العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي: كيف ننتقد الماضي دون أن نحاكم الحضارة؟قرأت مقال الأستاذة رشا عوض “العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي”، والذي تم نشره على صفحات هذه الصحيفة الغراء، باهتمام كبير.
وكعادتها طرحت أفكارها بجرأة ووضوح، وهي خصلة تستحق التقدير حتى عند الاختلاف معها.
فالأمم لا تتقدم إلا بالحوار الحر، ولا تنضج أفكارها إلا حين تتاح الفرصة لتبادل الرؤى بعيداً عن التخوين والمصادرة.
وقبل فترة نشرت على ذات الصحيفة مقالاً بعنوان: “بين مدنية الدولة والعلمانية والدولة الدينية: كيف يخرج السودان من صراع الشعارات إلى بناء الدولة؟ ”، أشرت فيه إلى حالة الخلط التي تحيط بهذه المصطلحات، وإلى أن كثيراً من النقاشات السياسية عندنا تدور حول الأسماء أكثر مما تدور حول المضامين.
ولعل هذا ما يجعل الحوار حول العلمانية والدين والدولة من أكثر الحوارات السودانية تعقيداً وحساسية.
فمصطلح “العلمانية” تحديداً ظل لعقود طويلة مثقلاً بحمولات نفسية وثقافية وتاريخية، ليس بسبب مضمونه الفلسفي أو السياسي فحسب، وإنما أيضاً بسبب الطريقة التي قُدِّم بها في الوعي العام.
فقد ربطته تيارات الإسلام السياسي بالإلحاد والعداء للدين، بينما تعامل بعض أنصاره أحياناً باعتباره الوصفة الوحيدة الممكنة للتقدم، الأمر الذي جعل النقاش حوله ينزلق كثيراً إلى ساحات الاستقطاب بدلاً من ساحات التفكير الهادئ.
ولعل من أعمق من تناولوا هذه الإشكالية المفكر السوداني الراحل محمد إبراهيم نقد، الذي رأى أن الدين يشكل مكوناً أساسياً من مكونات وجدان المجتمع السوداني، وأن الديمقراطية السودانية لا ينبغي أن تقوم على استنساخ التجارب الأجنبية، بل على فهم الواقع السوداني كما هو.
ولذلك فضّل الحديث عن “النظام المدني الديمقراطي” بوصفه صيغة أكثر قدرة على استيعاب التنوع السوداني وتجاوز الاستقطاب المرتبط بمصطلح العلمانية.
غير أن أكثر ما استوقفني في مقال الأستاذة رشا ليس الجدل حول المصطلحات، وإنما دعوتها إلى النظر النقدي للتاريخ ورفض تقديسه والتمييز بين صفحاته المضيئة وصفحاته المظلمة.
وهي دعوة في أصلها صحيحة؛ إذ لا يوجد تاريخ بشري معصوم من الأخطاء، ولا حضارة خلت من الإنجازات والإخفاقات.
فالأوروبيون اليوم لا يفخرون بمحاكم التفتيش، ولا يدعون إلى إعادة تجارة العبيد، ولا يتطلعون إلى استئناف الحروب الدينية التي مزقت قارتهم قروناً طويلة.
بل أخضعوا تلك التجارب للنقد والمراجعة، واستخلصوا منها دروساً ساهمت في بناء الدولة الحديثة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود تيارات داخل العالم الإسلامي ما زالت تنظر إلى بعض القضايا التاريخية بعين التمجيد المطلق، وتتعامل مع بعض الاجتهادات البشرية القديمة وكأنها جزء من الدين ذاته، فتدعو إلى استعادة نماذج تاريخية ارتبطت بظروف سياسية واجتماعية مختلفة تماماً عن واقع العصر.
لكنني أختلف مع الأستاذة رشا حين يؤدي نقد بعض هذه الظواهر إلى تحميل التاريخ الإسلامي كله وزرها، أو إلى تقديم الحضارة الإسلامية وكأنها مجرد سلسلة من مظاهر القهر والعنف والاستبداد.
فالتاريخ الإسلامي ليس كتلة واحدة، كما أن التاريخ الأوروبي ليس كتلة واحدة.
وكما لا يجوز اختزال الحضارة الأوروبية في محاكم التفتيش والاستعمار والعبودية، لا يجوز أيضاً اختزال الحضارة الإسلامية في الصراعات السياسية أو بعض الممارسات التي كانت جزءاً من السياق التاريخي لعصور مضت.
لقد قدمت الحضارة الإسلامية للبشرية إسهامات كبرى في العلوم والفلسفة والطب والرياضيات والفلك والقانون والإدارة والعمران، وأسهمت في حفظ التراث الإنساني وتطويره خلال قرون طويلة.
كما أن التجربة الإسلامية الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قدمت نموذجاً أخلاقياً وسياسياً ما زال يلهم الملايين بقيم العدل والمساءلة والشورى واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى التمييز بين الإسلام باعتباره منظومة قيم ومبادئ، وبين التجارب التاريخية للمسلمين باعتبارها اجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ.
فالفتوحات، وأنظمة الحكم، والصراعات السياسية، والعديد من التطبيقات التاريخية ليست نصوصاً مقدسة، وإنما تجارب بشرية خضعت لظروف عصرها ويمكن إخضاعها للنقد والمراجعة دون أن يعني ذلك الطعن في الدين نفسه.
بل إن من محاسن الشريعة الإسلامية أنها لم تفرض شكلاً جامداً للحكم يصلح لكل زمان ومكان، وإنما وضعت مجموعة من المبادئ الكلية التي ينبغي أن تحكم أي نظام سياسي: العدل، والشورى، والأمانة، والمساواة، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحريم الظلم، ومحاسبة الحاكم، واحترام الحقوق.
ثم تركت للناس مساحة واسعة للاجتهاد في اختيار المؤسسات والصيغ التي تحقق هذه المقاصد وفق ظروفهم المتغيرة.
وهذه المرونة ليست نقطة ضعف كما يتصور البعض، بل هي من أهم عناصر حيوية الفكر السياسي الإسلامي وقدرته على التكيف مع تطور المجتمعات.
وأتفهم إلى حد بعيد أن تكون تجربة الإنقاذ في السودان قد تركت أثراً عميقاً في كثير من المثقفين والناشطين، ومنهم الأستاذة رشا عوض.
فقد رفعت تلك التجربة شعارات إسلامية واسعة، لكنها انتهت إلى نموذج سلطوي ألحق بالبلاد أضراراً جسيمة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
غير أن العدالة الفكرية تقتضي التمييز بين الإسلام وبين تجربة الإنقاذ، تماماً كما نميز بين الديمقراطية وبين الأنظمة التي ادعت تمثيلها ثم انتهكت قيمها، أو بين الاشتراكية وبين الأنظمة التي ارتكبت باسمها تجاوزات جسيمة.
ففشل تجربة سياسية رفعت شعار الإسلام لا يعني فشل الإسلام، كما أن نجاح تجربة سياسية علمانية لا يعني صحة كل ما في العلمانية من أفكار، والعكس صحيح.
إن الأزمة الحقيقية التي يعيشها المسلمون اليوم لا تبدو في النصوص بقدر ما تبدو في العجز عن التمييز بين ما هو مبدأ خالد وما هو اجتهاد تاريخي مؤقت، وبين ما هو دين وما هو تجربة بشرية، وبين ما ينبغي استلهامه وما ينبغي أن يبقى درساً من دروس الماضي.
ولهذا فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: هل نختار هذا الشعار أو ذاك؟ ولا: هل ننتصر لهذا المصطلح أو ذاك؟وإنما: كيف نبني دولة عادلة تحترم الإنسان، وتصون الحقوق، وتمنع الاستبداد، وتخضع الجميع لسيادة القانون؟فهذا هو السؤال الذي يستحق أن ينشغل به المؤتمر الدستوري القادم، وأن يتنافس حوله المفكرون وقادة الرأي والسياسيون.
لأن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض حين تتحول القيم إلى مؤسسات، والمبادئ إلى قوانين، والوعود إلى ممارسات، والأفكار إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
فالوعي الناضج لا يقوم على التقديس المطلق للتاريخ، ولا على الإدانة المطلقة له، بل على القدرة على التمييز بين ما ينبغي تجاوزه وما ينبغي البناء عليه.
وعندها فقط يصبح التاريخ مصدراً للحكمة لا سجناً للأحياء، ويصبح المستقبل مشروعاً مشتركاً يتسع للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك