لم يشهد حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في تركيا وأقدم أحزابها، أزمة في تاريخه الممتد لأكثر من قرن كالتي تعصف به في الأيام الأخيرة، مع وجود رئيسين للحزب، أحدهما مُبعَد بقرار قضائي إثر إلغاء مؤتمر الحزب العادي الـ38 لعام 2023، والثاني عائد بموجب القرار نفسه ويمارس عمله متعهداً بتطهير الحزب، فيما لا تزال اللجنة التنفيذية المركزية السابقة تعمل دون تسمية اللجنة الجديدة.
الأزمة جاءت بعد قرار قضائي صدر في 21 أيار/مايو، وقضى بإبعاد قيادة الحزب ممثلة بالرئيس أوزغور أوزال وإدارته، وتعيين الرئيس السابق كمال كلجدار أوغلو وإدارته لتولي الحزب في المرحلة المقبلة.
وصدر القرار عن الدائرة المدنية الـ36 لمحكمة استئناف أنقرة الإقليمية في القضية المرفوعة من قبل نواب ومندوبي الحزب بحجة حصول رشاوى وتجاوزات أفرزت الواقع الجديد في الحزب، حيث أكملت الدائرة مراجعتها للطعن المقدم ضد قرار محكمة أنقرة المدنية الابتدائية الـ42 الصادر في 24 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذي قضى بأنه" لا داعي لإصدار قرار لانتفاء موضوع القضية" المتعلقة بإلغاء المؤتمر العادي، وتبع ذلك تدخّلٌ للشرطة لتنفيذ القرار وإخراج قيادة الحزب من المقر في أنقرة.
وتجلت فصول الانقسام بوضوح مع فعاليتين متزامنتين، أمس السبت، في أنقرة بمناسبة العيد مع أنصار الحزب.
الأولى كانت بتنظيم من فريق كلجدار أوغلو وشملت إلقاء أول خطاب له أمام أنصاره في مقر الحزب، والثانية كانت في التوقيت نفسه بتنظيم من فريق أوزال من أمام مقر فرع الحزب بأنقرة.
وحظيت الفعاليتان باهتمام شعبي، وكانت الأكبر من تنظيم إدارة أوزال، وحظيت بحضور نحو 46 نائباً برلمانياً ورؤساء فروع الأحزاب، إضافة إلى رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، وهو أحد أبرز المرشحين للرئاسة عن الحزب بعد انقطاع الطريق أمام رئيس بلدية إسطنبول المعزول أكرم إمام أوغلو، إضافة إلى ممثلين من أحزاب أخرى.
وانتهت بمسيرة إلى ضريح مؤسس الحزب والجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، كما حضر نواب برلمانيون ومؤيدون لكلجدار أوغلو الفعالية أيضاً، واستُقبل كلجدار أوغلو بالورود وأُطلق الحمام الأبيض تعبيراً عن المرحلة الجديدة، وأدت هاتان الفعاليتان إلى تعزيز الانقسام الحزبي بشكل أكبر.
وواصلت إدارة أوزال تحديها قرار القضاء والحديث عن الشرعية، مع عقد اللجنة التنفيذية المركزية اجتماعاً، الأحد، برئاسة أوزال، فيما يُنتظر أن تستكمل عملية الإبلاغ للجنة التنفيذية السابقة بقيادة كلجدار أوغلو لتنعقد بشكل قانوني، إذ تأخرت بسبب عطلة عيد الأضحى المبارك.
وقال نائب رئيس كتلة حزب الشعب الجمهوري مراد أمير، الأحد، إنّ اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية كان اجتماعاً دورياً، وأن جدول أعماله كان مخصصاً لمناقشة الأجندة في تركيا والمناقشات السياسية الأسبوعية.
وفيما يتعلق بسؤال ما إذا كان سيُعقد اجتماع لكتلة الحزب النيابية الثلاثاء المقبل، قال أمير: " لا يسعني إلا أن أعبر عن استغرابي من طرح هذا السؤال، لأنه بحسب لوائح وأنظمة الحزب الداخلية والأعراف البرلمانية، تحدد اللجنة التنفيذية للكتلة موعد وجدول أعمال اجتماع الجمعية العامة للكتلة، ويوم الثلاثاء المقبل ليس استثناء"، موضحاً أنه سيصدر بياناً بعد اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية.
وبعد غياب دام عامين ونصف العام، عاد كلجدار أوغلو، السبت، إلى مقر حزب الشعب الجمهوري وخاطب أنصار الحزب قائلاً: " سأحاسب كل من دفع بالثقة في الحزب إلى المحاكم، ومن حول الحزب إلى لعبة في النوادي الليلية، لا مكان للانتقام، ولا للتشهير، ولا للكراهية، محاسبتنا ليست شخصية بل أخلاقية، في كتابنا تطهير وتنقية، لكن هذا التطهير ليس تصفية، بل هو ولادة جديدة، من الذي جر إرثنا إلى المحاكم؟ من الذي حاول جعل حزبنا، إرث أتاتورك، لقمة سائغة على موائد البرلمان؟ ما سأفعله واضح، سأطالب بالمساءلة والمساءلة، وسنذهب جميعاً إلى الملاذ الآمن اللائق معاً".
وأضاف: " لن نتسامح مع المخالفات، لن أسمح لأحد بانتهاك حقوق الشعب، لم تكن لنا أي صلة بجماعة الخدمة أو أي منظمة محظورة أخرى، أو أي صلات خارجية، أعتذر لإيواء هؤلاء الحمقى الذين سعوا وراء الأبواب المغلقة للحصول على العون من قوى أجنبية، أعتذر لعدم كشفي زيف من جعلوا مندوبي حزب الشعب الجمهوري أوراق مساومة، وعدم معرفة المرتبطين بجماعة الخدمة.
".
من جانبه، شدد أوزال في كلمته على أنه ليس من حق إدارة كلجدار أوغلو" تأجيل المؤتمر ولو ليوم واحد"، مطالباً بعقد المؤتمر فوراً، موضحاً أن" هذه ليست قضية بين أوزال وكلجدار أوغلو، بل هي قضية بين الرئيس رجب طيب أردوغان والشعب، فمن جهة هناك سعي حثيث لكسب الشرعية من خلال حشد ضعيف رمزي، ومن جهة أخرى هناك الشعب نفسه، لذلك لا مجال للمقارنة"، وأضاف: " أنا مستعد للمنافسة مع كل مندوب، ولكن أعلنوا موعد المؤتمر، وقبل المؤتمر بـ15 يوماً لنضع صناديق اقتراع في فروع حزب الشعب الجمهوري وندعو مليوني عضو ليقرّروا من سيكون الرئيس، وإذا لم أحصل على 85 بالمئة من الأصوات في هذه الانتخابات التمهيدية فلن أترشح".
وفي الوقت الذي لم يعلق فيه أحد من جبهة كلجدار أوغلو لـ" العربي الجديد" على التطورات الحالية ومستقبل الأزمة في الحزب، بسبب عدم اجتماع اللجنة التنفيذية المركزية للحزب بعد وعدم تحديدها موقفها، مما يصعب الحديث باسمها، على أن يجري ذلك لاحقاً، نفى إيلهان أوزغيل، رئيس الدائرة الخارجية في إدارة أوزال، تفكير إدارة الرئيس السابق في الوقت الحالي بتأسيس حزب جديد، حيث كانت هناك تصريحات سابقة لأوزال بأن هناك خططاً بديلة له ولمؤيديه بتأسيس حزب جديد في حال بقوا خارج الحزب، كما يجري الحديث عن نيّات كلجدار أوغلو بعزل جميع المقربين من أوزال وطردهم من الحزب.
وقال أوزغيل في حديث لـ" العربي الجديد": " يخضع حزبنا حالياً لسيطرة شخص معين من السلطة الحاكمة، حزب الشعب الجمهوري حزب عريق عمره 103 أعوام، أسسه أتاتورك، والتخلي عنه دون مقاومة والانتقال الفوري إلى حزب جديد ليس بالأمر الصائب"، وأضاف: " انتُخب أوزال رئيساً للحزب في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وقد صادقت الهيئة العليا للانتخابات على هذا الانتخاب، ثم أُعيد انتخابه رئيساً للحزب بأغلبية ساحقة في مؤتمرين لاحقين، وتؤيد الغالبية العظمى من ناخبينا ونوابنا ورؤساء البلديات ورؤساء الولايات الرئيس المنتخب أوزال وفريقه، والمطلوب الآن ليس الانتقال إلى حزب جديد، بل عقد مؤتمر جديد يمكن لأعضاء الحزب وحتى السيد كلجدار أوغلو الترشح فيه، ولا يوجد ما يمنع ذلك".
وعن هدفهم في الفترة المقبلة، قال أوزغيل: " هدفنا هو إنقاذ الحزب من قبضة مجموعة صغيرة عينتها السلطة القضائية المقربة من الحكومة، حيث لا يتمتع كلجدار أوغلو بأي شرعية، وأُتيحت له فرصة الترشح في المؤتمرات بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأدى إخفاقه في استغلال هذه الفرص، واستيلاؤه على مقر الحزب بالقوة من الشرطة بموجب قرار من محكمة محلية، إلى تشويه سمعته بشكل كبير".
وختم قوله: " في الأسبوع المقبل سيعقد مؤتمر مبكر بتوقيعات المندوبين، إذ تسمح لوائح الحزب بذلك، وبالتالي إذا طُبق القانون سيُعاد انتخاب أوزال رئيساً للمؤتمر، وهذه هي الخطة الحالية لفريق رئيسنا أوزال".
وشغلت التطورات في حزب الشعب الجمهوري الشارع التركي ما بين مؤيد ومعارض، وكذلك سيطرت هذه التطورات على البرامج الإعلامية والمناقشات السياسية، في ظل اهتمام إعلامي كبير بما ستؤول إليه الأمور داخل الحزب بعد انتهاء عطلة العيد وعودة العمل السياسي في البلاد على الصعيد الحكومي والبرلماني والقضائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك