لم يكن رحيل الرئيس السابق للجمهورية اليمنية، المشير عبد ربه منصور هادي (1945 - 2026)، أول من أمس الخميس، مجرّد خبر عن وفاة رجل ثمانيني، بل كان إسدالاً للستار على مرحلة وواحدٍ من أكثر فصول التاريخ اليمني قسوةً وتعقيداً.
فقد رحل الرجل الذي ارتدى عباءة الرئاسة في لحظة كان فيها اليمن يقف على حافّة الهاوية عقب ثورة فبراير (2011) التي أرادت إعادة إنتاج الدولة، ليجد هادي نفسه أمام تركة مثقلة بالدماء والمؤامرات السياسية ودسائسها، التي دفع ثمنها باهظاً.
قبل هذا كلّه، دخل هادي المشهد الرئاسي محمّلاً بإرث ثقيل من" النيابة"، نائباً عن الرئيس علي عبد الله صالح نحو 20 عاماً.
ظلّ الرجل الثاني في هرم السلطة، لكنّه كان نائباً بالاسم لا يملك من أمره شيئاً، ولا حتّى قراراً جمهورياً.
وكانت صلاحياته لا تتجاوز حضور المناسبات العامّة ورئاسة لجان الاحتفالات.
وفي تلك المرحلة، تدرّب هادي قسراً على الصمت، وعلى القبول بما تمليه عليه مراكز القوى التي كانت تدير اليمن من خلف ستار ومن أمامه.
وعندما دفعته الأقدار ليصبح رئيساً" توافقياً" في عام 2012، لم يكن قد امتلك بعد أدوات السلطة أو" خيال القائد" الذي يقرأ ما وراء سطور الخرائط السياسية وتعقيداتها، وإنّما ظلّ رئيساً بعقلية نائب رئيس بلا صلاحيات، مع كلّ إخلاص الرجل بوصفه جمهورياً ووحدوياً عنيداً، إلّا أنه، مع هذا كلّه، ظلّ رجلاً يحاول تعلّم أبجديات الحكم في بيئة حكم مليئة بدسائس السياسة وألاعيبها.
وعلى الرغم من تاريخ الرجل العسكري، خرّيجَ كلّية ساندهيرست العسكرية البريطانية العريقة، لم يسعفه هذا التاريخ بشيء.
وبرغم الصورة النمطية لهادي رئيساً" هشّاً" سياسياً، لا يمكن إغفال أنّه كان عسكرياً مخضرماً خبر الحروب وأدار مفاصلها، خصوصاً أنّه بطل" دحر الانفصال" عام 1994، وهو الدور الذي بنى له رصيداً في المؤسّسة العسكرية، وصعد به إلى وزير دفاع، وتالياً نائب رئيس جمهورية 20 عاماً.
ولكنّه حينما أصبح رئيساً، وجد نفسه أمام جيش متهالك مقسّم بين مراكز نفوذ عائلية ومناطقية.
حاول هادي إعادة هيكلة الجيش، وهي الخطوة التي أثارت غضب مراكز القوى التي فقدت سيطرتها على المؤسّسة العسكرية، ما حوّل" حماة الدولة" إلى" أدوات لهدمها".
فاكتشف الرجل متأخّراً أنّ الخبرة العسكرية وحدها في الميدان تختلف كلّياً عن القيادة السياسية في زمن الانقلابات؛ فالأولى تعتمد على السلاح، والثانية تتطلّب الدهاء والحنكة والقدرة على المناورة وبناء التحالفات العابرة للولاءات الضيقة، وهو ما كان يفتقد إليه هادي تماماً.
دخل هادي المشهد الرئاسي محمّلاً بإرث ثقيل من" النيابة"، نائباً عن الرئيس علي عبد الله صالح نحو 20 عاماًلم يكن هادي يواجه مجرّد معارضة سياسية فحسب، بل كان يواجه" خليطاً من ثقافة حكم كهنوتي وقبلي" تراكمت عبر عقود من الزمن، وأربكت خيال هادي السياسي المتواضع.
فالمشهد اليمني بعد 2011 لم يكن بيئةً ديمقراطيةً تحكمها المؤسّسات، بل ساحة لتصفية الحسابات القديمة والجديدة.
وربّما كانت الخطيئة الكبرى التي وقع فيها هادي، ووقع فيها معه المجتمع الدولي، هي الظنّ أنّ" التوافق" كافٍ لإنتاج دولة بشروطه البسيطة والبدائية.
وغاب عن هذه الجهات الفاعلة إدراك حقيقة أنّ القوى التقليدية في اليمن لا تؤمن بالتوافق إلا بوصفه" استراحة محارب".
وهنا كان هادي يحاول بناء دولة بمؤسّسات من ورق، بينما كانت القوى المناوئة له تبني مليشيات من حديد ونار وعقائد طائفية متطرّفة.
ولقد كان هادي يفتقر إلى البصيرة التاريخية في فهم تعقيدات شمال اليمن، ما أوقعه في فخّ الإمامة التي أوهمه سدنتها بأنّهم سيكونون عوناً له، شريطة تخلّصه من خصومهم التقليديين من القبائل والإسلاميين.
فكانت النتيجة سقوط الشمال والجنوب في حرب طاحنة قادت اليمن إلى التشظّي الراهن، وإلى حالة اللا سلم واللا حرب المفتوحة على الاحتمالات كلّها.
وما زاد من حدّة مأساة (وملهاة) الرئيس هادي العزلة السياسية التي أحاطت بالرجل، فالمراقب مسيرة هادي يلحظ غياب ما يمكن تسميتها" البطانة الوطنية ذات الكفاءة" أو" فريق العمل الاستراتيجي" الذي ربّما كان يملأ فراغ هادي السياسي.
لقد كان محاطاً بـ" بائعي الأوهام" ومنتفعي اللحظات الانتقالية، الذين لم يقدّموا له سوى تقارير مُضلِّلة أو غبية في أحسن الأحوال.
وهذا النقص في الكادر الإداري والسياسي القادر على قراءة المتغيّرات جعل هادي يبدو معزولاً عن الواقع، وكأنّه يقود سفينةً في بحر هائج من دون بوصلة سياسية وعقول استشارية ذات كفاءة ووطنية.
يظلّ صمت هادي لغزاً يحيّر كثيرين، لكنّه لم يكن خائناً ولا عميلاًكان هذا الفراغ في" الاستشارة" الفخّ الذي جعله يتّخذ قرارات متأخّرة، أو يمتنع عن اتخاذ قرارات حاسمة، ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى انهيار المنظومة التي كان يمثّل رأس هرمها، ويقود البلاد نحو حالة من التداعي والانهيارات المتتالية التي أوصلته إلى المنفى، حيث مات معزولاً عن كلّ شيء، حتى من مقرّبيه وحاشيته.
جاء في مرحلة فارغة وفارقة من أيٍّ من أشكال القيادة والزعامة، وكانت بيده فرصة تاريخية لأن يصبح الزعيم الذي قاد اليمن إلى برّ الأمان وحافظ على الجمهورية والوحدة، كما كان يقول دائماً.
وهو كذلك رجل لا شكّ في وحدويته وجمهوريته، لكنّه لم يكن بقدر هذه المرحلة وتحدّياتها.
وما زاد من بؤس أدائه الذين كانوا بالقرب منه من المنتفعين والسماسرة، ولم يكن يمتلك فراسة استكشافهم جيّداً.
مع ذلك، لا يمكن تحميل هادي وحده وزر الانهيار الكبير.
لقد كان جزءاً من مشهد سياسي كامل شاركت فيه الأحزاب والقوى الوطنية والقبائل، التي تواطأت أو انقسمت أو صمتت حتى استفحل الخطر.
وإنّ البحث اليوم عن" شمّاعة" لتعليق خطايا تلك المرحلة على هادي هو هروب جماعي من مواجهة الحقيقة المرّة: أنّ النخبة السياسية اليمنية، بأطيافها كافّة، كانت شريكة في هذا المصير.
وهادي لم يكن ديكتاتوراً مطلقاً، بل كان محاصراً ببيئة سياسية لا ترحم الضعفاء.
فالجميع كانوا مشاركين في تفاصيل المرحلة، سلباً وإيجاباً، واليوم يبحث بعضهم عن تطهير ذواتهم من خلال إلقاء اللوم على رجل غادر المشهد صامتاً.
لم يكن الرئيس هادي ديكتاتوراً مطلقاً، بل كان محاصراً ببيئة سياسية لا ترحم الضعفاءسياسياً، يظلّ صمت هادي لغزاً يحيّر كثيرين، لكنّه لم يكن خائناً ولا عميلاً.
هل كان ذلك حكمة منه لحقن الدماء، أم كان خذلاناً لتاريخه؟ ربّما كان يرى في صمته حمايةً لما تبقّى من فتات الدولة والجمهورية، على افتراض أنّ ذلك اجتهاد منه وليس عجزاً.
ومع ذلك، فقد مضى هادي اليوم، ومعه أسرار اللحظات الحاسمة التي سقطت فيها صنعاء، وتلك التي تلتها من انكسارات لا تزال ماثلةً.
أكثر ما يثير الحزن والمرارة موت الرئيس السابق في المنفى؛ وهو الذي كان يؤكّد دائماً أنّه سيرفع علم الجمهورية على جبال مران في صعدة، حيث معقل الإمامة وكهوفها التي خرجت منها.
فالبقاء سنواتٍ منتظراً من دون حيلة تجسيد للمأساة اليمنية نفسها.
وكم كان يليق بالرئيس الذي قاد البلاد في أعتى حروبها ألّا يموت بعيداً عن عاصمته التي ظلّ يردّد كثيراً رغبته في العودة إليها.
ختاماً، رحم الله الرئيس المشير عبد ربّه منصور هادي، والعزاء لأهله وذويه، ولليمن الجريحة كلّها، في هذا المصاب.
ومن حقّ هادي علينا، وهو أحد رموز الحقبة الجمهورية وآخر رؤسائها الكبار، أن يُدفن في عدن اليوم، في جنازة رسمية تليق بآخر رئيس حاول، رغم عثراته، أن يمنع انزلاق البلاد إلى السقوط والانقسام، ومضى تاركاً وطناً مستلباً ومتشرذماً، لكنّه كان أصدق ممّن جاءوا بعده.
ربّما لم يكن الرئيس هادي راضياً عن أدائه وعمّا آلت إليه الأمور، لكن هذه تظلّ الحقيقة المرّة التي يتجرّع مرارتها الجميع درساً قاسياً: أنّ الدولة ليست مجرّد منصب يُمنح، بل هي إرادة وقوة وخيال سياسي ونفوذ وتضحيات ومغامرات ومطامح وجسارات وأحلام كبيرة بوطن لكلّ أبنائه.
لكن قبل هذا كلّه، لم يكن هادي سوى ابن مرحلة هزمت الجميع، كما يقول الصديق مصطفى ناجي، بمَن فيهم هادي نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك