" ليبانون ديبايت" - روني ألفايا شقيف، هل أزعجكِ هذا الصباح؟ هل أيقظكِ صخب الجنود وهم يصعدون درجاتك الحجرية بأحذيتهم الثقيلة؟ أم أنكِ بالكاد رفعتِ رأسكِ من نوم القرون؟أعرفكِ.
أنتِ عجوز الجنوب التي سئمت الوجوه الحاقدة.
كم مرة دخلوا إلى غرفك؟ كم مرة ظنوا أن مفاتيحك أصبحت في جيوبهم؟ وكم مرة اكتشفوا متأخرين أن القلاع لا تُفتح بالمفاتيح؟ها هم يعودون إليك.
يدخلون أروقتك كما يدخل الغرباء إلى بيت لا يعرفهم.
يلمسون الجدران التي لمستها أيدي الفلاحين والمقاتلين والرهبان والعابرين.
ينظرون من نوافذك الضيقة إلى الليطاني، لكنهم لا يرون ما ترينه أنتِ.
لا يرون الأولاد الذين كبروا في القرى تحتك.
لا يرون الأمهات اللواتي كن يرفعن عيونهن نحوك كلما دوّى انفجار في الليل.
لا يسمعون خطى الذين مروا من هنا ذات مساء ولم يعودوا.
في الغرفة الباردة عند الطرف الشرقي من القلعة، ما زالت رائحة الرطوبة أصدق من البيانات العسكرية.
وفي السلم الضيق المؤدي إلى السور، ما زالت الحجارة تتذكر وقع أقدام أولئك الذين صعدوا وهم يعرفون أن الموت ينتظرهم خلف الزاوية.
هناك، في العتمة التي لا تصل إليها الكاميرات، ما زالت أصواتهم عالقة بين الشقوق كأنها لم تغادر أبداً.
أقول لكِ سراً يا شقيف: لقد أخطأوا في فهمك دائماً.
ظنوك حجارة، وأنتِ ذاكرة.
ظنوك موقعاً عسكرياً، وأنتِ جرح مفتوح في خاصرة الزمن.
ظنوا أن بإمكانهم أن يعلقوا فوق رأسك راية فتتبدل روحك.
ما أكثر ما يضحكني هذا الوهم.
فالرايات تشيخ سريعاً، أما الأمكنة التي ارتوت بعرق الناس ودموعهم فتبقى شابة على طريقتها الخاصة.
اليوم عاد الصهاينة إلى قلعتك.
عادوا إلى الجبل الذي قاومهم أكثر مما قاومتهم المدافع.
عادوا إلى المكان الذي لم ينجح الزمن في محو صور مقاتليه من ذاكرتهم.
عادوا إلى الشرفات التي شهدت رجالاً عرفوا أنهم أضعف تسليحاً، لكنهم رفضوا أن يكونوا أضعف إرادة.
أتذكرينهم يا شقيف؟ ًأولئك الشبان الذين صعدوا إليك من القرى البعيدة، حاملين الجنوب على أكتافهم كما يحمل الفلاح كيس القمح في آخر النهار.
الذين ناموا في أروقتك الباردة واقتسموا الماء والقليل من الخبز، ثم وقفوا في مواجهة السماء كلها تقريباً.
لم يكونوا يبحثون عن المجد.
كانوا يريدون فقط ألّا يسقط البيت الأخير في ذاكرتهم، وألّا تنطفئ النافذة الأخيرة المطلة على أرضهم.
كان يمكن لهم أن ينسحبوا.
كان يمكن لهم أن يبحثوا عن حياة أكثر هدوءاً.
لكنهم بقوا.
بقوا لأن بعض الأمكنة تتحول إلى جزء من الروح، ومن يتركها يترك شيئاً من نفسه خلفه.
لهذا لا أنظر اليوم إلى الجنود الذين دخلوا القلعة.
أنظر إلى أولئك الذين مروا هنا قبلهم.
إلى الوجوه التي غطاها الغبار.
إلى الأيدي المتشققة من التعب.
إلى العيون التي كانت ترى الموت قريباً، لكنها كانت ترى الأرض أقرب.
هم أبناء الحكاية الحقيقية.
أما الآخرون فمجرد فصل عابر.
أكاد أراكِ الآن يا شقيف.
تهزين كتفيك الحجريين بسخرية عجوز تعرف نهاية الرواية، وتتركين الريح تقوم بالمهمة.
ريح الجنوب تمر فوق الأسوار، تداعب الزيتون، وتعبر الليطاني، ثم تصعد إليك محملة بأسماء الذين أحبوا هذه الأرض أكثر مما أحبوا أعمارهم.
لهذا لا تنظري إلى ما فوق أسوارك اليوم.
ًانظري إلى ما تحتها.
هناك الجنوب كله.
هناك الحكاية التي لم تنته.
أما الباقي.
فمجرد عابر آخر يكتب اسمه على الماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك