لم يعد الناس في لبنان يعيشون حياتهم الطبيعية بقدر ما يتقنون فن النجاة اليومية.
هنا، لا تُقاس الأيام بالساعات، بل بعدد الغارات العدوانية الإسرائيلية المستمرة، وبعدد المرّات التي يُهرع فيها الناس إلى سياراتهم، يحملون أطفالهم وحقائبهم وأوراقهم الثبوتية، بحثاً عن مكان أقل خطراً.
كأن اللبناني بات يرقص قسراً مع الموت، لا على وقع الموسيقى، بل على إيقاع الإنذارات والغارات وهدير مسيّرات يصمّ الآذان.
ما يعانيه الجنوب اللبناني اليوم لا يقتصر على كونه اعتداءً عسكرياً أو احتلالاً لأرض لبنانية، بل هو تدمير منهجي لجزء أساسي من قدرة لبنان الاقتصادية والإنتاجية.
فالجنوب ليس مجرّد جغرافية حدودية مشتعلة، بل مساحة زراعية وصناعية وحيوية تشكل ركناً مهماً من الاقتصاد اللبناني.
هناك حقول التبغ والزيتون والحمضيات والمصانع الصغيرة والمتوسطة والمهن والحرف والعائلات التي تعيش من تعب الأرض ومواسم الخير.
كل ذلك يُضرب يومياً بالنيران والدمار والخوف والتهجير.
بيد أن المأساة لم تعد محصورة في الجنوب وحده.
فداخل لبنان، وفي بيروت والضاحية الجنوبية وعدد من المناطق، يعيش الناس حالة نزوح داخلي مستمر، ينتقلون من حيّ إلى آخر، ومن منزل قريب إلى منزل أبعد، ومن مدينة إلى أخرى، مع كل تصعيد جديد أو إنذار مفاجئ، حيث تغلق المؤسسات أبوابها وتتعطل الأعمال وتُربك المدارس والجامعات ويخسر الناس قدرتهم شيئاً فشيئاً على تأمين أبسط احتياجاتهم، فيما الدولة تبدو غائبة، عاجزة، أو متفرجة على شعب يواجه مصيره وحيداً.
جنوب لبنان ليس مجرّد جغرافية حدودية مشتعلة، بل مساحة زراعية وصناعية وحيوية تشكل ركناً للاقتصاد اللبنانيمع كل اتصال أو رسالة تحذير، يعمد اللبناني إلى تحميل سيارته بما تيسّر من الأغراض.
الأطفال أولاً، ثم الأدوية وبعض الثياب وما تيسّر من مدّخرات، إن وُجدت، وربما ألعاب صغيرة لتخفيف الرعب عن الصغار.
يتحرك الجميع بسرعة من يعرف أن التأخير قد يكون قاتلاً.
في المقابل، يجلس تقنيّو الجيش الإسرائيلي في غرف مكيّفة محصّنة تحت الأرض، يرسلون إنذاراتهم الإلكترونية ببرودة كاملة، فيما اللبنانيون بلا ملاجئ حقيقية ولا حماية ولا أي حصانة سوى الدعاء.
وإذا كانت المسيّرات تُثقل مسامع اللبنانيين وتقلق راحتهم ونومهم، فكيف الحال مع الغارات المفاجئة التي تضرب من دون إنذار؟ كيف يمكن لإنسان أن يعتاد احتمال الموت في كل لحظة؟بعد ظهر الخميس، في منطقة الشويفات، كان مشهد الطفل الصغير المصاب في غارة مفاجئة كفيلاً بأن يختصر مأساة بلد بأكمله.
طفل ينزف، وشابان من أبناء المنطقة يحملانه على متن دراجة نارية وسط زحمة سير خانقة، يطلقان العنان للزمور علّ الطريق تفتح أمامهما، وعلّهما ينجحان في الوصول إلى أقرب مستشفى قبل فوات الأوان.
كان المشهد أقسى من كل التحليلات السياسية وأبلغ من كل الخطب.
هذا هو حال اللبنانيين يومياً.
خوف دائم، تنقل دائم، أعصاب مستنزفة، واقتصاد يتآكل تحت القصف والنزوح والإقفال.
والغريب أن كل ذلك يحدث فيما يسقط عسكريون ومدنيون بغارات هنا وهناك، ولبنان الرسمي لا يملك سوى بيانات الإدانة أو الصمت.
ثم يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليقول إن عدم إدراج لبنان في أي اتفاق مع إيران جاء بطلب من السلطة اللبنانية نفسها، فلا يأتي أي رد واضح أو اعتراض حاسم، كأن السكوت صار علامة رضا أو دليل عجز إضافياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك