الأزياء وسيلة فاعلة للتعبير عن الذات والهوية الثقافية والتراثالإنتاج المحلي ودعم الحرفيين سيمكننا من صياغة هوية فريدة للموضةأستلهم أفكاري من التراث البحريني وأسعى لتقديمها بصورة مبتكرة«أنا لا أصمم الملابس، بل أصمم الأحلام».
هكذا يختصر المصمم العالمي رالف لورين جوهر تصميم الأزياء بوصفه فنًا تطبيقيًا يتجاوز حدود القماش لتخليق المخيلة وصياغة الأثر البصري والاجتماعي.
فمن هذا الفهم، يغدو مصمم الأزياء فنانًا يشتغل على التوازن الدقيق بين حساسية الثقافة، وتحولات المجتمع، وشغف الابتكار، ليحول اليومي والمعيش إلى فضاءٍ جمالي نابض بالتجدد والدهشة.
ولعل تجربة المصممة البحرينية، المقيمة في لندن، زهرة أحمد حسين، تفتح نافذةً ضرورية لإدراج تصميم الأزياء ضمن الحقول الثقافية والفنية التي تستحق الالتفات إليها، إذ انطلقت من المكونات المحلية البحرينية، لتعيد تأويلها بصريًا داخل تصاميم عرضتها في عدد من منصات الأزياء البريطانية، كما جعلتها محورًا لرسالتها للماجستير المعنونة بـ «المحافظة على التراث الثقافي البحريني في ظل العولمة والتحضر»، في مقاربة تؤكد أن الأزياء ترتبط بسؤال الهوية والذاكرة.
وحين اقتربنا منها، في هذا الحوار، بدت زهرة حسين أقرب إلى فنانة متعددة الحواس؛ تشكيلية، وعازفة بيانو قبل أن تكون مصممة أزياء، تقول: «نشأت في بيتٍ كانت الموسيقى والفن جزءًا من تفاصيله اليومية، ولهذا وجدتُ في الأزياء المساحة الأكثر قدرةً على اختبار مخيلتي».
ثم تضيف، مستعيدةً مقولة المصممة راشيل زوي: «الأسلوب هو أن تقول من أنت دون أن تتكلم»، وكأنها بذلك تختصر الأزياء بوصفها خطابًا بصريًا وثقافيًا يروي الإنسان قبل أن يزينه.
× ما هي المحفزات لشخص في مجتمعاتنا العربية تجعله يحترف مهنة تصميم الأزياء؟- في الواقع، يُمكن للأزياء أن تكون وسيلةً فعّالة للتعبير عن الذات، والتعبير عن الهوية الثقافية والتراث.
وإذا ما استُخدمت بشكل صحيح، فإنّها تُعدّ أداةً مهمةً لتحقيق الاستدامة.
يستطيع الـمُصمِّمون الـمُلهمون بالتراث الثقافي الغني، الذين يسعون إلى مزج العناصر التقليدية مع التفاصيل الحديثة، أن يقودوا إلى تحقيق الممارسات الـمُستدامة.
على سبيل المثال، من خلال تعزيز الحرف اليدوية المحلية واستخدام الأقمشة والتقنيّات التقليدية.
وهذا لا يؤدي فقط إلى تعزيز النمو الاقتصادي، بل يُسهم أيضًا في الحفاظ على الثقافة، ويعمل كمنصة للتغيير الاجتماعي والبيئي.
ومن هنا يستطيع المصمّمون تعزيز الصناعة المسؤولة من خلال دمج الاستدامة في عملهم.
من هذا المنظور، فإن مهنة تصميم الأزياء في حدّ ذاتها تُشكّل حافزًا ودافعًا لاحترافها من قبل أيّ شخص في أيّ مجتمع، ومن ضمنها المجتمعات العربية.
× كيف قطعتِ الطريق إلى هذا العالم، عالم الأزياء؟- كان لدي شغف بالموضة والأزياء منذ صغري عندما كان عمري حوالي 8 إلى 9 أعوام.
وقد انتقل هذا الشغف في عائلتي، من جدتي الكبرى إلى جدتي فإلى عمتي ثمّ إلي.
بعدها شاركت في دورات متعلقة بالموضة، إحداها دورة رسم الأزياء في مدينة الشباب وكان عمري حينها 15 عامًا.
وقد تم تكريمي في نهاية تلك الدورة كإحدى المتميزات.
ومع ما هو متأصّل لدي من شغف بالموضة، ألقى ذلك التكريم – في نفسي – الضوء على ما حقّقته من إنجاز استدعى مثل ذلك التكريم.
ثم ما لبث أن تحوّل ذلك التكريم إلى رسالة لازمتني، مضمونها السعي للحصول على شهادة في هذا المجال.
وأنا أغتنم الفرصة هنا لأتقدّم بالشكر لمن كانوا قائمين في وقتها على مشروع مدينة الشباب، ومن هم لا يزالون قائمين على مثل هذه المشاريع التي تساهم في تشجيع الشباب وتحفيزهم على ممارسة شغفهم وتحويل أحلامهم إلى واقع معاش، وتجربتي الشخصية تشهد على ذلك؛ إذ ولحسن حظي وقدري، وبفضل دعم وتشجيع عائلتي، استطعت أن أحقق تلك الرسالة وأن أحصل عام 2023 على درجة البكالوريوس في تصميم الأزياء من «معهد مارانجوني» في مدينة لندن، الذي يعد من أفضل الجامعات الإيطاليّة المتخصصة في الموضة والتصميم، ويُعد من ضمن أفضل 100 جامعة في العالم للفن والتصميم، ويأتي في المرتبة الثالثة في المملكة المتحدة.
وقد تم اختياري من بين أفضل 10 طلاب في دفعتي لتقديم مجموعة التخرج (الكولكشن) الخاصة بي في أهم حدث في مجال الأزياء بالمملكة المتحدة وهو أسبوع لندن للموضة، الذي يعد أحد أسابيع الموضة «الأربعة الكبار» إلى جانب نيويورك وميلانو وباريس.
وبالفعل تم عرض مجموعتي في أسبوع لندن للموضة في دورته الثانية في سبتمبر من عام 2022.
بعد ذلك وبفترة وجيزة، بدأت العمل الفعلي في مجال الأزياء لمدة عامين تقريبًا، حيث التحقت بالعمل لدى دار الأزياء «باي وليد» للمصمم البريطاني من أصل عراقي وليد الدمرجي، الذي يُعرف ويُشتهر بأعماله التي تدور حول المنسوجات، إذ يتركز جوهر عمله في تدوير استخدام القماش، حيث يتم اختيار الخامات ومعالجتها وتوليفها من أقمشة قد يمتد عُمرها لأكثر من قرن (على سبيل المثال قطع من ستائر لقصور النبلاء في أوروبا).
ومن هنا نما حبي للأقمشة وعرفت أنني أريد أن أوسع معرفتي ومهاراتي بشكل أعمق في هذا المجال.
كلّ ذلك قادني إلى مساري اليوم، حيث التحقت، بفضل من الله، بالدراسة في مرحلة درجة الماجستير في تصميم الأقمشة في جامعة الفنون في لندن، التي تُعد في المرتبة الثانية عالميًّا في تصنيف الفن والتصميم.
× ما هي العلاقة بين الفن التشكيلي وتصميم الأزياء؟- هناك علاقة تكافلية بين الفن وتصميم الأزياء، إذ يتطلب كلاهما الإبداع وفهم الجماليات.
في كثير من الأحيان تعتبر الموضة فنًا يمكن ارتداؤه، حيث يعبر المصمم عن مواضيع شخصية أو مجتمعية من خلال الملابس، مما يسد الفجوة بين الفن البصري والوظيفة العملية.
× كيف تنظرين إلى مستقبل عالم الأزياء في البحرين والخليج والعالم العربي؟- من المتوقع أن تشهد صناعة الأزياء نموًا في البحرين ومنطقة الخليج على نطاق أوسع، وذلك بفضل التركيز المتزايد على المواهب المحلية والممارسات المستدامة والتمثيل الثقافي.
إن المبادرات التي تدعم تعليم الموضة والتصميم المحلي يمكن أن تعزز من نمو هذا القطاع بشكل أكبر.
التركيز على الإنتاج المحلي يمكن أن يقلل من البصمة الكربونية المرتبطة باستيراد البضائع.
كما أن دعم الحرفيين والمصانع المحلية يمكن أن يعزز المشاركة المجتمعية والاستدامة.
ومن خلال التركيز على الاستدامة، تستطيع صناعة الأزياء في البحرين والخليج والعالم العربي معالجة التحديات البيئية.
ليس هذا فقط، بل تستطيع أيضًا صياغة هوية فريدة تحتفي بالحداثة والتقاليد.
إنّ الالتزام بالاستدامة يمكن أن يضع المنطقة في موقع الريادة في مشهد الموضة العالمي.
× ما هي طموحاتك في عالم الموضة كمصممة أزياء؟أسعى إلى دمج الفن والاستدامة في أعمالي، حيث أؤمن بأن لكل قطعة قماش قصة فريدة.
ومن خلال إعادة استخدام المواد المتاحة، أهدف إلى تقليل الفاقد (الاستهلاك) وتعزيز الوعي بأهمية المحافظة على البيئة في صناعة الموضة.
أستلهم أفكاري من التراث البحريني، وأسعى لتقديم تصاميم تعكس الهوية والثقافة المحلية بطريقة مبتكرة.
× ما الذي يحتاجه الواقع الاقتصادي في البحرين والخليج لاعتماد صناعة الأزياء كجزء من مشاريع تنويع مصادر الدخل؟- تطوير قوة عاملة ماهرة في تصميم الأزياء، والتصنيع، والتسويق، والممارسات المستدامة هي أمور ضرورية.
ويمكن إنشاء المؤسسات التعليمية وبرامج التدريب المهني لتوفير المهارات ذات الصلة، بالإضافة إلى الدعم المستمر للمصممين والعلامات التجارية المحلية.
كما أن الترويج للأزياء البحرينية والخليجية على المنصات الدولية من شأنه تعزيز الرؤية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ويمكن أن تساهم المشاركة في فعاليات الموضة العالمية والشراكات واستراتيجيات التسويق عبر الإنترنت في تحقيق هذا الهدف.
× أي الأساليب التي تعتمدينها في التصميم؟- تصميمي مستوحى بشكل عميق من مزيج من التاريخ الشخصي والسرد الثقافي والعالم الطبيعي.
تتميز أعمالي بأقمشتي الخاصة بي التي أقوم بابتكارها، وأقمشتي تلك تعكس بحثي في كل من الطبقات المفاهيمية والعاطفية للملابس.
فأنا أركز على ابتكار قطع تتوافق ليس فقط من خلال أشكالها وألوانها، ولكن أيضًا من خلال ملمسها، مما يسمح لمن يرتديها بالتواصل مع السرديات الأساسية.
بشكل عام، هويتي التصميمية، التي تتميز بالتجريب والشعور بالجمال الخام غير المكتمل، هي تعبير مباشر عن رحلتي وقيمي والدروس التي تعلمتها من العالم والحياة من حولي.
عند اختيار المواد، أضع في اعتباري جودة الملمس وكيف تعكس مفهوم تصميمي، بالإضافة إلى الاستدامة وطول العمر.
هدفي هو تجربة مواد وتقنيات مختلفة لنقل المعنى.
ومن خلال موازنة هذه العوامل، أسعى إلى ابتكار ملابس تتوافق بصريًا وعاطفيًا، مما يجعل المواد جزءًا لا يتجزأ من جانب سرد القصص.
× كيف كانت تجربتك في عالم الأزياء في بريطانيا وكيف تصفين فترة عملك في دار ومصنع الأزياء البريطانية؟- لا شك أن الحصول على فرصة عمل في علامة تجارية فاخرة فريدة من نوعها للأزياء الراقية تتبنى فلسفة صفر نفايات، وذلك من بعد إكمالي درجة البكالوريوس، لا شك أن ذلك أعطاني الثقة في ممارسة مهاراتي العملية والتفوق في تفكيري الإبداعي.
فدار الأزياء التي عملت بها هي علامة تجارية تعتمد على المنسوجات، وكان جوهرها يتمثل في منسوجات معاد تدويرها تم جمعها من جميع أنحاء العالم ويمتد عمر وجودها على مدى قرون.
وقد اكتسبت خبرة عملية ومهارات إبداعية من خلال بناء التواصل الفعال والعمل في جميع جوانب ومراحل صناعة الأزياء، من عملية التصميم إلى الخروج بالمنتج في شكله النهائي.
فقد مارست جميع مراحل العمل، ابتداءً من تنظيم وإدارة المخزون من أقمشة ومواد خام، ومرورًا بإدارة ومتابعة تنفيذ مجموعات الأزياء الجديدة، وانتهاءً بحياكة ملصق الاسم التجاري حيث يكتمل المنتج وينتقل التصميم من رسم على الورق ليتجسد في قميص أو معطف أو حقيبة أو حذاء.
ثم يأتي بعد ذلك كله مشاركتي في الأعمال اللازمة لدخول تلك المنتجات في عروض الأزياء في باريس ونيويورك، وكذلك الأعمال اللازمة لعرض تلك المنتجات في نقاط البيع بمحلات الأزياء الشهيرة في مدينة لندن.
كل هذا، أتاح لي بشكل عام فرصة الاطلاع وممارسة متطلبات صناعة الأزياء والتعرف على أصولها وخباياها، كما أتاح لي تجديد تركيزي ووعيي حول كيفية استخدام أو إعادة استخدام المنسوجات بطريقة مستدامة، وحفزني على اتباع هذه المثل كمصممة.
× كيف نجعل هذه الخبرة أو التجربة قابلة للنقل إلى البحرين أو المنطقة؟- من خلال المشاركة الفعالة مع صناعة الأزياء المحلية، وتبادل المعرفة، وتكييف الخبرات لتناسب السياق الثقافي للبحرين والمنطقة.
يمكن أن يساهم هذا بشكل كبير في نمو الموضة المستدامة، ويمكن أن يساعد هذا الجهد في تنمية صناعة أكثر وعيًا بالبيئة مع تعزيز الابتكار والإبداع.
× عروض الأزياء هل لها أن تكون جزءًا من مشاريع الترويج السياحي للبحرين؟- نعم، يمكن لعروض الأزياء أن تكون جزءًا لا يتجزأ من مشاريع الترويج السياحي في البحرين.
إن استراتيجية البحرين السياحية 2022-2026 تؤكد على تنويع العروض السياحية، مع التركيز على الثقافة والتراث والترفيه، وتتوافق فعاليات الموضة مع هذه الركائز.
وفي الواقع فقد جسّدت هيئة البحرين للسياحة والمعارض بعض هذه الإمكانيّة بشكل فاعل، إذ قامت الهيئة بدمج بعض عروض الأزياء الشعبيّة واستعراضها ضمن فعالياتها التي تقدّمها في المواسم والاحتفالات بالمملكة.
وأعتقد أن عروض الأزياء تساهم في ترسيخ هوية مملكة البحرين باعتبارها وجهة ثقافية نابضة بالحياة، ومن هنا فإن دمج عروض الأزياء في الترويج السياحي للبحرين يساهم في إظهار ثرائها الثقافي وأسلوب حياتها العصري، ويعمل على جذب مجموعة أوسع من الزوار بما يعزّز من مكانتها كوجهة ديناميكية في منطقة الخليج.
× المتجر الإلكتروني أو الافتراضي هل هو خيار المصممين الشباب؟- المتجر الإلكتروني يمكن أن يكون خيارًا جيدًا عندما يتعلق الأمر بتكاليف بدء التشغيل المنخفضة، مما يعني عدم وجود حاجة لاستئجار مساحة مادية أو توظيف موظفين داخل المتجر وما إلى ذلك.
كما أنه يوفر إمكانية الوصول إلى السوق العالمية ويسمح للمصممين بالتحكم الإبداعي والمرونة الكاملة.
ومع ذلك، علينا أن لا ننسى أن الجميع متصل بالإنترنت الآن، وهذا يجعل التميز في بحر من العلامات التجارية للأزياء الرقمية، المتاحة للجميع، أمرًا صعبًا من دون وجود استراتيجية تسويقية فعالة وميزانية قوية.
علاوة على ذلك، الموضة ملموسة، وبدون متجر فعلي أو مؤقت، لا يستطيع العملاء الشعور بالأقمشة أو تجربة المنتجات أو الحصول على تجربة العلامة التجارية الكاملة.
في حين أن المتاجر الإلكترونية والافتراضية غالبًا ما تكون الخيار الأول والأكثر سهولة للمصممين الشباب، إلا أنه لا ينبغي اعتبارها المسار الوحيد؛ فغالبًا ما تعمل الاستراتيجية الهجينة التي تجمع بين التواجد عبر الإنترنت، والإعلانات المنبثقة المادية، أو التعاون في صالات العرض، أو المشاركة في فعاليات الأزياء المحلية، على بناء المصداقية والتواصل مع العملاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك