في العقود الأخيرة، تحولت الإدارة الحديثة من وظيفة تنظيمية تهدف إلى تحسين العمل إلى ما يشبه العقيدة الجديدة التي تُباع للناس بوصفها علما دقيقا لا يقبل التشكيك.
امتلأت المؤسسات بالمصطلحات اللامعة، والنماذج الإدارية، والعروض التقديمية، وورش “التحول”، حتى أصبح الموظف يشعر أحيانا أنه يعمل داخل مسرح لغوي أكثر من كونه يعمل داخل مؤسسة حقيقية.
المفارقة أن كثيرا من المؤسسات التي تتحدث يوميا عن “التميّز”، و “الابتكار”، و “القيادة التحويلية”، و “تمكين الموظفين”، تعاني في الداخل الخوف، والبيروقراطية، وضعف القرار، وهروب الكفاءات، وثقافة الصمت.
هناك فجوة ضخمة بين اللغة التي تستخدمها المؤسسات وبين الواقع الذي يعيشه الناس داخلها.
الإدارة الحديثة تدّعي أنها أصبحت أكثر إنسانية، لكنها في كثير من الأحيان أصبحت أكثر هوسا بالقياس والمراقبة والتقارير.
الموظف اليوم قد يخضع لعشرات مؤشرات الأداء، والتقييمات، والاستبانات، والاجتماعات، ومع ذلك لا أحد يسأل السؤال البسيط: هل هذا النظام كله يجعل العمل أفضل فعلا؟ أم أنه فقط يجعل المؤسسة تشعر بأنها “تدير” العمل؟كثير من الممارسات الإدارية الحديثة لا تستمر لأنها ناجحة، بل لأنها تمنح انطباعا بالاحتراف والسيطرة.
المدير الذي يملأ الجداول ويعقد الاجتماعات يبدو أكثر “إدارية” من المدير الذي يفهم الناس ويحل المشكلات بهدوء.
والمؤسسة التي تنتج تقارير ملوّنة ومؤشرات معقدة تبدو أكثر تطورا من مؤسسة بسيطة لكنها فعّالة.
المشكلة أن الإدارة الحديثة أصبحت أحيانا تهتم بصورة الإدارة أكثر من جوهر الإدارة.
أصبح التركيز على الطقوس الإدارية نفسها: تقييمات الأداء، ورش الاستراتيجية، برامج “الثقافة المؤسسية”، والاجتماعات الممتدة، حتى لو لم تُنتج قيمة حقيقية.
ولهذا؛ فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس “ما مدى نجاعة برامج التحول الحديثة؟ ” بل “هل كان هذا التحول ضروريا أساسا؟ أم أنه أصبح مجرد متلازمة ملازمة للإدارة الحديثة التي لا تستطيع البقاء دون إعلان مستمر عن مشروع تغيير جديد؟ ”.
لأن المؤسسة التي تنسى الإنسان، وتنشغل فقط بإدارة المؤشرات، قد تنجح في إنتاج التقارير لكنها تفشل في إنتاج العمل الحقيقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك