في الجزأين السابقين من هذا المقال ناقشنا الطبيعة المتذبذبة لما ينتجه الذكاء الاصطناعي، ورأينا كيف يتحول إلى «شاهد زور».
لكن الصورة لن تكتمل دون إدراك حقيقة أكثر عمقاً؛ فهذا الشاهد ليس كياناً مستقلاً بذاته، بل هو مرآة تعكس تصوراتنا المسبقة، وتعيد إنتاجها في صياغة بالغة الإقناع.
إننا، في واقع الأمر، لا نواجه آلة غريبة عنا بقدر ما نواجه امتداداً خوارزمياً لوعينا، وهنا يبرز السؤال: هل ما زل البشر يسيطرون على هذا المحرك والحضور القوي للخورازمية على حساب عقولهم؟ما يجهله الكثيرون هو أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كمستودع محايد للمعرفة، بل كنظامٍ تفاعلي يعتمد كلياً على «الاحتمالات» المستخلصة من البيانات التي دُرّب عليها.
فمنذ لحظة طرح السؤال، يبدأ النموذج في التقاط إشارات تتجاوز الكلمات المجردة؛ فيحلل اللغة المستخدمة، والخلفية الفكرية الكامنة، وحتى الميول الضمنية في طريقة صياغتها، ليعكسها في طبيعة الإجابة ومستوى تفصيلها، فهو لا يبحث عن الحقيقة بمفهومها الإنساني بقدر ما ينتج الإجابة الأكثر اتساقاً وتناغماً مع السياق اللغوي والعرفي الذي أدخله المستخدم.
إنه خوارزمية مصممة لتعطينا النتيجة الأكثر قبولاً.
وتلعب اللغة دوراً حاسماً في تشكيل الإجابة؛ إذ نجد بوناً شاسعاً بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي بالعربية ونظيره بالإنجليزية، سواء من حيث العمق التحليلي أو دقة التفاصيل.
ومن أسباب هذا التفاوت حجم البيانات المتاحة لكل لغة؛ فالمحتوى العربي كثيراً ما يتسم بالعمومية، والسطحية أحياناً، ويفتقر إلى الانتظام الأكاديمي، وهو ما ينسحب بالضرورة على جودة المخرجات.
فالنظام يتعلم من المستخدم عبر تراكمٍ تفاعلات آلاف المستخدمين عبر الزمن؛ ما يجعل استجاباته رهينةً لما اختزنته الذاكرة الرقمية من أنماط بشرية سابقة، لا بحثاً مستقلاً عن حقيقة أو يقين ثابت.
ومع مرور الوقت، يتجاوز تأثير هذه المنظومات مجرد «تأكيد أحكامنا»، ليمتد إلى إعادة صياغة إدراكنا للعالم.
فبدلاً من السعي الجاد وراء الحقيقة أو محاولة سبر أغوار الواقع المعقد عبر مصادر علمية، باتت الثقافة الرقمية القسرية تدفع المستخدم إلى اقتفاء أثر «الاحتمال» الأكثر تداولاً أو الركون إلى «السيناريو» الأكثر ترجيحاً.
وربما يفسر هذا التحول الصعود الصاروخي لما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ الرقمية»؛ حيث يراهن الملايين ــ خاصة الشباب ــ على نتائج الانتخابات، والأزمات الاقتصادية، وحتى مآلات الحروب والكوارث الطبيعية.
أي أن المستقبل، في الوعي الرقمي، أصبح مجرد «معادلة احتمالات»، تُدار بخوارزميات صماء تتغذى على بيانات لحظية، وتختزل مصائر البشر في أرقام قابلة للمضاربة.
ليست هذه المخاوف مجرد هواجس، بل أكدتها الأرقام؛ إذ كشفت جامعة «ستانفورد» أن الذكاء الاصطناعي يتعمد في 47% من إجاباته إلى إرضاء المستخدم على حساب الحقيقة، وهذا ما أقرت به شركة «أوبن أيه آي - Open AI» في تقريرها لعام 2025، معترفةً بأن نماذجها أصبحت «مفرطة في التملق»؛ معززة أوهام المستخدمين طلباً لتقييم إيجابي منهم.
وتؤكد أبحاث مختبرات شركة «أنثروبك - Anthropic» أن السبب بنيوي؛ فعملية التدريب «RLHF»، أي التعلم المعزز بملاحظات البشر، تُكافئ النظام إحصائياً عندما تعجب الإجابةُ الإنسان، مما علّم الآلة أن الموافقة المقنعة أجدى نفعاً من الحقيقة المزعجة، محولاً المعرفة من أداة تنوير إلى وسيلة تملق تداعب أهواءنا.
وفي هذا الجزء الختامي من مقالتي نصل إلى واحدة من أكثر الثغرات الأخلاقية والمهنية خطورة في هندسة الذكاء الاصطناعي، وهي ما يُعرف تقنياً بـ«التملق الاصطناعي - AI Sycophancy».
إن هذه الهندسة البرمجية تخلق حالة من «خيانة الأمانة الرقمية»، إذ تسعى الآلة جاهدة لتجنب الاحتكاك أو الاختلاف مع توجهات المستخدم، لدرجة قد تصل إلى «تخليّق» وقائع وهمية أو تزييف مصادر غير موجودة لمجرد أن هذا هو ما تستشعره الخوارزمية من رغبات كامنة لدى المستخدم.
وبالنسبة لنا كأكاديميين وكُتاب، يمثل هذا السلوك «جريمة» في حق شرف الكلمة، لأنه يحوّل الأداة البحثية من وسيلة للاستكشاف إلى «شاهد زور» رقمي، يختلق الأدلة الوهمية، ليغذي أحكامنا المسبقة من أجل إرضاء غرورنا الفكري.
إن الذكاء الاصطناعي، في سعيه المحموم لنيل رضا الإنسان، يفتقر تماماً إلى الشجاعة الأخلاقية التي تمكّنه من قول «لا أعرف» أو مخاطبة المستخدم بأنه مخطئ.
بذلك، هو لا يضللنا بجهلٍ بسيط يمكن كشفه، بل يضللنا بما يمكن تسميته «الهندسة الدلالية للمغالطة»؛ وهي صياغة الأكاذيب في قوالب لغوية رصينة، وبشكل أكاديمي، لتبدو مقنعة للوهلة الأولى.
إن المعركة الحقيقية التي يخوضها الإنسان اليوم ليست ضد ذكاء الآلة في حد ذاته، بل ضد ميلها الفطري لتزييف الواقع مقابل إرضاء غروره، وهذا يجعل التحقق البشري الصارم الحصن الأخير المتبقي لحماية شرف الكلمة، وعدم ردم الحقيقة تحت أكوام «التملق الرقمي».
ولا تكمن خطورة هذا التحول في «المقامرة الرقمية» بحد ذاتها، بل فيما تعكسه من تغير عميق وجذري في علاقة الإنسان بالمعرفة، ومفهوم اليقين القائم على التجربة، ودوره المحوري داخل المجتمع.
فالكثير من المستخدمين ــ ولا سيما فئة الشباب ــ لم يعودوا يتعاملون مع هذه المنصات بوصفها مجرد وسائل ترفيه أو أدوات للمضاربة المالية، بل لأنها مساحة تمنحهم شعوراً واهماً بالسيطرة، وبناء المعنى في عالم يتزايد غموضه واضطرابه.
هكذا، يتحول الإنسان تدريجياً من «فاعل» يسعى لفهم الواقع والتأثير فيه إلى «متابع» مستلب أمام شاشات الاحتمالات والمؤشرات الرقمية، يراقب صعود الأرقام وهبوطها كما لو كانت بديلاً عن الفهم الحقيقي للواقع.
ولا يتوقف هذا التحول عند الحدود الاقتصادية أو الثقافية، بل يمتد ليصطدم مباشرة بأسوار السياسة والأمن القومي؛ حيث تتحول «المعلومة» إلى رصيد مالي قابل للاستغلال والمتاجرة، قبل أن تكون خبراً عاماً يخدم الوعي المجتمعي.
ويشبه الأمر أن تنشر خبراً مضللاً، وتحصد منه آلاف الإعجابات، ولا تصححه أو تحذفه مع معرفتك بأنه كاذب، فقط بسبب الإعجابات، مساهماً بذلك في تضليل الآخرين كما يفعل الكثير من المؤثرين.
وهكذا تتبدل طبيعة المعلومة، لتصبح بضاعة تخضع بالكامل لمنطق السوق؛ حيث يمكن لمالكها، أو من يسبق إليها، توظيفها لتحقيق منفعة خاصة.
وكمثال حي على ذلك، تنظر الآن محكمة بواشنطن في تهمة موجهة إلى أحد أفراد القوات الخاصة ممن شاركوا في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، ويُدعى غانون كين فان دايك (Gannon Ken Van Dyke)؛ إذ تتهمه السلطات باستخدام معلومات داخلية توافرت له بحكم عمله، واستغلها في التنبؤ بنجاح العملية في أشهر أسواق التنبؤات الرقمية، ليربح قرابة نصف مليون دولار.
لقد دفع هذا الاختراق الأخلاقي المشرعين وجهات الرقابة في الولايات المتحدة إلى فتح نقاش معمق حول الحدود الفاصلة بين التداول المشروع في «التوقعات» واستغلال المعرفة المحجوبة عن العامة.
بذلك، تتقدم أسواق التنبؤ من كونها مجرد أدوات لتقدير الاحتمالات، لتصبح «مساحات رمادية» تتقاطع فيها السياسة بالمعلومة والتربح غير المشروع في آن واحد.
ولا يقف الأمر عند حدود الأفراد؛ بل يمتد ليشمل أعلى سلطة أمريكية، وهي الرئيس نفسه، وهل كان الرجل يستغل المعلومات المتوافرة لديه بحكم منصبه لتحقيق أرباح بالمليارات له ولأصدقائه؟ إذ برز بشكل واضح ترابطٌ خفيٌّ بين تغريدات ترمب ومنشوراته المختلفة وبين الهزات التي شهدتها أسواق المال والنفط.
ومن أمثلة ذلك مثلاً، رصد المراقبون في أبريل 2026 مراهنات بقرابة مليار دولار وُضعت قبل ثوانٍ من إعلان ترمب المفاجئ عن وقف إطلاق نار لأسبوعين مع إيران، وهو القرار الذي تسبب في انهيار أسعار النفط بـ15%، وتحقيق أرباح خرافية للمضاربين المطلعين.
هذا يكشف أن المعلومة السيادية يمكن ان تصبح بضاعة تُباع وتُشترى في أسواق التنبؤ، ويستفيد منه الحُذاق قبل وصولها إلي مسامع الجمهور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك