يراكم الكاتب الصيني ليو جين يون، في روايته" اسمي ليو والكل هنا لصوص" (ترجمها من الصينية إلى العربية أحمد السعيد ويحيى مختار -" مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية" )، التفاصيل الصغيرة ليحولها إلى بناء سردي محكم يجرد طبقات عالمه ببطء.
يضيف إليها سخرية دقيقة لا تنزع إنسانية الشخوص، وهو ينسج متاهة يدور في فلكها أبطاله المأزومون.
إنه بحسب مقدمة المترجميْن، لا يسعى لتغيير العالم بقدر ما يحاول كشف خفاياه.
وعبر متلازمات عكسية من الضعف والقوة، والخوف والشجاعة، الحذر والتهور، تتحرك الأحداث على نحو لاهث؛ لنرى الجاني ضحية في مواقف أخرى.
عبر تقنية الاسترجاع، يخبرنا الكاتب أن بطل روايته المولود عام 1958، كاد يهلكه الجوع وهو طفل رضيع، ما يحيل إلى مجاعة الصين الكبرى وهي واحدة من أسوأ الكوارث البشرية في التاريخ، ووقعت بين عامي 1959 و1961.
تسببت هذه المجاعة في وفاة ما بين 15 إلى 45 مليون شخص، ونتجت بالأساس عن سياسات اقتصادية وزراعية خاطئة للحكومة، إلى جانب ظروف مناخية سيئة.
والعام الذي ولد فيه" ليو" هو نفسه العام الذي أطلق فيه ماو تسي تونغ سياسة" القفزة الكبرى إلى الأمام" بهدف التحول السريع من مجتمع زراعي إلى قوة صناعية ما أدى إلى تحويل ملايين الفلاحين للعمل في الصناعة ومشاريع البنية التحتية.
ومن ثم أهملت الزراعة وحدث انخفاض حاد في الإنتاج الغذائي.
وعندما بلغ" ليو" سن الشباب، اختار العمل طباخاً في مطعم شعبي في مسقط رأسه في مقاطعة هينان، ويعني اسمها" جنوب البحر"، لوقوعها جنوب مضيق تشيونغتشو، الذي يفصلها عن شبه جزيرة ليتشو في قوانغدونغ وبقية البر الرئيسي الصيني، وتعتبر أكبر جزر الصين وأكثرها اكتظاظاً بالسكان.
وبعد حين اشترك مع زميل له في سرقة بعض أغراض المطعم، فامتلك بذلك مبلغاً بسيطاً من المال شجعه على النزوح نحو بكين، على أمل أن يجد فيها مجالاً لمستوى معيشة أفضل.
تبدأ أحداث الرواية بعد انقضاء ست سنوات منذ أن طلَّق" ليو يوجين" زوجته، وتركت له ابنهما، فتركه بدوره في مسقط رأسه في مقاطعة هينان في عهدة أحد أقاربه، ليتفرغ هو للعمل طباخاً لعمال أحد مشاريع البناء السكني في بكين.
لكنه كان يتلكأ أحياناً في إرسال المال إلى ابنه ليدفع منه مصروفات مدرسته، بداعي مروره بضائقة مالية، مع أنه إلى جانب الطهي كان يتولى عملية شراء مستلزمات الطبخ، ويقتنص لنفسه بعض المال المخصَّص لهذا الغرض.
يتردد كثيراً على صالون الحلاقة الذي يقدم خدمة التدليك سراً؛ ليثرثر مع" مانلي" المطلقة.
يصادف ذات مرة اعتداء طليقها عليها بالضرب وهو ثمل لأنها ترفض أن تدفع له مبلغاً اقترضه منه شقيقها قبل أن يختفي عن الأنظار، فيتورط في دفع ألف يوان له لينصرف عنها مؤقتاً، وذلك على أمل أن تدفعها تضحيته تلك إلى تلبية رغبته في النوم معها.
وعلى غرار" ليو" فإن شخصيات الرواية يجمع بينها أنها أتت إلى العاصمة من عدة مقاطعات صينية، لسكانِ كلٍ منها لكنتهم المميزة.
وذات يوم بينما كان" ليو" في السوق يجد متسولاً يغني بلكنة مقاطعة هينان، فيتقف عنده ويثرثر معه، قبل أن يفاجأ بلص ينتزع من فوق كتفه حقيبة صغيرة كان يحفظ فيه مستنداً سيدفع له بمقتضاه زوج طليقته مبلغ 60 ألف يوان في موعد محدَّد تعويضاً له عما أصابه من ضرر لهجر زوجته السابقة له ولابنهما.
مدير شركة العقارات التي يعمل" ليو" في موقع للبناء تابع لها، يدعى" يان" وهو من منطقة ريفية في مقاطعة هونان.
يحب الفجل والملفوف الذي يطهوه" ليو" مع خبز ساخن مطهو على البخار والأرز المسلوق.
" جيا" يعمل في جهة حيوية هي بمثابة القلب النابض لاقتصاد الصين.
ومع ذلك كان راتبه يكفيه بالكاد.
ولأن" يان" بعيد النظر أقرضه مبلغاً لعلاج والدته من السرطان.
الجهة التي يترأسها الآن مسؤولة عن الموافقة على منح الأراضي العقارية والسكنية.
فتح" يان" شركة تطوير عقاري وبعد 12 عاماً تجاوز صافي ثروته المليار يوان، والسبب هو" جيا"، لذلك لم يبخل عليه" يان" قط بالمال، " فبدونه ما كان الثراء ليزوره" ص 95.
قبل أن يتدهور نظر" تساو"، كان طموحاً، يدرس بجد، يرى نفسه يشبه شخصية البطل" تشانغ ليانغ" في" السجلات التاريخية"، والبطل" كونغ مينغ" في" الممالك الثلاث"، والبطل" وو يونغ" في" أبطال على شاطئ البحر"، تلك من أهم الأعمال الكلاسيكية في الصين القديمة وأكثرها تأثيراً على الصينيين.
ويؤمن" تساو" الذي وجد نفسه في الأخير رئيسا لعصابة من اللصوص بالمثل الذي يقول: " إذا لم تولد في أوقات تعم فيها الفوضى فلن تتمكن من تحقيق مآثر عظيمة" ص 116.
أما" يانغ"، سارق حقيبة" ليو" فقد تورط في الاستدانة من" تساو" نفسه بعد أن استدرجه للانضمام إلى عصابته، فرأى أنه بذلك تحول من سارق إلى مسروق؛ " من اللص؟ لا يسمى اللص لصاً عندما يسرق الآخرين، ولكن عندما يسرق لصاً آخر" ص 148.
وهكذا يجد القارئ أنه أمام كوميديا سوداء، تعتمد تسلل السخرية إلى أكثر المواقف جدية لتظهر هشاشة الإنسان، وتناقضاته، وقدرته على أن يكون قوياً وضعيفاً في اللحظة ذاتها، كما ذكر المترجمان في مقدمتهما للنسخة العربية من الرواية.
وهكذا، يتتبع ليو جين يون، في تلك الرواية، شبكة من العلاقات التي تتجاور وتتصادم وتتفاعل داخل دائرة سردية مغلقة لا تنكشف إلا في نهايتها، بحسب مقدمة المترجميْن.
وذكر المترجمان أن أسلوب ليو جين يون فرض تحدياً خاصاً على الترجمة، " فالنص الصيني يعتمد على التكرار الحلزوني، وعلى إعادة بناء الفكرة من عدة زوايا، وعلى التمهل في كشف المصائر، بينما القارئ العربي يميل إلى السرد المتوتر، وإلى التكثيف، وإلى الوضوح، ولهذا كان لا بد من اعتماد منهج يقوم على الاختزال الواعي: اختزال يحافظ على روح المنص ويحترم عمقه، ويخفف من الإيقاع الذي قد يرهق القارئ العربي دون أن يضيف معنى جديداً، لقد تعاطينا مع التحرير بوصفه امتداداً للترجمة؛ خطوة تهدف إلى أن يعيش النص في لغته الجديدة كما عاش في لغته الأولى".
وسبق لأحمد السعيد ويحيى مختار أن ترجما روايتين للكاتب ليو جين يون إلى العربية هما" طلاق على الطريقة الصينية"، و" تاريخ آخر للضحك".
ويرى المترجمان أن اختيار أعمال لهذا الكاتب لترجمتها من الصينية إلى العربية، هو" امتداد لوعي نقدي بأن ما يقدمه يتجاوز حدود اللغة والثقافة".
وبحسب المترجميْن أيضاً فإن رواية" اسمي ليو والكل هنا لصوص" تعكس مشروع ليو جين يون في أوضح صوره، فالأحداث الصغيرة التي تبدو بلا معنى تتجاور، ثم تتلامس، ثم تتحول إلىشبكة محكمة تطبق على الشخصيات، وكل شخصية – مهما بدت هامشية – فإنها تحمل مفتاحاً لفهم الدائرة الكبرى.
ومهما بدت الأحداث عابرة، فإنها تتحول إلى مصائر مغلقة لا يملك أحد الخروج منها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك