يتساءل غير قليل من المصابين بالضائقة المازوشية، عن دلالة غياب أعمال رواية وشعرية ترقى إلى مستوى العذابات والمحن، التي تُحكِم قبضتها على عنق العالم العربي.
كما لو أن عذابات الواقع لم تعد تكفي للتّنكيل بشعوبه.
هكذا أصبح المبدعون عامة مُجبرين على تحمُّل قسوة َ رؤيةٍ كابوسية، من خلال انكبابهم القسريّ على تدبير نصوص دموية، تضطلع بإنجاز مهام التنفيس، والتصعيد، والتحويل.
لكن وقبل ذلك، هل ثمة عذابات أكثر شراسة، وأكثر إيلاما مما تعودنا عليه حاليا في جرائم الإبادات وجحيمها؟نحن إذن بصدد فِريةِ التغني بمآسٍ، يسهر على تسويقها الكثير من الكتابات القديمة والمعاصرة، التي تحُثّ القارئ على ممارسة فن التعايش معها باعتبارها، منبعا للإشراق والسعادة الباطنية، والوعي بالذات وبالآخر، فيما هي في الواقع، محضُ أقراص مهدئة مُعَدّة بعناية فائقة لفرض تعايشٍ قسريّ مع ما لا يطاق، وما لا يحتمل.
وبالتالي، فلا مناص من امتثال القارئ ذاته، لضراوة ذلك التوجس، المهيمن على علاقته بمحيطه الخاص والعام، القريب والبعيد.
هنا تحديدا، تكون الذات مدعوة لترجمة ما ينتابها من قشعريرة الفزع وحُمّاه، بمعجم أكثر أناقة، حرصا منها على التظاهر بنوع من التماسك، والنضج السيكولوجي والحضاري، من قبِيل الحذر والارتياب، والحيطة.
وبالتالي، فإن القول بقدَرِ تحمل لازمة الألم الإنساني، ليس في واقع الأمر، سوى إيماءٍ ضِمنيٍّ إلى علاقة غير متكافئة، بين كائنات جحيميةٍ، تمارس طاغوتها على أخرى، مهَدَّدة بواقع التغييب المطلق لمفهوم العدالة الإنسانية.
وهي المعادلة المستبِدة بحركية العلاقات البشرية غير المتكافئة، التي كانت وستظل مدار المقاربات الفلسفية، حيث تحضر حالة من الإحساس بالاضطهاد لدى الكائن، في علاقته بأرواح السماء المتعالية، كما بغِيلان الشر، التي تكتظ بها الأكوان اللامرئية والمرئية على السواء.
علما بأن هوسَ إنزال الأذى بالآخر، لا يتقيد بزمن محدد ومعلوم.
إنه وخلافا لذلك، يمتلك القدرة على التنقل المرِن والسلس بين الأزمنة بأبعادها الفردية والجماعية.
فقد يفِدُ على الذات من ماضيها، كما يرِدُ عليها من حاضرها أو مستقبلها، حيث هناك ثمة ما سبق له أن كان، ومما هو محتمل أن يكون.
بهذا المعنى، تغدو جرثومة الإيلام وإنزال الأذى بالآخر، شبيهة بعدوانية شبح لا يكف عن تعقُّب خطاك.
كما أن حتمية حضوره مكانيا وزمانيا، هي مصدر ما يمتلكه من رهبة تحَوّل معها إلى توأم جِينِيٍّ، قابل للاستمتاع بتناسخه اللانهائي، أو بالأحرى إلى واقع أصلٍ يذكِّر الذات بعجزها الدائم عن الوجود في المكان المناسب.
كما لو أن الكائن مصاب دائما بذلك العمى الأسطوري، الذي يتعمد تضليلَه وصرفَه عن فُرص تَمثُّلِ مساراته الصحيحة، التي يمكن أن يمارس فيها ما تيسّر من حضوره.
هكذا إذن، سيكون عليه أن يتمظهر في صورة أصل، تتفرع عنه كل خطابات المجاهدة والمكابرة، وإلى مُحَفّز رمزي للهروب إلى ملاذات التمنِّي، بحثا عن إبدالات الخلاص.
يُستشف من ذلك، أن تفاقم حالة الإحساس باحتمال وقوعك في قبضة الأذى، ناتج عن وجودك في المكان الخطأ، والمنحرف بشكل أو بآخر عن وجهة المكان الذي أنت معنِيٌّ بالوجود فيه، سواء عن قناعة شخصية، أو نتيجة استجابة آلية لأمر قد يكون صادرا من جهة ما مجهولة أو معلومة.
علما بأن المكان هنا، لا يحيل بالضرورة على دلالة طوبوغرافية، بقدر ما هو مؤشر على وضعية جسدية وسيكولوجية، ذات صلة ما بمنعطف لا حضاري ولا تاريخي من متاهات المعيش، حيث كلّ انحراف مقصود أو قسري عن هذا المكان، من شأنه الإيغال في تفجير حالة التيه المُتَبّلة بضراوة الفقد.
لذا، ستصبح مقولة تقبّل الأذى والتّغني به ضربا من التكيف المقيت مع تعاليم الشر، بمختلف تجلياتها، مع التذكير بأننا لسنا هنا بصدد الخوض في عبثية التصدي لقَدر المحو والإقصاء، بقدْر ما نشير إلى زبانية القتل التي لا مناص لك من ردعها، بما يفوق شراسة القتل الكامن فيك، بعيدا عن المطارحات الميتافيزيقية ذات الصلة بالألم الروحي والفلسفي، الذي يُجبر الكائن على معاناته، من دون أن يقْوى على مواجهة سلطة الأقدار المتعالية، غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هنا، هو أن الأنظمة المتسلطة تتخذ من الآلام الروحية المسلطة بشكل أو بآخر على الشعوب، وسيطا مركزيا لتمرير عنفها.
فمَن يتقبل بَأْس السماء والأقدار ومكائد الدهر، لن تعوزه القدرة على تقبل مختلف أنواع العسف، والظلم، والأذى.
إن همجية التسلط، بالنظر لما تُدٍرّه من ربح على زبانيتها، والمجسدة في تأجيجها الممنهج لحالات الرُّهاب، عبر إدمان زرعها لجراثيم الكراهية، وتحديثها لتكنولوجيا الإبادة، أقول، هذه الهمجية الرعناء، تُرفِد الذاكرة بأهوال ما ترتكبه من جرائم، كما ترفد العيادات النفسية بأفواج متتالية من ضحاياها، بما يشجع سَدَنتها على تحويل نسبة هائلة من فضاءاتها، إلى محمياتٍ حَجْريّة تطمئن بها على تجذير حالة الارتياب في دواخل نزلائها، حيث تتضاعف تعقيدات التفاعل سواء مع الذات، أو مع الآخر.
إن الهمجية لا تعبأ عادة بمقولات الديمقراطية، ولا بالتشريعات، ولا بالمواقيت.
إنها العدوانية الجارفة التي تمتلك وسائطها السرية لتعطيل كل أداة تدّعي لنفسها القدرة على تحقيق منْجز له صلة من قريب أو بعيد بالعدالة الإنسانية.
وهو ما يؤدي إلى تعتيم مفهوم الحقيقي والمزيف.
وفي حالة تسليمنا بكون العدالة في علاقتها بالحقيقي، والزائف، أمر متاح للجميع، غير أن الفئات المستأسدة من هذا «الجميع»، غالبا ما تبدو بعيدة كل البعد عن كل ما يصلها بحقائق العدالة وحيثياتها، والشيء ذاته يصدق عن الذوات المصابة بعقدة الاضطهاد، والتي لا يمكن بحال أن تكون مؤهلة للتفكير بصورة سليمة، تمكّنها من تمييز ما هو حقيقي عمّا هو باطل وزائف.
وهي الظاهرة المهيمنة على العقل العربي، التي تجعله عرضة دائمة للتوجس والقلق واللاطمأنينة.
وكلها عوامل من شأنها إحداث تشويش هائل في الرؤية الموضوعية لحقائق الأشياء.
كما تُحدث تأثيرها البالغ على آليات الفهم والتفاعل.
فضلا عن كونها تُعمّق لدى الملاحظ ظاهرة الإحساس بحالة مزمنة من العبث الملازم لمقاربة بنية هذا العقل.
وهي المعبر عنها بمقولات وقوالب ثابتة، ما فتئت تمارس هيمنتها على الخطابات المختصة.
والحال أن العقل فقدَ عمقه الإنساني الذي طالما كان موضوع احتفاء من قبل الفلاسفة والمفكرين، حيث عمّت مكوناتِه حالةٌ مهولة من التشظي والتفكك، ما أدى تدريجيا إلى إحداث حالة مهولة من التنابذ بين وظائفها التي أمست، لكل منها منهاجيتها الخاصة في توجيه آليات تأويله وتأطير أبعاده.
وفي خضم هذا التنابذ المهول، ستطفو على السطح ظاهرةُ الانجذاب إلى مخاطر الأخبار المضللة أكثر من الانجذاب إلى مخاطر الأخبار الحقيقية، حيث ستؤول سلطة المبادرة في هذا السياق، إلى منابر التدليس وبؤرها الضاجة بالإيهام والتزييف، على حساب التجاهل التلقائي لما يحدث فعليا وحواليك، هنا والآن.
هكذا، وأمام سيل جارف من نثار المعلومة الملتبسة وشتاتها، تنتحل الهوياتُ لغاتِ أضدادِها، وتكتمل شروط ذلك التحشيد المريب.
وثمة تحديدا، تصطخب تلك الوضعية المشبوهة والمريبة في آن، والمعبر عنها بعلّة الانتشاء المسرف بمكر الخلط ولؤمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك