إيلاف - المبادرة الأوكرانية لإنهاء الحرب: زيلينسكي يقترح قمة مباشرة مع بوتين والاتحاد الأوروبي يرحب قناة الشرق للأخبار - طهران تتحدث عن ضغوط أميركية لقبول الشروط وعن بنود غامضة! وكالة شينخوا الصينية - المرشد الأعلى الإيراني يوافق على العفو أو تخفيف الأحكام عن أكثر من ألفي مدان بمناسبة عيد الغدير روسيا اليوم - أغرب أسماء المواليد في تركيا قناة الجزيرة مباشر - رئيس البرلمان اللبناني يوافق على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع انسحاب الاحتلال العربية نت - ليست أسرع ولا أكبر .. جيل جديد من الباور بانك يراهن على بطاريات أكثر أمانًا قناه الحدث - طلقات تحذيرية إيرانية لمدمرات أميركية بخليج عُمان.. ولا تأكيد من واشنطن Euronews عــربي - كيف حصل عشرات المشجعين على تذاكر مجانية لمونديال 2026؟ الدوري الإيطالي - Inhabiting the Game | Champions of #MadeinItaly with Adrien Rabiot قناة الغد - زيارة شي إلى بيونغ يانغ.. رسائل نفوذ وتوازنات إقليمية
عامة

ظلال موسكو في طاجيكستان.. مشاهد من عاصمة تحاول طلاء ذاكرتها

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 3 أيام
2

دوشنبه- لا تحتاج إلى زيارة أرشيف أو مكتب حكومي كي تشعر أن الاتحاد السوفييتي لم يغادر طاجيكستان تماما. يكفي أن تمشي في شارع رودكي بالعاصمة دوشنبه، أن تتأمل اتساع الأرصفة وانتظام الحدائق وصرامة بعض الوا...

ملخص مرصد
تحاول العاصمة الطاجيكية دوشنبه الجمع بين ماضيها السوفييتي وهويتها الوطنية المستقلة، إذ تظهر رموز الدولة الجديدة جنبًا إلى جنب مع آثار الحقبة السوفييتية في شوارعها. اللغة الطاجيكية تحتل المكانة الرسمية، لكن الروسية تظل لغة الحياة اليومية بسبب العلاقات الاقتصادية مع روسيا، حيث يعمل مئات الآلاف من الطاجيك هناك سنويًا. المدينة تعيد تشكيل ذاكرتها من خلال رموز ثقافية وعملة وطنية تحمل شخصيات تاريخية، لكنها تحتفظ بلمسات الماضي في تفاصيلها المعمارية واللغوية.
  • دوشنبه تجمع بين رموز الاستقلال السوفييتي والهوية الطاجيكية في شوارعها.
  • الروسية لغة حياة يومية رغم الطاجيكية الرسمية بسبب العلاقات الاقتصادية مع روسيا.
  • عملة الساماني تحمل شخصيات تاريخية لتعزيز الهوية الوطنية بعد الاستقلال.
أين: دوشنبه، طاجيكستان

دوشنبه- لا تحتاج إلى زيارة أرشيف أو مكتب حكومي كي تشعر أن الاتحاد السوفييتي لم يغادر طاجيكستان تماما.

يكفي أن تمشي في شارع رودكي بالعاصمة دوشنبه، أن تتأمل اتساع الأرصفة وانتظام الحدائق وصرامة بعض الواجهات القديمة، ثم ترفع عينيك قليلا فترى رموز طاجيكستان الحديثة وقد أخذت مكانها في قلب العاصمة.

المدينة تبدو كأنها تحاول أن تقول شيئين في الوقت نفسه: نحن دولة مستقلة، لنا علمنا ولغتنا ورموزنا، لكننا أيضا لم نخرج من الماضي كما يخرج المرء من غرفة ويغلق الباب خلفه، فالماضي لا يقف في المتاحف فقط، بل يمشي مع الناس في الشارع، يظهر في كلمة روسية عابرة وفي مبنى قديم ومدرسة ولافتة وحديث سائق سيارة أجرة عن ابن يعمل في موسكو.

دوشنبه ليست مدينة صاخبة.

إيقاعها هادئ، وربما لهذا تبدو التفاصيل أوضح.

في الصباح، حين تخف حركة السيارات وتلمع الشوارع الواسعة تحت ضوء بارد، تشعر أن المدينة مصممة للمشي والتأمل.

ليست كل مبانيها جميلة، وليست كلها حديثة، لكنها تحمل خليطا لافتا: شيء من الذاكرة السوفييتية، وشيء من طموح الدولة الجديدة، وشيء من روح آسيوية وسطى لا تشبه غيرها تماما.

يحمل الشارع الرئيسي اسم رودكي، الشاعر الكبير الذي تستعيده طاجيكستان بوصفه رمزا للغة والهوية والثقافة.

الاسم وحده يقول الكثير.

كأن العاصمة تريد أن تبدأ حكايتها من الشعر لا من السياسة، من الجذور الفارسية – الطاجيكية لا من سنوات موسكو.

لكن وأنت تمشي في هذا الشارع نفسه، ستسمع الروسية حولك.

ليست بالضرورة لغة رسمية تقف على منصة، بل لغة حياة يومية.

كلمة في متجر، جملة بين شابين، حديث قصير مع سائق، أو إعلان صغير في مكان ما.

الطاجيكية حاضرة بقوة، لكنها لا تطرد الروسية من المشهد.

اللغتان تتجاوران كما تتجاور طبقات المدينة نفسها.

شارع باسم شاعر طاجيكي عظيم، لكنه ما زال يُسمع فيه صدى لغة موسكو.

بالطبع ليس صدى استعماريا، ولا حنينا كاملا إلى الماضي، بل واقع عملي.

الروسية هنا ليست فقط بقايا قديمة، بل مفتاح عمل ودراسة وسفر وعلاقة طويلة لم تنقطع.

ومن المفارقات التي يلتقطها الزائر مبكرا أن اللغة الطاجيكية، رغم جذورها الفارسية القريبة من العربية والفارسية، تُكتب اليوم بحروف كيريلية شبيهة بالحروف الروسية.

على اللافتات وأسماء الشوارع وواجهات المتاجر، تقرأ لغة من عائلة فارسية، لكن بعين ترى شكلا سوفييتيا للحروف.

هذه وحدها تختصر طبقة كاملة من التاريخ: هوية محلية وروح فارسية، لكنها مرت عبر بوابة موسكو, فبقي أثرها حتى في طريقة كتابة الكلمات اليومية.

رموز جديدة فوق أرصفة قديمةفي وسط دوشنبه، تبدو الرموز الوطنية حاضرة بقوة.

العلم الطاجيكي، تمثال إسماعيل الساماني، أسماء الشعراء والقادة التاريخيين، المتاحف والحدائق والساحات التي تقول إن البلد يبني ذاكرته الخاصة بعد الاستقلال.

لكن العين، وهي تتحرك بين هذه الرموز، لا تستطيع تجاهل الخلفية.

هناك مبان عريضة بملامح سوفييتية وواجهات مستقيمة وكتل خرسانية ثقيلة ومساحات عامة واسعة تذكرك بأن المدينة الحديثة وُلدت، في جزء مهم منها، داخل تخطيط سوفييتي.

في هذا المشهد لا تمحو طاجيكستان الماضي بالكامل، ولا تتركه يحكم الصورة وحده، إنها تضع فوقه طبقة جديدة: رموز وطنية أكثر وضوحا، لغة طاجيكية في الواجهات الرسمية، ومشروعات عمرانية تقول إن العاصمة تريد أن تبدو أكثر حداثة وفخامة.

كزائر، قد تشعر أحيانا أن دوشنبه تعيد طلاء ذاكرتها، لا تهدم كل شيء، ولا تحفظ كل شيء، إنها تختار ما تريد أن تبرزه، وتترك أشياء أخرى خلف الواجهة، أو في أطراف الصورة.

في المقاهي والمتاجر وسيارات الأجرة، تبدو الروسية لغة نافعة أكثر منها لغة ماض.

ربما لا يتحدثها الجميع بالدرجة نفسها، لكنها حاضرة بما يكفي لتفهم أنها لم تتحول إلى ذكرى بعيدة.

قد يبدأ الحديث بالطاجيكية، ثم تدخل كلمة روسية كأنها جزء طبيعي من الجملة.

وقد تجد شابا يستخدمها لأنه درس بها، أو عاملا يعرف أنها تفتح له بابا في سوق العمل الروسي، أو عائلة تريد لأبنائها أن يتعلموها لأنها تفيدهم.

في طريق العودة إلى الفندق، بعد يوم طويل من جلسات مؤتمر دوشنبه الدولي للمياه، بدت اللغة الروسية حاضرة لا في القاعات الرسمية، بل في تفاصيل الحياة اليومية.

حاولنا أن نشرح وجهتنا لسائق الأجرة بالإنجليزية، لكنه لم يلتقط شيئا تقريبا.

ولولا صحفية كازاخية كانت ترافقنا، وتدخلت لتشرح له المكان بالروسية، لبقينا ندور في حلقة من الإشارات والعبارات المبتورة.

ما إن نطقت بالروسية حتى تبدل المشهد؛ فهم السائق الوجهة على الفور، وانطلقت السيارة بهدوء في شوارع العاصمة.

لا تبدو الروسية منافسة مباشرة للهوية الطاجيكية، بل أداة يعيش بها الناس في منطقة معقدة.

اللغة التي جاءت مع الاتحاد السوفييتي بقيت بعده لأنها ارتبطت بالرزق والتعليم والحركة.

ولذلك، لا يمكن فهم حضورها من الشارع بوصفه حنينا فقط، بل بوصفه واقعا اقتصاديا واجتماعيا.

وأنت تستمع إلى هذه اللغة في مدينة تحمل أسماء رودكي والساماني، تدرك أن الهوية ليست خطا واحدا مستقيما.

هي طبقات، وبعض الطبقات القديمة لا تختفي لمجرد أن طبقة جديدة وُضعت فوقها، وهي حقيقة لا تشكل إساءة بل تعبيرا عن هوية متراكبة تشكلت عبر العصور التي مرت بها طاجيكستان.

يقول سعيدجان شفي زاده نائب رئيس إدارة الإعلام والصحافة والمتحدث الرسمي باسم وزارة خارجية جمهورية طاجيكستان للجزيرة نت إن اللغة الروسية تعد بمثابة اللغة الثانية في طاجيكستان ويتحدث بها أكثر من 90% من الطاجيك إلى جانب اللغة الطاجيكية الفارسية.

ويضيف أن بلاده لا تسعى لمحو ما بقي من الفترة السوفييتية، لكنها تسعى لتحديث البلاد بما يلائم العصر ويحافظ على الهوية الوطنية.

أكثر ما يلفت في دوشنبه أن المدينة لا تقدم وجها عمرانيا واحدا.

هناك أبنية حديثة تحاول أن تبدو براقة، وهناك مبان قديمة صامتة تقف كأنها شهود على زمن آخر.

بين هذا وذاك، تمتد شوارع واسعة وحدائق منظمة، فتشعر أحيانا أنك في مدينة ما بعد سوفييتية بملامح طاجيكية واضحة.

بعض العمارة القديمة لا تبدو مدهشة، لكنها مهمة لأنها تمنح المدينة عمقها.

مبنى إداري عريض، واجهة صارمة، شرفات متشابهة، كتل سكنية بسيطة.

ليست صورا سياحية كلاسيكية، لكنها تقول شيئا عن البلد: هنا عاش الناس عقودا داخل نظام كبير، ثم خرجوا منه، لكن الجدران بقيت تروي القصة بطريقتها.

وفي المقابل، هناك واجهات جديدة، مبان أكبر، مساحات مصقولة، كأن العاصمة تريد أن تسبق ذاكرتها.

هذه المفارقة تجعل التجول في دوشنبه ممتعا لمن يحب قراءة المدن: كل زاوية تحمل سؤالا صغيرا، هل هذا من زمن موسكو؟ أم من زمن الاستقلال؟ أم من محاولة الجمع بين الاثنين؟بالحديث مع الناس قليلا، لا تبدو موسكو كعاصمة بعيدة، بل كجزء من حياة عائلية.

يخبرنا سائق سيارة الأجرة أن قريبا له يعمل في روسيا، وأنه يسعى للذهاب إليها حيث فرص العمل والأجور أفضل، فيما يتحدث صاحب المطعم عن ابن له مسافر إليها، فالهجرة إلى روسيا ليست تفصيلا خارجيا في حياة كثير من الطاجيك، إنها جزء من اقتصاد البيوت.

ففي بلد جبلي محدود الموارد، صارت روسيا بالنسبة لكثيرين امتدادا لسوق العمل، ومكانا يذهب إليه الشباب بحثا عن دخل أفضل، وربما لهذا أيضا تبقى الروسية مهمة، ولا تنقطع العلاقة بموسكو بسهولة.

هذا الوجه من الإرث السوفييتي لا تراه في مبنى أو تمثال، بل تسمعه في الحكايات.

في قلق أم على ابنها، في حلم شاب بالسفر، في بيت بُني بمال جاء من الخارج، وفي لغة يتعلمها طفل لأنها قد تفتح له طريقا يوما ما.

وبحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية، فإن مئات الآلاف من الطاجيك يعملون في روسيا سنويا، وحتى سبتمبر/أيلول 2024، غادر نحو 618 ألف طاجيكي للعمل في الخارج ذهب 98% منهم تقريبا إلى روسيا، بينما بلغت تحويلات العاملين في الخارج نحو 6.

8 مليارات دولار في 2024، بما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ولا تبدو محاولة بناء الهوية الطاجيكية بعد الاستقلال واضحة في المتاحف والتماثيل وحدها، بل تظهر أيضا في أكثر الأشياء تداولا بين الناس: العملة.

فالأوراق النقدية من فئة الساماني لا تحمل وجوها عابرة، بل شخصيات اختيرت بعناية لتقول شيئا عن البلد الذي خرج من العباءة السوفييتية باحثا عن سرديته الخاصة.

هناك إسماعيل الساماني، الذي سميت العملة باسمه، بوصفه رمزا للدولة والجذور التاريخية، ورودكي شاعر الفارسية الكبير، وابن سينا العالم والطبيب، وصدر الدين عيني أحد وجوه النهضة الأدبية الحديثة، وباباجان غفوروف المؤرخ والسياسي.

هكذا تتحول الورقة النقدية الصغيرة إلى مساحة رمزية تعيد ترتيب الذاكرة العامة؛ من رموز الحقبة السوفييتية إلى أبطال اللغة والثقافة والتاريخ، في محاولة يومية هادئة لتذكير الطاجيك بمن هم، ومن أين يأتون.

مدينة لا تعيش في الماضي ولا تنساهرغم كل هذه الظلال، لا تبدو دوشنبه مدينة عالقة بالكامل في الحقبة السوفييتية.

على العكس، هناك رغبة واضحة في بناء صورة وطنية مختلفة.

الأعلام والحدائق والرموز التاريخية والأسماء الطاجيكية والاحتفاء بالشعراء والملوك القدماء، كلها تقول إن البلد يريد أن يرى نفسه بعيدا عن كونه جمهورية سوفييتية سابقة فقط.

لكن قوة دوشنبه، وربما صدقها، أنها لا تستطيع أن تخفي كل ما مر بها.

فالمدن التي تخفي ماضيها تماما تبدو أحيانا بلا روح.

أما هنا، فالماضي يظهر ويختفي.

تراه في مبنى، ثم يقطعه تمثال وطني.

تسمعه في كلمة روسية، ثم تغطيه أغنية طاجيكية.

تلمحه في هندسة شارع، ثم تنقلك واجهة حديثة إلى زمن آخر.

هذا التداخل هو ما يجعل التجول في دوشنبه تجربة مختلفة.

ليست مدينة تبهر الزائر من اللحظة الأولى مثل عواصم سياحية كبرى، لكنها تكشف نفسها ببطء.

تحتاج أن تمشي وتلاحظ وتقارن وتسمع.

في شوارع دوشنبه، تبدو طاجيكستان كمن يمشي بلغتين وذاكرتين، فالطاجيكية تمنح المكان روحه واسمه وامتداده الفارسي، والروسية تفتح له باب العمل والتعليم والعبور إلى فضاء ما بعد السوفييت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك