تعيش المنطقة العربية والإسلامية واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية، وسط حروب مفتوحة، وصراعات إقليمية ممتدة، ومحاولات مستمرة لإضعاف الدول الوطنية وتفكيك المجتمعات من الداخل.
وفي خضم هذه الفوضى، عاد إلى الواجهة جدل قديم حول العلاقة بين الوطنية والإسلام، وكأن الدفاع عن الوطن والانتماء إليه يتعارضان مع العقيدة الدينية.
والحقيقة أن هذا الجدل غالباً ما يُثار في لحظات الاضطراب الكبرى، بهدف إرباك الوعي وإضعاف تماسك المجتمعات، عبر تصوير الوطنية باعتبارها نقيضاً للدين، بينما لم يرفض الإسلام يوماً حب الوطن أو الدفاع عنه، وإنما رفض العصبيات الجاهلية التي تقوم على الظلم والتعصب والتفرقة بين الناس.
فحب الإنسان لأرضه وأهله ومجتمعه مشاعر فطرية أقرَّها الإسلام، بل جسَّدها النبى صلى الله عليه وسلم في أبلغ صورة، حين غادر مكة المكرَّمة قسراً وقال: «والله إنكِ لأحب أرض الله إلىَّ، ولولا أن قومك أخرجونى منكِ ما خرجت».
كانت تلك الكلمات تأكيداً واضحاً على أن الانتماء للوطن لا يتناقض مع الإيمان، بل يتكامل معه.
لكن بعض الجماعات والتيارات دأبت على توظيف هذا الملف لإثارة الشكوك، عبر اجتزاء كلمات قديمة أو إعادة تدوير خطابات أيديولوجية تتجاهل الفارق بين الوطنية الطبيعية التي تحمى الأوطان، وبين التعصب الأعمى الذى يضع العصبية فوق الحق والدين.
وتبدو خطورة هذا العبث الفكرى أكبر في اللحظة الراهنة، بينما تواجه دول عربية عديدة تحديات وجودية، من الحروب الأهلية إلى الميليشيات والتنظيمات العابرة للحدود، في وقت أثبتت فيه التجارب أن انهيار فكرة الدولة الوطنية يسبق دائماً انهيار مؤسسات الدولة نفسها.
ومن هنا تظل تجربة مصر في حرب أكتوبر 1973 نموذجاً مهماً لفهم العلاقة بين الوطنية والإيمان.
فلم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية لاستعادة الأرض، بل كانت معركة وعى وإرادة، امتزجت فيها العقيدة الوطنية بالروح الدينية بصورة صنعت حالة نادرة من التماسك الشعبى.
قد استمعت مؤخراً إلى تسجيل نادر لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى، رحمه الله، خلال لقائه بقادة وجنود القوات المسلحة المصرية بعد نصر أكتوبر، حين قال عبارته الشهيرة: «أنا بالحرف وأنتم بالسيف، وأنا بالكتاب وأنتم بالكتائب».
وأوضح إمام الدعاة في حديثه أن القوة لا تكتسب مشروعيتها من امتلاك السلاح وحده، وإنما من القضية التي يحملها هذا السلاح، فإذا جاء السلاح ليحمى الحق كان ذلك عدلاً، وإذا فُرضت الكلمة بقوة السلاح كان ذلك باطلاً.
وهى رؤية تؤكد أن الإسلام لم يكن يوماً دين فوضى أو عدوان، وإنما دين يحمى الإنسان والأوطان والكرامة.
ولم يكن هذا الوعي الدينى غائباً عن معركة أكتوبر، بل كان حاضراً بقوة في بناء الروح المعنوية للمقاتل المصرى.
فقد وزعت القوات المسلحة قبل الحرب كتاباً بعنوان «عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر»، تضمَّن معانى الانضباط، والإخلاص، والصبر، والتضحية، والثبات، وربط بين العقيدة والعمل والقتال من أجل استرداد الأرض والكرامة.
كما لعب الأزهر الشريف دوراً وطنياً بالغ الأهمية خلال تلك المرحلة، ليس فقط عبر الخطب والدروس الدينية، وإنما من خلال المشاركة المباشرة في تعبئة المجتمع ورفع الروح المعنوية، وتحويل المساجد إلى مراكز دعم معنوى وشعبى للمعركة.
وقد عبَّر الإمام الأكبر الشيخ عبدالحليم محمود عن هذه الروح في خطبته الشهيرة عقب العبور، حين دعا الله أن يحقق للمصريين «بدراً أخرى»، فامتزجت تكبيرات المساجد بتكبيرات الجنود على الجبهة، لتتشكل لحظة نادرة من وحدة الأمة والدولة والشعب والجيش.
إن استدعاء هذه النماذج اليوم ليس نوعاً من الحنين إلى الماضى، وإنما محاولة لاستعادة المعانى التي صنعت قوة الدولة المصرية في أصعب لحظاتها.
فالأمم لا تنتصر فقط بتفوق السلاح، وإنما تنتصر حين تتماسك جبهتها الداخلية، ويتوحد وعيها الوطنى، وتدرك أن الحفاظ على الدولة ليس قضية سياسية عابرة، بل قضية وجود وبقاء.
وإذا كانت منطقتنا تعيش اليوم لحظة إعادة تشكيل كبرى، وسط حروب ممتدة من غزة إلى السودان، ومن لبنان إلى اليمن، وصعود مشاريع إقليمية تتصارع على النفوذ والحدود والهوية، فإن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً إلى ترسيخ مفهوم الوطنية الواعية، الوطنية التي لا تعادى الدين، ولا تنغلق عن العالم، وإنما تحمى الأوطان من التفكك، وتصون المجتمعات من الفوضى، وتمنح الشعوب القدرة على الصمود.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس فقط العدوان الخارجى، بل انهيار الثقة الداخلية، وتمزيق العلاقة بين الشعب ودولته، وتشويه فكرة الانتماء الوطنى باسم شعارات دينية أو أيديولوجية أو طائفية.
ولهذا فإن معركة الوعي أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من معارك الأمن القومى العربى.
فالأوطان التي تفقد وعيها، تفقد قدرتها على البقاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك