تعيش التجارة البينية بين تونس وليبيا حالة من الركود الاقتصادي والتوتر الاجتماعي نتيجة تشديد الإجراءات على نشاط التجارة الموازية عبر المعابر الحدودية، ولا سيّما في معبر رأس جدير، ما أدى إلى تراجع حركة العبور التجاري وتباطؤ تدفق السلع نحو الأسواق التونسية، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من اقتصاد الجنوب التونسي على المبادلات غير الرسمية مع ليبيا.
وتكتسي التجارة الحدودية أهمية خاصة لولايات الجنوب التونسي، وخاصة منطقة بنقردان وولايتَي مدنين وتطاوين، إذ تشكل مصدراً رئيسياً للدخل وفرص العمل.
وبسبب التضييقات على المعابر الحدودية يجبر مئات التجار على الانسحاب من النشاط التقليدي في المنطقة، ما يؤثر مباشرةً على مصادر رزقهم.
ركود التجارة وتراجع العائداتيقول الخبير المختص في الشأن الليبي مصطفى عبد الكبير إنّ تشديد الرقابة خلال الأشهر الأخيرة تسبب في تراجع واضح في حجم السلع المتدفقة من ليبيا، خاصة المواد الغذائية والمحروقات، بسبب طول فترات الانتظار والإجراءات الأمنية والإدارية المعقدة.
وأكد عبد الكبير في تصريح لـ" العربي الجديد" أن معظم الاتفاقات التي تنظم التجارة البينية بين تونس وجارتها الجنوبية انهارت، إذ يضطر التجار إلى الانتظار في طوابير قد تدوم 72 ساعة من أجل المرور عبر بوابة رأس جدير، بينما توقف العمل على نحوٍ شبه كامل على بوابة الذهيبة ـ وازن.
وأشار في سياق متصل إلى أن التجارة البينية بين البلدين خسرت نحو ثلثي عائداتها خلال الأشهر الماضية، واصفاً الربع الأول من السنة الحالية بأنه الأسوأ منذ سنوات.
وتفيد تقديرات محلية بأن أكثر من 20 ألف عائلة في الجنوب التونسي ترتبط على نحوٍ مباشر أو غير مباشر بالتجارة الحدودية، سواء عبر نقل البضائع أو بيعها أو الخدمات المرتبطة بها.
كما تؤكد التقديرات ذاتها أن مدينة بنقردان وحدها تعتمد بنسبة كبيرة على النشاط التجاري مع ليبيا، إذ يوفر هذا القطاع مورد رزق لآلاف الشباب في ظل محدودية النسيج الصناعي وارتفاع معدلات البطالة.
وتصل نسبة البطالة في بعض ولايات الجنوب إلى أكثر من 20% مقابل معدل وطني يدور حول 15%، ما يجعل أي تعطيل للحركة التجارية ينعكس بسرعة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
ورجح الخبير مصطفى عبد الكبير أن يكون قرار التضييق على الحركة التجارية ذا خلفيات سياسية، مشيراً إلى أن الضرر يطاول الطرفين، إذ يتعرض التجار الليبيون أيضاً لخسائر بسبب تراجع تدفقات السلع نحو الجنوب التونسي.
ويعد معبر رأس جدير، الواقع بمدينة بنقردان في ولاية مدنين جنوب شرقي تونس، الشريان الحيوي للتجارة البينية بين تونس وليبيا، إذ يبعد نحو 30 كيلومتراً عن مركز المدينة وحوالى 180 كيلومتراً عن العاصمة الليبية طرابلس.
وتربط تونس وليبيا بوابتان حدوديتان رئيسيتان هما معبر رأس جدير ومعبر الذهيبة ـ وازن بولاية تطاوين.
واعتبر عبد الكبير أن هناك محاولات لإرباك الحركة التجارية بين البلدين عبر تضييقات مبالغ فيها على التجار التونسيين، مشيراً إلى أن التجارة الحدودية توفر مكاسب اقتصادية مهمة للعاملين فيها من الجانبين.
وشدد على ضرورة تجاوز أزمات المعابر الحدودية عبر اتفاقيات واضحة تنظم المبادلات التجارية، مؤكداً أن معبر رأس جدير يظل المتنفس الاقتصادي الرئيسي للمنطقة الغربية في ليبيا وجنوب تونس.
ويشبه العاملون في التجارة الحدودية عمال المياومة، إذ يعتمدون على الرحلات اليومية لجلب السلع، سواء عبر العربات أو سيراً على الأقدام من المناطق الليبية المتاخمة للحدود.
ويستفيد العاملون في التجارة غير الرسمية وتهريب المحروقات من فارق أسعار الوقود بين البلدين، إذ يبقى الوقود الليبي أقل سعراً من نظيره في تونس، ما يفسر استمرار الطلب عليه رغم القيود المفروضة.
ويرى الناشط المحلي خالد عماد الدين أن التجارة الموازية لعبت لعقود دور صمام الأمان الاجتماعي في الجنوب التونسي، خاصة بعد سنة 2011، إذ ساهمت في امتصاص البطالة وتوفير السيولة وتحريك الأسواق المحلية، كما استفادت منها فئات واسعة من محدودي الدخل بسبب انخفاض أسعار السلع مقارنة بالسوق المنظمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك