قلت الأسبوع الماضى إننا فى حقبة مشوهة من تاريخ الإدارة الاقتصادية، حين تحولت «الميزانية العمومية» إلى صنم جديد يُعبد، وباتت لغة الأرقام الصماء هى السوط الذى تُجلد به الهوية الثقافية للأمم.
قلت ذلك بمناسبة خروج د.
عبدالمنعم سعيد أحد منظرى الرأسمالية المتوحشة و«النيوليبرالية» وبراجماتيى «البيع والاستحواذ» علينا ليطالب بدمج وتصفية المؤسسات الصحفية القومية وتجريدها من دورها التنويرى لصالح «التوازن المالى» و«الربح الإعلانى»، وقلت فإننا لا نواجه خطة إصلاح اقتصادى، بل نواجه عملية اغتيال ممنهجة للذاكرة الوطنية المصرية.
> والسؤال أولا: إذا فرطنا فى هذه الآثار الحية التى صنعتها عقول أجيالنا، وفككناها بمطارق النيوليبرالية.
فماذا سيبقى للأجيال القادمة؟
وبأى وعى سيواجه أبناؤنا وأحفادنا المستقبل؟ وكيف سيكون أرشيف التاريخ لنا ولزماننا هذا إذا ما جرى إفراغه من الصحافة، وبتره من الأدب، وتجريده من الإبداع؟إن أمة بلا صحافة قومية توثق نبضها، وبلا أدب يعكس عمقها، هى أمة تحكم على نفسها بالخروج من التاريخ، وتترك صفحات الغد بيضاء باهتة لا تقرأ فيها الأجيال سوى أرقام ميزانيات صماء جفت معها الروح وانطفأ بها العقل!> ثانيا ً: تخيلوا مصر بلا روح ولكل من يقيس عظمة الأوطان فى معادلة العبث الرأسمالى بـ «دفاتر الوارد والمنصرف»، نسألهم:إذا طبقنا منطقكم التجارى الجاف، فإن كل أركان الإبداع «تخسر» بالمفهوم المادى الصرف على سبيل المثال لا الحصر:> أدب نجيب محفوظ: كم كتاباً يوزع اليوم من مؤلفاته و كم توزع نسخ الروايات المترجمة وكتب الفكر والعلم الرصينة التى تبنى عقل الإنسان مقارنة بكتب الجن والعفاريت والطبيخ وبأرباح شركات المقاولات واللوجستيات؟> دار الأوبرا المصرية: كم تبيع حفلاتها للنخبة مقارنة بمكاسب تجارة التجزئة أو سلاسل المطاعم أو حتى حفلات «بتوع» المهرجانات واغانى السنج والمطاوى والمخدرات؟> المسرح والفكر: كم توزع تذاكرالمسرحيات الجادة والعميقة وكم حصيلتها إذا ما قورنت بمصروفات الانتاج وايجار الأماكن التى تعرض فيها اذا ما تم تأجيرها للافراح والليالى الملاح! !ياسادة.
إذا حَكَمَ التاجر والنيوليبرالي بميزانه، لأغلقنا الأوبرا، ولقيدنا قلم الأديب وأوقفنا طبع الكتب المهمة واكتفينا بكتب الجن والطبيخ، ولهدمنا المسارح لأنها لا تجلب العائد السريع.
لكن نهضة الدول لا تُقاس أبداً بالمكسب والخسارة المادية؛ هناك فى حياة الأمم جزء مادى صرف، وجزء روحى صرف، وهما خطان متوازيان لا ينفصلان، قدمان تقف عليهما وتستمر وتخلد بهما الأمم، الجانب المادى يصرف على الروحى ليمده بأسباب البقاء، والروحى يعمق من جذور المادى ويمنحه الشرعية والمعنى والخلود.
وبدون هذين الجناحين معاً، تكون نهضة الدول قفزةً عرجاء لا تلبث أن تسقط وتندثر.
ثالثا: عن أى نجاح متوقع تتحدثون؟والسؤال البديهى المسكوت عنه: لماذا لا نُقيّم تجارب الدمج السابقة؟قبل أن يندفع المنظرون لإصدار كروت «دمج وتصفية» جديدة، لماذا لا نقف وقفة مكاشفة لتقييم تجارب الدمج التى تم تطبيقها بالفعل؟لقد جرى سابقاً دمج مؤسسات وإلحاقها بكيانات كبرى مثل «الأهرام» و«أخبار اليوم» و«الجمهورية».
فما هى النتيجة؟ هل تعافت الكيانات المدمجة؟ هل تحولت إلى قلاع ربحية؟ أم أن ما حدث كان مجرد نقل للأزمة من «دفتر إلى دفتر»، وإثقال كاهل المؤسسات الكبرى بأعباء إضافية دون موارد جديدة يل بدون موارد وأصول من نقلوا إليها وبدون حل حقيقى للمشكلة من جذورها؟رابعاً: هندسة التعجيز.
هل الدمج حل اقتصادى أم «شهادة وفاة» معلنة؟إذا كنا نتحدث عن «خسائر مادية» وعجز مالى، فبأى منطق إدارى أو اقتصادى يكون الحل هو نقل مئات – بل آلاف – من الأيدى العاملة والصحفيين والإداريين من الكيان المتعثر وضمهم داخل كيان آخر ليس احسن حالا، ودون إيجاد أو خلق مصادر دخل جديدة ومبتكرة؟هذه المعادلة المقلوبة تثير ريبة شديدة، وتضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما:1 – إما أن المسألة هى محاولة للتعجيز العمدى للمؤسسات الكبرى عبر إغراقها بمزيد من العمالة والالتزامات حتى تنهار هى الأخرى تحت وطأة الديون.
2 – أو أنها خطة متسارعة لـإصدار شهادة الوفاة الأخيرة للصحافة القومية؛ بحيث يخرج علينا المحاسبون غداً ليقولوا بكل برود: «العدد زاد عن اللازم، والموارد انعدمت تماماً، ولم يعد أمامنا سوى الإغلاق التام وبيع الأصول»!
وهناك دول فىالعالم أجمع، لا تعرفها الشعوب إلا باسم «قناة تلفزيونية» أو «منبر إعلامى» يمثل ذراعها السيادي؛ دول بكاملها تدرك أن القوة لم تعد فى مخازن السلاح وحدها، بل فى غرف الأخبار وصناعة الوعي.
بينما نحن نناقش إغلاق مدارسنا الصحفية العريقة التى تأسس بعضها قبل أن توجد دول وكيانات كاملة على الخريطة السياسية! …كيف تتعاملون مع تاريخ أقدم من الجغرافيا السياسية بمنطق السوبرماركت؟وللحديث بقية مع منطق تجار الخردة! !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك