يمثّل المعلّم ركيزة أساسية في تعليم الأجيال، وركنًا أساسيًا من العملية التعليمية، ويدرك دون أدنى شكّ مدى تأثير علاقاته مع الطلبة من خلال تفكيره الملهم الذي يدفعهم للبحث والمعرفة وإرشادهم وتوجيههم، وبهذا التفاعل البنّاء يتشكل لدى الطلبة الاتجاهات نحو العلم والتعلم والمدرسة بالإضافة إلى التخطيط لمهنة المستقبل، وعلى يديه تتحقّق المواقف التعليمية الهادفة وانتقال أثرها إلى المواقف الحياتية الوظيفية، ومع وجود التقدم التكنولوجي واتساع فضاءاته وتعدّد مصادر المعرفة تضاءل دور المعلم كمقدم للمعلومات والمصدر الوحيد لها؛ وانخفض الذكاء الانفعالي للطلبة مع مقدّم المعلومة سواء في التعليم المدمج أو التعليم عن بعد، وهذا مأخذ على تعامل الطلبة مع الأدوات التكنولوجية بعلاقة خالية من العاطفة، فلم نسمع مثلًا أنّ أحد الطلبة يقول: إن الحاسوب يحبّني أو يبغضني، بخلاف ما يكنّه الطلبة لمعلميهم، فأخذ المعلّم يجتهد في البحث عن طرائق لتنمية ذكائه الانفعالي (Emotional intelligence) ليحافظ على مكانته وتقديره، بمعنى: القدرة على الوعي الذاتي، وإدارة الانفعالات والعواطف الشخصيّة، والمشاعر الخاصة به وبالآخرين، وإثبات وجوده وإدارة الأزمات والتحلّي بالصبر والمرونة، وحاصل ذلك كله: كسب احترام الطلبة Earn the respect of students وتتمثل خلاصة الذكاء الانفعالي ما بين الحب والبغض، وكم سمعنا من قصص مؤثرة لحب مواد دراسية بسبب حب معلمها أو العكس، لا تنفصل المدرسة بأيّ حال من الأحوال عن محيطها الاجتماعي فهي تمثّل مجتمعًا مصغّرًا (Micro-community) للمجتمع الذي تعيش فيه، وبالتالي فكل ما يؤثّر على المجتمع سيؤثّر بطبيعة الحال على المدرسة، وما تركه التقدّم التكنولوجي من بصمات على أفراد المجتمع انتقل إلى داخل أسوار المدرسة، وكان لهذا التقدّم آثار على سير العملية التعليمية التعلّميّة، ولقد رجّح بعض العلماء الذكاء الانفعالي على معدّل ذكاء الفرد، وبرهنوا على ذلك بقولهم: إنّ الذكاء وحده لا يساعدك على إدارة التوتر والعواطف عند مواجهة التحديات الكبيرة، وعندما يعمل معدّل الذكاء جنبًا إلى جنب مع الذكاء الانفعاليالعاطفي تكون الأمور أكثر فعالية.
ليس من السهل بمكان فرض احترام المعلّم على طلبته في زمن التطور التكنولوجي بالرغم مما تختزنه ذاكرتنا الجمعية من احترام وتقدير لمكانة المعلم لما اكتنزتها من معلومات من الصعوبة بمكان الحصول عليها من مصدر سواه.
اضافة اعلانوحتى يبقى المعلم ناجحًا متمتعًا بذكاء انفعالي مرتفع عليه إثراء مهاراته الآتية:مهارات فن القيادة: Leadership skills، المعلّم قائد بحكم وظيفته في غرفة الصف وعليه أن يبحث كيف يكون مؤثرًا بشخصية طلبته من خلال تفهمه لطبيعة شخصياتهم واحتياجاتهم من ناحية ولاحتكاكه اليومي معهم من ناحية أخرى، ولا بدّ من وجود أواصر من المحبة والثقة تعمل كمفاتيح للتواصل بينه وبين طلبته بأريحية وسلاسة لتسهيل تقبّل أوامره ونواهيه.
إدارة الغضب: Anger management، وهنا تظهر قيمة وفعالية الذكاء العاطفي فالمعلم إنسان فهو لا يقرر متى سيغضب أو متى يخاف ومتى يكره.
ولكنه يستطيع أن يقرّر كيف يتعامل مع هذه المشاعر، فالابتعاد عن التعصّب والتسرّع في إطلاق الأحكام واتخاذ القرارات هي الآلية التي تعمل عليها مهارة إدارة الغضب، فطبيعة مزاج البشر متقلّبة، وتظهر هذه الصّفة في الطلبة أكثر من غيرهم لما يمرّون به من تغيرات جسدية ونفسية ولكل مرحلة عمرية متطلباتها، وعلى المعلّم معرفة هذه المتطلبات وتفهمها، والحرص على ألّا يكون طرفًا في صراع الطلبة بل حكمًا منصفًا ولو بحق نفسه، وعليه تجفيف منابع الغضب قبل وقوعه.
إدارة الأزمات: Crisis Management، من المتوقع أن يكون هناك أزمات داخل المدرسة بشكل عام وفي الغرفة الصفية بشكل خاص، وكلما كان المعلّم متسلحًا بالذكاء الانفعالي، كان قادرًا على تشخيص الأزمات وتقييمها ووضع الحلول المناسبة والإحاطة بها ومحاصرتها داخل الغرفة الصفية قبل استفحالها وخروجها من الغرفة الصفية.
محاسبة النفس: self-accounting، تعمل هذه المهارة على استكشاف الانفعالات في المواقف المختلفة السابقة وتحليلها وتحصين النفس من ردود الفعل السلبية في المواقف المستقبلية المشابهة، والتعلّم من الأخطاء الشخصيّة، والحرص على عدم تكرارها من خلال إعادة تخيّل سيناريو تلك الخبرات التي مرّت به ومحاسبة نفسه بشكل دائم.
لغة الجسد: body language، لا تقل لغة الجسد عن التعبير اللفظي فهي تعبّر عن الانفعال الداخلي للفرد، فالإشارة الجسدية والإيماءات توحي بما في داخل الفرد من مشاعر وهي لغة تواصل فعّالة قد يكون تأثيرها أبلغ بكثير من الكلمات والجمل، فلباس المعلّم الأنيق وحركته ورائحة عطره، وتبسمه.
لها عمل السحر لدى طلبته، فاحرص أن تكون بأجمل صورة في عيون طلاّبك.
عدم التحيّز: Impartiality، لطالما كان للتحيز المعرفي آثارٌ سلبية على صاحبه، فالنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة يجعلك ترى الواقع مختلفًا، وتبادل الأدوار يوضح الصورة أكثر، والإصرار على الرأي والتقليل من قيمة رأي الآخرين يعمل على تشويه الموقف، فكن موضوعيًا وابتعد عن التحيز الشخصي، تبقى صورتك ناصعة في عيون طلّابك.
الانفتاح العقلي: Open-mindedness، إنّ تقبّل آراء الآخرين والإنصات إليهم يفتح قلوبهم وعقولهم لك، ويتيح فرصًا جديدة للتواصل معهم، فكن مستمعًا جيدًا، فهناك الكثير الكثير مما سيقوله لك طلبتك، وقد تتفاجأ بحجم ما سيخبرونك به، وعليك تقبل الآراء المختلفة واعمل على التقارب بينها من خلال التقاطعات الإيجابية.
المشاركة الفاعلة: Active participation، من الجميل أن تكون مشاركًا لطلبتك داخل وخارج غرفة الصف، فالأنشطة اللاصفية تؤكد مدى تواضعك وتفاعلك معهم، كالنشاط الرياضي، والنشاط الكشفي، والرحلات المدرسية، ومشاركتهم دون قيود مدرسيّة تتيح المجال لك للتعرّف أكثر إلى شخصياتهم وبالتالي تقديرك لاحتياجاتهم، وتحيّن المناسبات الاجتماعية للطلبة، فسيكون لوجودك طعم مختلف عما اعتاد عليه الطلبة من رسميات.
لا تيأس: Do not give up، قد يظن من هو خارج إطار العملية التعليمية بأن وظيفة المعلّم سهلة والتعامل مع الطلبة كما هو التعامل داخل المنزل، وقد يغيب عن تفكيرهم بأن غرفة الصف عبارة عن فسيفساء وبوتقة تجمع بداخلها مشاعر متناقضة ومختلفة وفروقًا فرديّة قد يكون بعضها متطرفًا، وعلى المعلم التعامل مع كلّ هذه الأمور تحت ضغط واحتراق نفسي يجعله كالشمعة يفني حياته من أجل إسعاد الآخرين، واعلم أنّ لكلّ مشكلة حل، ولكلّ عقل مفتاحه، فلا تيأس.
لقد كان لتداعيات انتشار وباء (كورونا) أثره البالغ على جودة التعليم وأفرز مصطلح ما يطلق عليه الفاقد التعليمي، والذي تمخّض عنه فقر التعلّم، حيث أصبح التعلّم عن بعد بمتناول اليد ويغني عن التعلّم الوجاهي، مما أدّى إلى ذوبان شخصية المعلّم وتوحّدت مشاعر الطلبة نحو الحاسوب الناقل للمعلومات ولم يعد هناك هامش للتواصل الجسدي بين المعلّم وطلبته، وكانت هذه التجربة كفيلة بإعادة الحسابات وتهيئة المعلم لعصر جديد من التعلّم الرقمي، وأخذ الحيطة لتكرار مثل هذه الحالة والوقوف على نقاط الضعف فيها، وتبين حينها مدى تأثير شخصية المعلم على الطلبة وضرورة تنمية ذكائه العاطفي ليبقى حاضرًا في ذهن الطلبة ووجدانهم والولوج إلى العصر الرقمي بكفاءة واقتدار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك