـ80 عاماً، وعلى مساحة مكانية، تنتمي إلى القارتين الأوروبية والأميركية، مما يمنح الرواية طابعاً تاريخياً وعالمياً، في آنٍ واحد.
وعلى رغم هذا التوزع المترامي الأطراف، زمنياً ومكانياً، فإن الكاتبة تجعل من ضحايا التواريخ الثلاثة، البعيد والمتوسط والقريب، أسرة واحدة في النهاية، فتجمع الرواية ما فرقه التاريخ.
في أحداث الرواية، يتحدر الطفل صامويل أدلر من أسرة يهودية مسالمة، تقلب أعمال العنف ضد اليهود في فيينا حياة أفرادها رأساً على عقب.
فتقوم بترحيله إلى إنجلترا حرصاً على حياته.
وهناك تنقطع صلته بأسرته، وتتقطع به السبل، ويصاب بذات الرئة، وينتقل من بيت إلى آخر، حتى تحط به الرحال لدى الزوجين لوك وليديا إيفانز، فيتوليان إلحاقه بمدرسة داخلية، ينضم فيها إلى أوركسترا المدرسة عازفاً على الكمان، ثم يلتحق بأكاديمية الموسيقى الملكية بموجب منحة دراسية.
غير أن تزامن التحاقه بها مع أخبار ترده من فيينا، حول مصير أفراد أسرته، تنغص عليه فرحة الالتحاق، وتقلب مواجعه القديمة، فيتخذ من مضيفيه أسرة له، ويجعل الموسيقى ملاذاً يفيء إليه، حتى إذا ما بلغ الـ25 من العمر، يسافر إلى نيو أورلينز الأميركية لدراسة الجاز، ويلتقي بالفتاة الجميلة الجريئة نادين ليبلانك، فتتبرعم بينهما علاقة حب تتكلل بالزواج بعد عامين.
وهكذا، يبتسم له القدر بعد عبوس، ويشكل زواجه بداية استقرار، على الصعيدين العاطفي والمهني.
غير أن القدر لا يلبث أن يعبس في وجهه، من جديد، فتموت نادين بعد عمر من الزواج الناجح، ولا تسير علاقته بابنته وحفيده على ما يرام، ليجد نفسه وحيداً في بيته، وقد تقدم به العمر، فيطلب من العاملة المنزلية ليتيسيا، وهي التي تقوم على خدمة المنزل منذ 20 عاماً، أن تقيم معاً، فتلبي طلبه، ويواجهان معاً الوحدة، ويخفف أحدهما من غربة الآخر، ذلك أن ليتيسيا، كما صامويل، هي ضحية العنف العسكري الذي أتى على سكان قريتها السلفادورية إلموسوتيه، وكانت مع أبيها الناجيين الوحيدين من الأسرة، لوجودهما في مستشفى المدينة، ما اضطرهما إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة، في ظروف شاقة، ليعمل هو في شركة بناء.
وتتزوج هي ثلاث مرات، تفشل في اثنتين منها، ويموت الزوج في المرة الثالثة، حتى إذا ما توفي الأب، وتقطعت بها السبل، يتولى رب عمله المكسيكي كروس نورس تأمين فرصة عمل لها لدى أسرة صامويل أدلر.
وهنا، يتقاطع السلكان الأول والثاني.
في غمرة الركود الذي يعيش فيه صامويل وليتيسيا، يأتي الاتصال الهاتفي من المحامي فرانك إنجليزي ليقلقله، ذلك أنه يحاول إقناعهما باستضافة الطفلة آنيتا ريثما يتم العثور على أمها، بعد التأكد من وجود صلة قرابة بينها وبين ليتيسيا، وإذ ينجح في محاولته، يشكل انضمام آنيتا إلى العجوزين نقطة تحول في مجرى حياتهما، فتنقلب من الركود إلى الحيوية، ومن البرد العاطفي إلى الدفء الأسري، وتجعلهما في قلب الحياة، من جديد، لا سيما أن الطفلة ضحية مثلهما.
وإن كان الجلاد يختلف من حال إلى أخرى، فآنيتا ضحية الإجراءات غير الإنسانية التي تتخذها الإدارة الأميركية في حق المهاجرين غير الشرعيين، فالطفلة المصابة بعمى موقت إثر تعرضها لحادثة أودت بأختها الصغيرة كلاوديا، تتحدر من قرية تشالتشوايا السلفادورية، تفر بها أمها إلى الولايات المتحدة هرباً من قاتل محترف يتربص بها، وكان قد أطلق النار عليها وأصابها برصاصة في الصدر، وما إن تصل الحدود الأميركية - المكسيكية، حتى تصطدم بالإجراءات غير الإنسانية التي تستهدف المهاجرين اللاجئين، فيتم فصل الطفلة عن الأم، وتوضع في ملجأ، ولا يسمح للأخيرة بالدخول، مما يجعل الأولى ضحية لتلك الإجراءات، فتنتقل من ملجأ إلى آخر، وتتعرض للتنمر والإهمال والتهميش.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويحاول أحدهم اغتصابها، فتتدخل الناشطة الاجتماعية سيلينا لنقلها إلى مكان آمن، وتستعين بالمحامي فرانك إنجليزي للعثور على أمها المفقودة، والحصول لهما على حق اللجوء، فيتصلان بليتيسيا وصامويل، ويقنعانهما باستضافة الطفلة ريثما يتم العثور على الأم، فيوافقان.
هنا، تلتقي الأسلاك السردية الثلاثة، وتتحد في سلك واحد حتى نهاية الرواية.
في مواجهة الواقع القاسي الذي تعيشه، تلجأ آنيتا إلى الحديث مع أختها كلاوديا، متوهمة أنها تسمعها.
تروي وقائع حياتها في الملجأ أو دار التبني.
تتذكر أمها ووقائع من حياتها.
تتخيل وجود ملاك حارس تفضي إليه بهواجسها، ووجود نجمة أسابار تسافر إليها على متن الخيال، مصطحبة معها من تحب.
وهكذا، يشكل الحكي والتذكر والتخيل آليات دفاع في مواجهة الواقع القاسي.
وهي آليات ستعتمدها بعد انتقالها للعيش مع أسرة أدلر، مع فارق أن الحكي يتحول من السلبيات، قبل الانتقال، إلى الإيجابيات، بعده.
وهكذا، تجمع الرواية بين الضحايا في مكان واحد، فيشكلون أسرة واحدة، تتبادل الحب والتكافل والتضامن، ولعلها تتخفف من تبعات الماضي.
والمفارق أن ما يجمع بين صامويل وليتيسيا وآنيتا أنهم ينتزعون في الطفولة من أسرهم، يبتعدون عن أوطانهم الأصلية، يصابون بأمراض مختلفة، يعانون الفقد والهجرة والوحدة والغربة، ومن ثم، تبتسم لهم الحياة، في مراحل مختلفة، لا سيما حين يشكلون معاً أسرة واحدة.
وإذا كانت الرواية تسمي الضحايا بالاسم، فالملاحظ أنها تحجب التسمية عن الجلادين، وتكتفي بتسمية الجهة التي ينتسبون إليها، من قبيل: السلطة النازية في فيينا، والحكم العسكري في السلفادور، والإدارة الأميركية.
ولا يخرج عن هذا السياق تسمية فاعلي الخير الذين يساندون الضحايا في محنتهم، ففي فيينا، يحاول الصيدلي بيتر شتاينر حماية صديقه الطبيب اليهودي رودولف أدلر، والد صامويل، ويقوم الكولونيل المتقاعد تيوبالد فولكر بإيواء الأخير وأمه ومد يد العون إليهما.
وفي لندن، يحتضن الزوجان لوك وليديا إيفانز الطفل ويوفران له سبل التعلم.
وفي بيركلي، يوفر المكسيكي كروس نورس فرصة عمل لوالد ليتيسيا في شركته، حتى إذا ما توفي، يفعل الشيء نفسه مع ابنته.
وفي سان فرنسيسكو، تتابع سيلينا وفرانك قضية آنيتا حتى بلوغها الخاتمة المنشودة.
وهذه الوقائع تثبت أن في الدنيا خيرين كما فيها جلادون، ولكل من الفريقين بصماته التي لا تمحى.
لعل الرسالة التي ترسلها إيزابيل الليندي، عبر" الريح تعرف اسمي"، هي أن الضحايا عندما تتضافر جهودهم يمكنهم الانتصار على الجلادين، مهما أوتوا من قوة.
وأن عناصر الخير موجودة في مقابل عناصر الشر، وأنه لا بد من الرهان دائماً على إنسانية الإنسان، فالنصر لها، في نهاية المطاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك