تشكلت تصوّرات الأوروبيين عن الكنيسة القبطية عبر قرون من الكتابات اللاهوتية وحكايات الرحالة المتداولة.
كانت هذه الصورة مزيجاً من الاتهام بالهرطقة والافتتان بكنيسة يُظن أنها احتفظت بأصداء المسيحية الأولى، وحين بدأ الرحالة والمبشرون في الوصول إلى مصر، بدا لهم أن ما يجدونه على الأرض لا يطابق ما سمعوه أو قرأوه في الكتب.
في كتابه" القبط والغرب: 1439 – 1822" (المركز القومي للترجمة، القاهرة، ترجمة مجدي جرجس، 2026) يلفت المؤرخ البريطاني ألستر هاميلتون إلى أن معرفة الأوروبيين الأولى بالأقباط كانت عبارة عن تصورات متناقضة ومضللة.
فالأقباط وفق التصورات الأوروبية السائدة في ذلك الوقت كان ينظر إليهم تارة بوصفهم بقايا مسيحية قديمة تستحق الاستعادة ضمن مجموع الطوائف المسيحية، وتارة أخرى باعتبارهم جماعة منشقة انحرفت عن العقيدة الصحيحة، وهو ما جعل اللقاء الفعلي أشبه بمراجعة متأخرة لقرون من الفهم غير الدقيق.
ويحدّد هاميلتون هذين التاريخين حدّين لتحول المعرفة الأوروبية عن الأقباط، من لحظة إدراجهم في الجدل اللاهوتي مع مجمع فلورنسا (1439) والذي طالب بتحقيق نوع من الاتحاد مع الكنائس الشرقية، إلى لحظة إدماجهم في مشروع المعرفة الحديثة عن مصر مع فك رموز الهيروغليفية (1822).
ومع تعمّق الاحتكاك المباشر، لاحظ المبشرون إيقاعاً مختلفاً للعبادة، فالرهبنة مثلاً، والتي كانت في المخيال الأوروبي نموذجاً مثالياً للنقاء الأول، بدت لدى الأقباط مندمجة في محيطها الاجتماعي، يتردد عليها الزوار وتؤدي وظائف اجتماعية وزراعية تتجاوز الانعزال الروحي الخالص.
وفي الحياة اليومية، بدت الحدود بين الديني والاجتماعي أقل صرامة مما توقعوه، إذ تتقاطع الطقوس الدينية مع عادات الناس وحياتهم اليومية.
هذه التفاصيل تحولت تدريجياً مع تكرار الملاحظة إلى مؤشرات على خصوصية تجربة مسيحية تشكلت في سياق تاريخي وثقافي مختلف، لا يمكن اختزاله في قوالب لاهوتية جاهزة.
تراجعت الصور الكلية الجاهزة، أمام تصورات أكثر واقعيةلكن هذا الاحتكاك، رغم ما حمله من ارتباك أولي، بدأ يُنتج تدريجياً تحولاً في طريقة التفكير الأوروبية نفسها.
فمع أواخر القرن السابع عشر وبدايات الثامن عشر، اتجه الاهتمام بالكنيسة القبطية نحو البحث اللغوي والتاريخي، عوضاً عن الجدل اللاهوتي، خصوصاً مع تصاعد الاهتمام باللغة القبطية، كونها لغة تمثل مفتاحاً محتملاً لفهم المسيحية الأولى في مصر.
هذا التحول نقل العلاقة من منطق التقويم العقائدي إلى منطق الدراسة والبحث.
ويبيّن هاميلتون أن المعرفة الأوروبية بالأقباط بدأت تتفكّك من داخلها، فكلما ازداد حجم المعلومات الدقيقة، تراجعت الصور الكلية الجاهزة، أمام تصورات أكثر واقعية، تعترف بأن ما كان يُظن انحرافاً أو غرابة قد يكون في الواقع نتيجة تاريخ طويل من التكيف مع بيئة دينية وثقافية مختلفة.
وخارج هذا السرد الأوروبي، تظهر الكنيسة القبطية كياناً تاريخياً مستقلاً تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل مع محيطه المصري لا صدى لتصورات خارجية عنه.
فحياة الأقباط الدينية كانت ممارسة يومية متجذرة في طقس مستقر، ولغة دينية حافظت على استمرارها رغم التحولات اللغوية الكبرى في مصر، وبنية كنسية أعادت إنتاج نفسها عبر الأديرة والأسقفيات وشبكات التعليم الكنسي.
ومن هنا تبدو الرهبنة القبطية جزءاً من نظام اجتماعي وروحي متكامل، يمتد أثره إلى محيطه الريفي والحضري على حد سواء.
كما أن الطقوس، بما فيها من تداخل بين اللغة العربية والقبطية، يمكن فهمها كطبقة تاريخية تعكس مساراً طويلاً من التكيّف دون فقدان الجوهر الطقسي.
فالأقباط يكتسبون حضورهم كفاعلين في تاريخهم الخاص، وجماعة أنتجت أشكالها الدينية والاجتماعية من داخل شروطها التاريخية.
يخلص الكتاب في النهاية إلى أنّ العلاقة بين المعرفة الغربية والأقباط كانت أقرب إلى حوار غير متكافئ ظل يتشكل عبر قرون بين من يكتب ومن يُكتب عنه.
فالمعرفة الأوروبية، كما يقول ألستر هاميلتون، كانت تعيد ترتيب الواقع وفق تحولاتها المعرفية وأسئلتها، بين لاهوت يطلب الحكم، واستشراق مبكّر يسعى إلى التصنيف، ثم علم تاريخي يحاول الفهم.
أما الذات القبطية، فقد ظلت في المقابل قائمة خارج هذا الإطار التفسيري، إذ مثلت كما يقول المؤلف وجوداً تاريخياً سابقاً عليه ومستمراً، يفرض منطقه الخاص على طقوسه ولغته ومؤسساته، وكلما ازداد الغرب اقتراباً من الفهم، أدرك أن الطرف الآخر الذي سعى إلى فهمه لم يكن ينتظر هذا الفهم ليكون موجوداً أو ليكتسب معناه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك