حذّر الاتحاد الدولي لنقابات العمال، اليوم الاثنين، من استمرار التدهور في أوضاع حقوق العمال حول العالم، مؤكداً أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الدول النامية أو الأنظمة السلطوية، بل امتدت إلى ديمقراطيات كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا، في مؤشر على أن التراجع بات ظاهرة ممنهجة على المستوى العالمي.
ووفق النسخة الثالثة عشرة من المؤشر العالمي للحقوق النقابية لعام 2026، فإن دولاً كانت تُعد مستقرة في السابق، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، باتت تسهم في تصاعد القمع ضد العمال والنقابات، بما يكشف عن هجوم ممنهج على الديمقراطية وحقوق العمل.
وأُدرجت الولايات المتحدة على" قائمة المراقبة" فيما تساهم الهجمات على حريات العمال في تسريع تآكل الديموقراطية".
ويعود السبب في ذلك إلى" فرض قيود على المفاوضات الجماعية واللجوء إلى استخدام القوة ضد العمال"، أما فرنسا فسجّلت" أسوأ تصنيف لها، وهو دليل على تراجع مستمر في حقوق العمال، ويتسم بشكل خاص بقمع النقابيين وفرض قيود على التظاهرات".
وأشار التقرير إلى أن حقوق العمال تشهد تراجعاً متواصلاً في مختلف أنحاء العالم، إذ يُحرم عدد متزايد من العمال من الوصول إلى العدالة، أو يتعرضون للاعتقال والاحتجاز والعنف، فضلاً عن القيود المفروضة على حرية التعبير والتجمع.
ويصنف الاتحاد الدولي لنقابات العمال 151 دولة استناداً إلى 97 مؤشراً مستمدة من اتفاقيات منظمة العمل الدولية واجتهاداتها القانونية.
وسجلت كل من أوروبا والأميركيتَين أسوأ متوسط تقييم منذ إطلاق المؤشر عام 2014، ما يؤكد أن الأزمة أصبحت ذات طابع هيكلي ومنهجي.
ولفت التقرير إلى أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا ترافق مع تنامي العداء تجاه النقابات العمالية وأعضائها، فيما شهدت دول عدة تراجعاً ملحوظاً في أوضاع العمال، أبرزها الأرجنتين التي انضمت إلى قائمة أسوأ الدول في العالم للعمال بعد تراجع تصنيفها بحدّة خلال عامين فقط.
ويحرم 72% من دول العالم العمال من الوصول إلى العدالة، وهو أعلى مستوى مسجل حتى الآن، فيما أقدمت نصف الدول على اعتقال أو احتجاز عمال، كما ارتفعت الاعتداءات على العمال بنسبة 6% خلال عام 2026.
وسجلت الهجمات على حرية التعبير والتجمع زيادة بنسبة 5%، وأصبحت تُرصد في 50% من دول العالم، وهو رقم قياسي جديد.
كذلك ارتفعت انتهاكات الحريات المدنية بنسبة 3%، مع تزايد استهداف القيادات النقابية عبر الاعتقالات والملاحقات، وحتى القتل في بعض البلدان.
وتضم قائمة أسوأ عشر دول في العالم من حيث حقوق العمال لعام 2026 كلاً من الأرجنتين وبيلاروسيا والإكوادور ومصر وإسواتيني وميانمار ونيجيريا وبنما وتونس وتركيا، فيما انضمت الأرجنتين وبنما حديثاً إلى هذه القائمة.
في المقابل، أشار التقرير إلى تحسن أوضاع عدد محدود من الدول، بينها بوتسوانا والمملكة المتحدة وأوروغواي، فيما برزت ثماني دول باعتبارها الأكثر احتراماً للحقوق النقابية، معظمها في أوروبا إضافة إلى أوروغواي.
وقال التقرير: " إن ما نشهده هو نتيجة هجوم منسق على الديمقراطية، أشبه بانقلاب تقوده النخب الثرية ويدعمه قادة سياسيون، يهدف إلى انتزاع الحقوق وإسكات العمال وإعادة تشكيل الاقتصادات لمصلحة قلة نافذة"، وأضاف: " لكن العمال ونقاباتهم يقاومون.
فالنضال من أجل حقوق العمال هو في جوهره نضال من أجل الديمقراطية نفسها، ومن أجل الحقوق والأمان وسبل العيش.
ومن دون نقابات قوية لا يمكن أن توجد ديمقراطية حقيقية".
مصر ضمن أسوأ عشر دول للعمالحافظت مصر على موقعها ضمن قائمة أسوأ عشر دول في العالم بالنسبة لحقوق العمال، إذ أشار التقرير إلى استمرار السلطات في عرقلة عمل النقابات المستقلة وتعزيز احتكار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الخاضع للدولة.
ووفق التقرير، لم تتمكّن 14 نقابة مستقلة على الأقل من ممارسة نشاطها حتى عام 2026 بسبب العراقيل الإدارية والقانونية، ما حرم العمال من التمثيل النقابي المستقل.
كما تفرض السلطات متطلبات توثيق معقدة ومبالغاً فيها، وأخرت أو رفضت منح شهادات التسجيل، كما امتنعت عن تسجيل أي نقابة جديدة إذا كانت هناك نقابة قائمة بالفعل في المؤسسة أو القطاع نفسه.
ولا تزال شروط تأسيس الاتحادات النقابية مرتفعة وغير واقعية، إذ تشترط وجود ما لا يقل عن 15 ألف عضو موزعين على عشر نقابات على الأقل.
كما يُستند إلى نص دستوري ينص على عدم جواز وجود أكثر من كيان نقابي ممثل للمهنة الواحدة لتبرير رفض الاعتراف القانوني بالنقابات المتعددة، ما يعزز احتكار الاتحاد الرسمي.
وأشار التقرير إلى أن العمال الذين يحاولون تأسيس نقابات مستقلة أو الانخراط في المفاوضات الجماعية يواجهون مخاطر الفصل أو النقل التعسفي، فيما يتعرض بعض الناشطين للاعتقال أو الملاحقة بتهم مرتبطة بالإرهاب بسبب نشاطهم النقابي.
كما وصف تدخل الدولة في الانتخابات النقابية وإدارة النقابات بأنه" واسع النطاق ومنهجي"، مؤكداً أن مناخ الخوف والانتقام ساهم في انتشار ممارسات غير عادلة وظروف عمل خطرة على حساب العمال.
وأكد التقرير أن الحقوق العمالية الأساسية في مصر لا تزال غير مضمونة، في ظل استمرار القيود على العمل النقابي المستقل والتعرض للعقوبات بسبب النشاط الجماعي والتنظيم النقابي.
تونس: تضييق متواصل على النقاباتكما أبقى التقرير تونس ضمن قائمة أسوأ عشر دول في العالم بالنسبة للعمال، مشيراً إلى استمرار الضغوط على النقابات وتراجع الضمانات المتعلقة بالحريات النقابية والحوار الاجتماعي.
وبحسب التقرير، تعرض الحق في المفاوضة الجماعية خلال عام 2025 لضغوط متزايدة، فيما واجهت النقابات وقياداتها أشكالاً مختلفة من الترهيب والتعطيل.
وأشار التقرير إلى أنّ مشروع قانون المالية المعروض في أكتوبر/تشرين الأول 2025 استبعد مفاوضات الأجور من نطاق المفاوضة الجماعية، وهو ما اعتُبر خطوة إضافية نحو تقويض حقوق العمال، كما أدى تعليق عمل لجان المصالحة وشلل المجلس الوطني للحوار الاجتماعي إلى إضعاف آليات تسوية النزاعات العمالية، فيما توقفت المفاوضات في عدد من القطاعات الرئيسية بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول 2025، بالتزامن مع تعليق الإجازات النقابية ووقف تحصيل الاشتراكات.
وأضاف التقرير أن الحكومة ألغت اجتماعات كانت مقررة مع الاتحاد العام التونسي للشغل بشأن إضرابات مرتقبة في قطاعي الزراعة ونقل الأنابيب، وهو ما اعتبره الاتحاد انتهاكاً لمبادئ الحوار الاجتماعي.
وأشار التقرير كذلك إلى أن سحب الإجازات النقابية وإلغاء التفويضات التمثيلية والتهديد بوقف تحصيل الاشتراكات شكلت إجراءات مباشرة لإضعاف قدرة النقابات على أداء دورها.
وفي أغسطس 2025، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل تنظيم احتجاجات واسعة بعد إلغاء الإجازات النقابية، فيما شهدت الفترة ذاتها توترات بلغت حد محاولة الاعتداء على مقر الاتحاد.
كما أدى إلغاء نظام التفرغ النقابي في القطاع العام إلى حرمان عشرات المسؤولين النقابيين من ممارسة مهامهم بشكل كامل، ما انعكس على سير العمل النقابي في قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة.
وفي يوليو/تموز 2025، واجه إضراب في قطاع النقل للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل تهديدات هدفت إلى الحد من أي تحركات عمالية مستقبلية، فيما تحدثت تقارير عن تدخلات أمنية أعاقت المشاركة في فعاليات داعمة للنقابات.
وخلص التقرير إلى أن تونس ما زالت تشهد تراجعاً في أوضاع الحقوق النقابية وحقوق العمال، في ظل استمرار الضغوط على العمل النقابي وتضييق مساحة الحريات المرتبطة به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك