تنميل في اليد، تشوش مؤقت في الرؤية، أو تعب لا يجد له صاحبه تفسيرًا واضحًا، كلها أعراض تبدو عابرة، ولكنها قد تكون بداية لمرض التصلّب المتعدد.
والأعراض تتلاشي أحيانًا بعد أيام أو أسابيع، فيظن المريض أنها نتيجة إرهاق أو ضغط نفسي، ثم تعود لاحقًا بشكل مختلف.
وبين الظهور والاختفاء، قد تمر سنوات قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح.
وفي الوقت الذي يحيي فيه العالم، في 30 مايو/ أيار من كل عام، اليوم العالمي للتصلّب المتعدد، تتجه الأنظار إلى واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها المرضى: التأخر في التشخيص.
بالنسبة إلى كثيرين، لا تبدأ المعاناة مع المرض عند ظهور الأعراض، بل خلال رحلة طويلة من الشكوك والفحوصات والبحث عن تفسير لما يحدث داخل أجسادهم.
ترفع الحملة العالمية للتصلّب المتعدد بين عامَي 2024 و2026 شعار" تشخيصي مع التصلّب المتعدد"، في محاولة لتسليط الضوء على العقبات التي تؤخر الوصول إلى التشخيص الصحيح، وتعزيز الوعي بأهمية الاكتشاف المبكر وتحسين فرص الوصول إلى الرعاية المتخصصة.
التصلّب المتعدد هو مرض مناعي ذاتي يصيب الجهاز العصبي المركزي، حيث يهاجم الجهاز المناعي غلاف" الميالين" الذي يحيط بالألياف العصبية في الدماغ والحبل الشوكي.
وعندما يتضرر هذا الغلاف، تتعطل الإشارات العصبية جزئيًا، فتظهر أعراض متنوعة قد تشمل ضعف الأطراف، واضطرابات الرؤية، والتنميل، واختلال التوازن، وصعوبات التركيز، والإرهاق المزمن.
وتكمن المشكلة في أن هذه الأعراض لا تخص المرض وحده.
فهي قد تتشابه مع حالات أخرى كثيرة، مثل: نقص بعض الفيتامينات، أو التهاب الأعصاب، أو الأمراض الروماتيزمية، أو حتى الإجهاد النفسي.
ولذلك، يجد الأطباء أنفسهم أحيانًا أمام صورة سريرية غير مكتملة، يصعب معها الوصول إلى تشخيص سريع.
كما أن المرض لا يظهر بالطريقة نفسها لدى الجميع.
فبعض المرضى تبدأ رحلتهم مع مشكلة بصرية، بينما يعاني آخرون من ضعف في أحد الأطراف أو اضطرابات حسية.
وهذا التنوع يجعل اكتشاف المرض أكثر تعقيدًا.
لماذا يستغرق التشخيص وقتًا؟في أكثر أنماطه شيوعًا، يسير التصلّب المتعدد على شكل نوبات.
إذ تظهر الأعراض لفترة، ثم تتحسن أو تختفي جزئيًا فيما يعرف بمرحلة" الهدأة"، قبل أن تعود مجددًا.
الطبيعة المتقطعة للتصلّب المتعدد تجعل كثيرًا من المرضى يؤجلون مراجعة الطبيب بعد تحسن حالتهم، كما قد لا يرى الطبيب المريض خلال ذروة النوبة.
ولا يعتمد التشخيص على عرض واحد أو فحص واحد، فالأطباء يحتاجون إلى جمع عناصر عدة تشمل: التاريخ المرضي، الفحص العصبي، صور الرنين المغناطيسي للدماغ والحبل الشوكي، وأحيانًا تحليل السائل النخاعي، مع استبعاد أمراض أخرى قد تسبب أعراضًا مشابهة.
وتشير الدراسات إلى أن الفترة الفاصلة بين ظهور الأعراض الأولى والتشخيص الرسمي قد تمتد من سنة إلى ثلاث سنوات، حتى في الدول التي تتمتع بأنظمة صحية متقدمة، بينما قد تكون أطول في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى أطباء الأعصاب أو فحوص الرنين المغناطيسي.
الأعراض غير المرئية تزيد الالتباسلا يتأخر التشخيص بسبب تعقيد الفحوص فقط، بل لأن بعض أعراض المرض لا يلاحظها الآخرون بسهولة.
فالإرهاق الشديد، وضعف التركيز، وضبابية الذاكرة، والألم العصبي، كلها أعراض قد تبدو للآخرين غير واضحة أو مبالغًا فيها.
وفي كثير من الأحيان، تُفسَّر هذه الأعراض على أنها نتيجة التوتر أو قلة النوم أو ضغوط الحياة اليومية، ما يؤخر التفكير في احتمال وجود مرض عصبي يحتاج إلى تقييم متخصص.
ويزداد الأمر تعقيدًا لأن المرض يصيب غالبًا فئة الشباب بين العشرين والأربعين عامًا، وهي الفئة التي تميل إلى تجاهل الأعراض العابرة أو تفسيرها بأسباب أقل خطورة.
كما أن النساء أكثر عرضة للإصابة به مقارنة بالرجال، ما يؤدي أحيانًا إلى تفسير بعض الأعراض على أنها مرتبطة بعوامل هرمونية أو نفسية قبل التفكير في احتمال وجود مرض عصبي.
لماذا يهم التشخيص المبكر؟لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ للتصلّب المتعدد، لكن العلاجات المتاحة اليوم قادرة على تقليل عدد النوبات وإبطاء تطور المرض وتحسين جودة الحياة لدى كثير من المرضى.
ولهذا السبب، فإن التشخيص المبكر لا يمنح المريض إجابة على ما يحدث لجسده فحسب، بل يفتح الباب أمام بدء العلاج في مرحلة تكون فيها فرص الحد من الضرر العصبي أكبر.
كل نوبة تمر من دون علاج قد تترك أثرًا دائمًا في الجهاز العصبي، بينما تساعد العلاجات الحديثة على إبطاء مسار المرض عندما تُستخدم في وقت مبكر.
ولا تقتصر أهمية التشخيص المبكر على الجانب الطبي فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي.
فمعرفة السبب الحقيقي للأعراض تمنح المريض فرصة لفهم حالته، ووضع خطة علاجية واضحة، والحصول على الدعم المناسب بدل البقاء في دائرة الشك والقلق.
وفي يومه العالمي، لا يقتصر الحديث عن التصلّب المتعدد على المرض نفسه، بل يمتد إلى الطريق الذي يسلكه المرضى قبل معرفة الحقيقة.
فكلما أصبح التشخيص أسرع وأكثر دقة، زادت فرص التدخل المبكر وتحسين جودة الحياة.
ولهذا، يرفع اليوم العالمي للتصلّب المتعدد هذا العام رسالة واضحة: الانتباه المبكر للأعراض قد يكون الخطوة الأولى والأهم في مواجهة المرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك