لو أتيح لنا الخيار بين البقاء على الأرض والخروج منها لأي سبب من الأسباب، فمن سوف يفضل البقاء على الأرض على الخروج منها؟ لكن الحقيقة هي أن من يقرر ذلك اليوم هم رجال أعمال الفضاء وليس نحن، وتحديداً اثنان منهما، وهما إيلون ماسك وجيف بيزوس، وذلك لأنهما الأكثر تأثيراً في هذا الفضاء الأميركي اليوم.
فإلى جانب" ناسا" والفضاء العالمي، لدينا على الأرض" حفنة" من رجال الأعمال الذين يتحكمون بمصير الإنسان المعاصر عبر برامج غزو الفضاء.
فإيلون ماسك هو أثرى رجل في العالم وصاحب ومدير شركتي" سبيس إكس" و" ستارلينك" الفضائيتين العملاقتين.
أما جيف بيزوس فهو صاحب شركة" أمازون" وشركة الفضاء الخاصة" بلو أوريجين".
في الوقت ذاته يحمل كل من هذين الرجلين رؤية ومشاريع مناقضة تماماً للآخر حول الفكرة ذاتها.
بل إن هناك فارقاً جوهرياً بين رؤيتيهما للأرض عبر الفضاء الأميركي الحديث.
لذلك يصبح السؤال المهم هو: ما الفارق بين رؤيتي ماسك وبيزوس للفضاء؟بيزوس لديه رؤية عاطفية تجاه الأرض في المستقبل، وهي: " الأرض كمنتجع بشري".
وذلك لأن البشر سوف يعملون ويصنعون ويستخرجون الموارد في الفضاء، ثم يعودون إلى الأرض فقط للاستجمام.
ولذلك يريد بيزوس للأرض أن تصبح منطقة طبيعية أو محمية للبشرية.
فالكواكب القريبة منا كالقمر والمريخ هي حتى الآن مناطق جرداء وتخلو من كل مقومات الحياة الجميلة.
وهذه" رؤية بيئية-اقتصادية ثاقبة" كما وصفتها بعض الموسوعات العلمية، ومفادها" نقل الصناعة إلى الفضاء وإبقاء الأرض خضراء".
" الأرض نقطة انطلاق لنا فقط".
فماسك يرى أن الخطة يجب أن تكون واقعية ومختلفة تماماً.
ولذلك قدم ماسك رؤية وصفتها موسوعات علمية أوروبية بأنها رؤية" وجودية أو فلسفية".
ومفادها أن الأرض ليست مكاناً آمناً على المدى الطويل بسبب الكوارث والحروب والنيازك وتغير المناخ، وأن البقاء بشكل عام" يتطلب مغادرة العش".
ولذلك فإن بقاء البشرية بات يعتمد على أن تصبح" متعددة الكواكب"، والمريخ بالنسبة لأثرى رجل في العالم هو الخطة" ب".
وهنا يقف السؤال القديم نفسه لكن بصيغة جديدة، وهو: هل سنغادر الأرض لأن البقاء فيها أصبح خطراً كما يزعم ماسك، أم سنحافظ عليها كحديقة كونية محمية بينما نمد جذورنا في الفضاء كما يريد جيف بيزوس؟ ووفق بعض الموسوعات العلمية وبرامج الذكاء الاصطناعي الحديثة ومقالات عديدة على مواقع علمية أميركية بارزة، فإنه من المرجح" أن يكون المستقبل مزيجاً من الاثنين، أي خروج بلا هجرة وبقاء بلا انغلاق"!يؤكد كل من إيلون ماسك وجيف بيزوس أن على الإنسان الخروج من الأرض، لكنهما يختلفان في النظرية التي سوف تنظم هذا الخروج.
فإيلون ماسك يرى أن الأرض تتجه نحو مفارقة حرجة، وهي أن" العقول الرقمية التي صنعناها بدأت تغادرها إلى المدار"، وهذا يعني أن الأرض قد تتحول تدريجياً إلى كوكب جميل، لكنه فارغ من العقل الذي صنع حضارته.
وفي المقابل يطرح جيف بيزوس رؤية مختلفة، فهو لا يريد للبشر أن يتركوا الأرض تماماً أو دون عودة، بل أن" يخففوا عنها" فقط، لتصبح موطناً مناسباً للراحة والعودة والذكريات، بينما تتم الأعمال الثقيلة في القمر والمريخ وفي المستعمرات المدارية التي يتخيلها بيزوس كمدن صناعية تدور حول الأرض، فيعود الإنسان إلى كوكبه كما يعود المسافر إلى بيته بعد رحلة طويلة.
في ظل الفارق بين رؤيتي بيزوس وماسك، برزت نظرية جديدة تعبر عن رؤية الفضاء الأميركي الحديث لمستقبل كوكبنا، ويمكن أن نطلق عليها نظرية الموطن العاطفي.
وهي بمثابة خلاصة لإجابة سريعة عن سؤال" هل نخرج من الأرض أم نظل فيها؟ "، إذ لن نغادر الأرض بالكامل، ولن نبقى فيها كما نحن الآن، وذلك لأن" المستقبل الأقرب هو نموذج هجين".
فجزء من البشر سوف يعيش ويعمل في المدار والقمر وربما المريخ، بينما تبقى الأرض مركز الحياة البشرية وموطنها العاطفي والبيئي.
ليس ماسك وبيزوس وحدهما المنهمكين في مشاريع غزو الفضاء، فـ" ناسا" تلعب اليوم دوراً حاسماً في هذا المجال، خصوصاً بعد أن تولى جاريد إيزاكمان زعامتها.
إذ أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية" ناسا" أخيراً أن الوكالة سوف تستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم" غايتواي".
ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية طويلة في مقر الوكالة بواشنطن: إن ناسا تعتزم إيقاف مشروع" غايتواي" بصورته الجارية، وذلك" لتركيز الجهود بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تمكن من استدامة العمليات على سطح القمر".
وأضاف إيزاكمان الذي صرح بذلك على نحو مفاجئ قبل أن يكمل الشهر الأول من توليه منصبه أواخر العام الماضي: " على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة، وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف".
منذ أن بدأ الإنسان يرفع عينيه نحو السماء ليتأمل النجوم البعيدة، وهو يتساءل: هل وجدنا كبشر لنظل على هذا الكوكب أم أن مصيرنا الحقيقي يكمن خارجه؟ واليوم، ومع التقدم الهائل في علوم الاتصال ومشاريع غزو النجوم، يعود السؤال نفسه لكن بجدية أكبر.
فمشاريع مثل تلك التي تطورها" ستارلينك" لم تعد تكتفي بتوفير الإنترنت في المناطق النائية على الأرض، بل باتت تلعب دوراً أكبر، وهو التمهيد لمرحلة جديدة من عمر كوكب الأرض، التي سوف يصبح فيها الذكاء الاصطناعي مستقراً في الفضاء بالكامل، وذلك لأسباب قررها رجال الأعمال أيضاً بما يلائم أعمالهم.
فـ" البنية التحتية هناك أبرد"، والمدارات الشاهقة" أكثر استقراراً من الأرض"، خصوصاً مع ازدياد الحروب.
في الوقت ذاته تزداد المشاكل المناخية على الأرض، فأصبح المدار أقل تكلفة بيئياً.
وستارلينك لديها مشاريع ضخمة لنقل الذكاء الاصطناعي إلى المدار، وهذا يقودنا إلى تحويل الأرض إلى كوكب يخلو من الذكاء.
وفكرة ستارلينك ليست مجرد إنترنت سريع، فهناك اتجاه عالمي لنقل مراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة المعالجة الضخمة إلى الفضاء، وذلك لتقليل الحرارة والانبعاثات ولحماية الأنظمة الإلكترونية من المخاطر الأرضية.
وهذا يخلق مفارقة كبيرة، فالأرض تصبح جميلة كما كانت قبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكنها أقل ذكاءً لأن" العقل الآلي" ينتقل إلى المدار، مما يعني أيضاً هجرة العقول الرقمية من الأرض تماماً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)مع التقدم الكبير في العلم والتقنيات في مجال الفضاء، فإن الخروج من الأرض ليس خيالاً بعد الآن.
وهناك ثلاثة مسارات واضحة يمكن أن يسلكها الإنسان في رحلته خارج الأرض، وهي: المدار القريب، فمشاريع مثل" ستارلينك" و" محطات الذكاء الاصطناعي المدارية" تعني أن جزءاً من البنية التكنولوجية سيغادر الأرض قبل البشر أنفسهم.
أما المسار الثاني فهو القمر، فـ" ناسا" و" سبيس إكس" و" بلو أوريجين" منهمكون في إنشاء وجود بشري دائم على سطحه خلال العقد القادم.
فيما المسار الثالث هو المريخ، وهو الأبعد ويأتي من خلال مشروع ماسك طويل الأمد، والذي لا يعد قريباً مثل المسارين السابقين، إذ يحتاج هذا المسار الطموح إلى عقود من العمل والتطوير.
إذن: يتفق كل من ماسك وبيزوس، وبدعم كامل من" ناسا"، على فكرة واحدة وهي أننا سنخرج من الأرض بكل تأكيد، لكن خروجنا سوف يكون" ليس كرحيل جماعي، بل كامتداد حضاري تدريجي".
وفي هذا السياق تؤكد" سبيس إكس"، وفقاً لما ورد على موقع الشركة الإلكتروني، أن" تطوير رحلات الفضاء البشرية أصبح هاجساً ملازماً للإنسان حديثاً".
ولذلك تأسست شركة" سبيس إكس" انطلاقاً من الاعتقاد بأن" المستقبل الذي تستكشف فيه البشرية النجوم هو أكثر إثارة بشكل أساسي من المستقبل الذي لا نفعل فيه ذلك".
فمنذ عودة قدرات رحلات الفضاء البشرية إلى الولايات المتحدة في عام 2020، تساعد شركة" سبيس إكس" في بناء حقبة جديدة، إذ لن يتمكن مئات الأشخاص فحسب، بل الآلاف، " وفي نهاية المطاف ربما الملايين" من استكشاف الفضاء.
من جهة ثانية صممت" ستارلينك" التابعة لماسك أيضاً بعض أحدث الأجهزة التي تلتقط الاتصالات حتى في المناطق النائية بفضل آلاف الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي، وتعمل هذه الأجهزة حتى أثناء السفر والتخييم وركوب القوارب في البحر، إذ" تنقل الاتصال بسهولة، وعبر البث المباشر، مع اتصال قوي دون انقطاع أو بطء في السرعة".
وتحت عنوان" نبذة عن بلو أوريجين" كتب جيف بيزوس على موقع شركته الخاصة للفضاء: " مهمة هذا الجيل هي تمهيد الطريق إلى الفضاء، لكي تتمكن الأجيال القادمة من إطلاق العنان لإبداعها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك