الحوار الداخلي، بحث عن تسوية أم تموضع جديد؟أثارت دعوة عبد الفتاح البرهان القائد العام للجيش إلى عقد حوار داخلي موجة واسعة من الجدل والتفسيرات المتباينة، بين من يراها محاولة جادة لفتح نافذة سياسية تنهي الحرب ومن يعتبرها مجرد مناورة جديدة اعتاد الرجل اللجوء إليها كلما اشتدت عليه الضغوط السياسية والعسكرية.
فخلال السنوات الماضية ظل البرهان يستخدم خطاب الحوار والتوافق كوسيلة لكسب الوقت وإعادة ترتيب موازين القوى بينما كانت الأزمات تتفاقم وصولاً إلى الحرب الحالية التي تعد واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيداً في تاريخ السودان الحديث بل وفي الإقليم بأسره.
لذلك يبدو طبيعياً أن تُقابل دعوته الأخيرة بقدر كبير من الشك وانعدام الثقة ليس فقط من خصومه وإنما حتى من بعض القوى التي ظلت متحالفة معه طوال فترة الحرب.
هناك قراءة ترى أن البرهان بات يسعى للتخلص تدريجياً من بعض حلفائه داخل معسكر الحرب بعد أن تحولت تلك القوى إلى عبء سياسي وأمني عليه.
فقد ازدادت الخلافات داخل هذا المعسكر وتباينت مواقف مكوناته بصورة واضحة، كما تصاعدت الاتهامات المتعلقة بالفساد واستغلال الحرب لتحقيق النفوذ والمكاسب.
والأهم من ذلك أن جزءاً كبيراً من الشارع السوداني بدأ يحمل هذه القوى مسؤولية استمرار الحرب وإطالة أمد معاناة المواطنين الأمر الذي انعكس سلباً على صورة السلطة نفسها.
ويبدو أن البرهان يدرك أن المزاج الشعبي لم يعد كما كان في بداية الحرب وأن كثيراً من السودانيين باتوا ينظرون بعين الريبة إلى القوى التي ترفع شعارات استمرار القتال خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي واتساع دائرة النزوح وتراجع مؤسسات الدولة.
لذلك ربما رأى أن هذه اللحظة تمثل فرصة مناسبة لإعادة التموضع السياسي ومحاولة تقديم نفسه باعتباره أقرب إلى خيار التسوية والحل السياسي منه إلى معسكر الحرب المفتوحة.
كما لا يمكن فصل هذه الدعوة عن الضغوط الخارجية المتزايدة سواء الإقليمية أو الدولية، والتي بدأت تضيق الخناق على الإسلاميين المتحالفين معه في السلطة، في ظل تنامي المخاوف من عودة السودان إلى دائرة العزلة الدولية.
فالتحولات الإقليمية والدولية الحالية تدفع باتجاه إنهاء الحرب والبحث عن تسوية سياسية وهو ما يفرض على البرهان إعادة حساباته وتحالفاته.
في المقابل يذهب البعض إلى أن الدعوة للحوار لا تستهدف فقط إعادة ترتيب معسكر السلطة بل تهدف أيضاً إلى إرباك القوى المدنية والوطنية المعارضة للحرب والتي بدأت خلال الأشهر الأخيرة تحقق قدراً من التماسك والتقارب السياسي.
فقد شهدت الساحة السياسية تحركات وتحالفات جديدة أبرزها مؤتمر نيروبي الذي انعقد تحت عنوان قوى إعلان المبادئ السوداني، والذي سعى إلى بناء جبهة سياسية واسعة تدعو إلى وقف الحرب وفتح مسار للحل السياسي.
ويخشى البرهان بحسب هذه القراءة من أن تتحول هذه القوى إلى مركز ثقل سياسي قادر على فرض نفسه طرفاً أساسياً في أي عملية تفاوض مستقبلية سواء مع قوات الدعم السريع أو مع التحالفات السياسية والعسكرية الأخرى.
لذلك قد تكون دعوة الحوار محاولة لشق صفوف هذه القوى أو استقطاب بعض مكوناتها أو على الأقل إضعاف حالة التماسك التي بدأت تتشكل بينها.
وربما يسعى البرهان أيضاً إلى إعادة إنتاج شرعيته السياسية داخلياً بعد أن فقد كثيراً من رصيده خلال سنوات الصراع والانقلابات والحرب.
فالحوار حتى وإن لم يصل إلى نتائج حقيقية قد يمنحه فرصة للظهور أمام المجتمع الدولي باعتباره طرفاً منفتحاً على التسوية خاصة في وقت تتزايد فيه الدعوات لإنهاء الحرب ووقف الانتهاكات.
لكن ورغم تعدد التفسيرات والقراءات تبقى المشكلة الأساسية هي غياب الثقة.
فالقوى السياسية والعسكرية على اختلاف مواقعها لم تعد تثق بسهولة في وعود البرهان أو مبادراته بسبب التجارب السابقة التي انتهت غالباً إلى تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.
وحتى حلفاؤه أنفسهم باتوا يدركون أن التحالفات في زمن الحرب قابلة للتبدل وفقاً لموازين المصالح والضغوط.
إن أي حوار حقيقي لا يمكن أن ينجح ما لم يقترن بإجراءات عملية تبني الثقة وتؤكد وجود إرادة سياسية جادة لإنهاء الحرب وليس مجرد محاولة جديدة لإعادة تدوير السلطة أو شراء الوقت.
فالسودانيون الذين أنهكتهم الحرب لم يعودوا بحاجة إلى خطابات سياسية جديدة بقدر حاجتهم لخطوات حقيقية توقف نزيف الدم وتعيد للدولة استقرارها المفقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك