كشفت دراسة دولية شاركت فيها" بي بي سي ميديا أكشن"، وشملت أكثر من 2800 عامل وعاملة في القطاع الإعلامي عبر 21 دولة، أن 29% من العاملين في المؤسسات الإعلامية تعرضوا لشكل من أشكال التحرش الجنسي في بيئة العمل.
أظهرت النتائج أن النساء يواجهن معدلات أعلى بكثير من الانتهاكات، فيما بقيت 69% من الحالات من دون إبلاغ رسمي، ما يعكس فجوة كبيرة بين حجم المشكلة وآليات التعامل معها داخل المؤسسات الإعلامية.
تستند هذه النتائج إلى عينة شملت 2878 من المتخصصين في مجال الإعلام، موزعين على 21 دولة تمتد عبر أفريقيا جنوب الصحراء، والمنطقة العربية، وجنوب شرق آسيا، وأوكرانيا.
شملت العينة 1630 امرأة (بنسبة 57%)، و1090 رجلاً (38%)، إلى جانب 158 من الأفراد غير النمطيين جندرياً (5%).
وعلى الرغم من أن النسبة العالمية للتحرش الجنسي في غرف الأخبار بلغت 29% في عام 2025، مسجلة انخفاضاً طفيفاً عن نسبة 34% المسجلة في عام 2020، إلا أن هذا الانخفاض يعكس في جزء منه التغير في الدول المشمولة بالاستطلاع أكثر من كونه تحسناً جذرياً في بيئات العمل.
عند تفكيك الأرقام، تتضح الطبيعة الممنهجة والموجهة للتحرش داخل المؤسسات الإعلامية؛ إذ إن التحرش اللفظي هو الشكل الأكثر شيوعاً، فطاول 45% من إجمالي المشاركين.
ومع ذلك، فإن الفجوة الجندرية صارخة: 60% من النساء أبلغن عن تعرضهن للتحرش اللفظي، ما يجعلهن عرضة لهذا الانتهاك بمعدل 2.
4 مرة أكثر من زملائهن الرجال (25%)، فيما بلغت النسبة 39% بين الأفراد غير النمطيين جندرياً.
ولا يقتصر الأمر على التحرش اللفظي؛ فقد امتدت الانتهاكات إلى الفضاء الرقمي، إذ أفادت 48% من النساء بتعرضهن للتحرش الإلكتروني مقابل 28% من الرجال، لتكون النساء أكثر عرضة بمعدل 1.
8 مرة.
أما التحرش الجسدي، فقد سجل نسبة عالمية بلغت 25% (مقارنة بـ22% في 2020)، فواجهته 32% من النساء مقارنة بـ15% فقط من الرجال، و24% من الأفراد غير النمطيين جندرياً.
وفي ما يتعلق بجرائم الاغتصاب في بيئة العمل، فقد شكلت 5% من إجمالي الحالات الموثقة، بواقع 5% للنساء، 4% للرجال، وقفزة مقلقة تصل إلى 12% بين الأفراد غير النمطيين جندرياً.
تمثل نسبة 69% من الحالات التي لا يُبلَغ عنها جداراً من الصمت داخل المؤسسات الإعلامية.
تكشف الأرقام أن 33% فقط من النساء اللواتي تعرضن لتحرش لفظي أبلغن إداراتهن، مقارنة بـ29% من الرجال، و53% من الأفراد غير النمطيين جندرياً.
تتعدد أسباب هذا العزوف عن الإبلاغ، وتتصدرها المخاوف المهنية والقصور الهيكلي؛ فقد عزا 20% من الضحايا صمتهم إلى الخوف من التأثير السلبي في وظائفهم، بينما أشار 19% إلى غياب آليات الإبلاغ الواضحة في مؤسساتهم.
وفي مؤشر خطير على تطبيع الانتهاكات، اعتبر 18% أن" الأمر ليس مهماً بدرجة كافية" للإبلاغ عنه.
كذلك برز الخوف من انتقام الجاني (12%)، وعدم الثقة في تصديق المؤسسة للضحية (11%)، والخوف من فقدان الوظيفة تماماً (10%) كعوامل رئيسية تكرس ثقافة الإفلات من العقاب.
وتختلف مبررات الصمت باختلاف الجنس، إذ يميل الرجال إلى تقليل أهمية الحادثة (26% مقابل 16% للنساء)، بينما تشير النساء إلى غياب الآليات المؤسسية للإبلاغ (20% مقابل 15% للرجال).
وحتى في الحالات القليلة التي يُكسر فيها الصمت، تأتي الردود المؤسسية مخيبة للآمال.
أفاد 35% ممن أبلغوا عن حوادث التحرش أن مؤسساتهم لم تتخذ أي إجراء على الإطلاق.
وفيما ذكر 51% أن الإجراءات تتخذ" أحياناً أو في الغالب"، أكد 14% فقط أن مؤسساتهم تتخذ إجراءات حاسمة ودائمة عند تلقي الشكاوى.
وعندما تتحرك المؤسسات، تتركز إجراءاتها على التدابير التأديبية السطحية؛ فاقتصر الإجراء الأكثر شيوعاً (36%) على توجيه تحذير للجاني، ورُفضت القضية بعد المراجعة في 15% من الحالات، ونقل الجاني إلى قسم آخر في 14%.
في المقابل، تراجعت الإجراءات الداعمة للضحية، فلم يتجاوز تقديم الدعم المهني أو النفسي 12%، وتوفير التدريب للموظفين 10%، ما يشير إلى فشل هيكلي في تبني نهج يتمحور حول حماية ودعم الناجين.
تُظهر البيانات أن التحرش ليس مقتصراً على استغلال النفوذ الهرمي فحسب، بل يتغلغل في العلاقات الأفقية بين زملاء العمل.
احتل زملاء العمل المرتبة الأولى في قائمة الجناة بنسبة 34% من مجمل الحالات المسجلة.
وجاءت المصادر الإخبارية في المرتبة الثانية بنسبة 18%، تلاها المشرفون المباشرون بـ16%، ثم الإدارة العليا بـ13%، فيما بقي 13% من الجناة مجهولين (ترتفع هذه النسبة إلى 29% في حالات التحرش الرقمي).
تتسع دائرة الصمت لتشمل شهود العيان أيضاً؛ فقد أفاد 28% من المشاركين بأنهم شهدوا حوادث تحرش جنسي في أماكن عملهم، إلا أن 34% منهم فقط بادروا بالإبلاغ.
برر ثلث الشهود الصامتين (30%) موقفهم بالخوف من العواقب، بينما قلل 20% من أهمية الحدث، وأشار 20% إلى أن الضحية ذاتها طلبت منهم عدم الإبلاغ.
ويعمق غياب الوعي والتدريب أزمة التحرش في الإعلام، فأقر 77% من المشاركين بأنهم لم يتلقوا أي تدريب يتعلق بمكافحة التحرش الجنسي، بل إن 37% لم يسمعوا قط بوجود سياسة لمكافحة التحرش في مؤسساتهم، و45% يعلمون بوجودها، لكنهم لم يتلقوا أي تدريب لفهمها وتطبيقها، لتبقى نسبة من يدركون السياسة وتلقوا تدريباً حولها محصورة في 18% فقط.
وقد تلقى 40% من المتدربين تدريباتهم داخلياً، و35% عبر جهات خارجية، و25% عبر منظمة WAN-IFRA WIN.
لا يمكن فصل هذه الأرقام عن السياق القانوني والسياسي العالمي.
فبينما شهدت دول مثل بوتسوانا وملاوي وأوكرانيا ومصر والأردن وإندونيسيا إصلاحات قانونية وعمالية لدعم الضحايا (مثل حماية سرية هوية المبلغين في مصر، والحق في ترك العمل مع الاحتفاظ بالتعويضات في الأردن)، تفتقر دول أخرى مثل جنوب السودان وبنغلادش وإثيوبيا إلى سياسات عمل حازمة.
إلى جانب ذلك، يتفاقم الوضع في مناطق النزاع والاضطرابات السياسية، حيث يواجه الصحافيون في فلسطين ولبنان وأوكرانيا وميانمار والصومال مخاطر مضاعفة تهدد سلامتهم، ولا سيما مع توثيق مقتل 260 عاملاً في الإعلام في مناطق مثل غزة ولبنان واليمن وغيرها منذ 2023.
كل هذه الأرقام تدل على أن نسبة 69% من الحالات غير المبلغ عنها هي انعكاس لانعدام الثقة المؤسسية، وتؤكد حاجة القطاع لبيئة تدعم الضحايا وتحاسب الجناة بفعالية وشفافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك