كل المقالات التي تم نشرها من قبل بالتتابع في صحيفة سودانايلمطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصلقراءةٌ في التاريخِ والتطوّرات والنتائج (1 – 12)هذا هو المقال الأول في السلسلة الثالثة من مجموعة مقالاتٍ عن قضية وانفصال جنوب السودان.
تناولت السلسلة الأولى، والتي تكوّنت من خمس مقالات، إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق – كيف تمّ التوصّل إلى كلٍ منهما، وكيف تم وأدهما.
وناقشنا في السلسلة الثانية، والتي تكوّنت من ثلاث مقالات، إعلان فرانكفورت الذي منح بموجبه إسلاميو حكومة الإنقاذ، لأولِّ مرةٍ في تاريخ السودان، شعبَ جنوبِ السودان حقَّ تقرير المصير، رغم رفض الإسلاميين قبل سنواتٍ قليلة لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق.
سوف نتناول في هذه السلسلة من المقالات مطلب جنوب السودان للنظام الفيدرالي منذ السنوات التي سبقتْ الاستقلال، وعبر مراحل الحكم المدني والعسكري التي تعاقبت على السودان منذ ذلك الوقت وحتى تاريخ انفصال جنوب السودان.
وسوف نشرح كيف قامت الأحزابُ السياسية الشمالية، وحكوماتها، وحكومات الأنظمة العسكرية المتعاقبة في الخرطوم، بالرفض التام لهذا المطلب.
وسنناقش كيف قاد ذلك الرفض المتواصل والقاطع إلى ارتفاع سقف مطالب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية، ليصلَ إلى حق تقرير المصير الذي تم انتزاعه وتفعيله في سلاسةٍ وحنكةٍ بالغتين (كما سنناقش بالتفصيل في سلسلة المقالات القادمة)، وقاد إلى انفصال جنوب السودان.
كانت كلمة الأب سترنينو لوهوري، النائب عن الدائرة 80 توريت – لاتوكا بالمديرية الإستوائية بجنوب السودان، ورئيس كتلة الأعضاء الجنوبيين، أمام البرلمان السوداني بالخرطوم في يوم الخميس 19 يونيو عام 1958 واضحةً ومتوازنةً في تصوّرها للعلاقة بين شمال وجنوب السودان.
فقد تحدّث الأب لوهوري بإسهابٍ عن التباينات والخلافات الثقافية والعرقية والدينية واللغوية بين طرفي البلاد، وأعمال لجنة الدستور التي كان قد تمّ اختياره عضواً فيها.
وطرح في تلك الكلمة بوضوحٍ وبمنطقٍ متكاملٍ موقف ومطالب السودانيين الجنوبيين السياسية التي تمثّلت في إدارة الجنوب شئونه بنفسه تحت مظلة النظام الفيدرالي.
نقتبس الفقرات التالية من تلك الكلمة الوطنية الوحدوية التاريخية المُميّزة:“إن الجنوب لا يكِنُّ أبداً نوايا سيّئة نحو الشمال.
إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شئونه المحلية في إطار السودان المُوحّد، كما أنه ليست لدى الجنوب نيّةٌ للانفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوّةٌ على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالانفصال.
فالجنوب يطالب بإقامة علاقةٍ فيدراليةٍ مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حقِّ تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر.
وسينفصلُ الجنوبُ في أيِّ وقتٍ، بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، متى أراد الشمالُ ذلك من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
”كانت تلك الكلمة الرصينة المميّزة تعبيراً حقيقياً عن رغبة جُلِّ، إن لم نقل كلِّ شعب جنوب السودان في ذلك الوقت، في البقاء تحت سماءِ ومظلّةِ وطنٍ واحدٍ، تنظّم الفيدرالية أموره السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
شملت الكلمة لفتَ نظرٍ حادٍ، لكنه مهذبٌ، ونبوأةً من رجل دينٍ تحقّقت بعد نصف قرنٍ الزمان، بسبب تجاهل الساسة الشماليين ورفضهم المتواصل لما ورد في تلك الكلمة التاريخية – مطلب الفيدرالية.
لم تكن تلك المرّةَ الأولى التي يثير فيها الساسة الجنوبيون مطلب الفيدرالية، ولم تكن الأخيرة.
لكننا اخترنا أن نفتتح بتلك الكلمة التاريخية هذه السلسلة من المقالات عن مطلب الفيدرالية لأنها كانت ملخصاً وافياً لما سبقها، وأيضاً لما تبعها، من خطبٍ ومقالاتٍ وكتبٍ وقراراتِ مؤتمراتٍ لمطلب الفيدرالية من أبناء جنوب السودان.
كان مؤتمر جوبا الذي انعقد يومي 12 و 13 يونيو عام 1947 الماطرين أولَ لقاءٍ لمجموعةٍ من أبناء شمال وجنوب السودان يتمّ في نِدِّيةٍ، وفي جوٍّ وُدّيٍ وطنيٍ.
كان الغرض من المؤتمر مناقشة العلاقات المستقبلية بين شطري البلاد.
فقد كان قانون المناطق المقفولة لعام 1922، ومذكرة السكرتير الإداري تحت عنوان “سياسة الجنوب” والتي صدرت عام 1930، قد أغلقتا مديريات جنوب السودان الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) أمام السودانيين الشماليين، تجاراً وموظفين وعسكريين ودعاةً إسلاميين وزوار.
برّرت الإدارة البريطانية ذلك الإجراء بوقف تجارة الرقيق.
وكانت الإدارة البريطانية قد أنشأت عام 1910 “قوة دفاع الجنوب” وهي فرقةٌ عسكريةٌ تكوّنت فقط من أبناء جنوب السودان للمساعدة في حفظ الأمن هناك.
ثم أعلنت الإدارة البريطانية اللغة الإنجليزية لغة العمل والتخاطب في الجنوب، ويوم الأحد العطلة الرسمية لمكاتب الدولة والمدارس التي كانت البعثات التبشيرية المسيحية قد بدأت في إنشائها في جنوب السودان.
تواصلت سياسة عزل الجنوب عن الشمال تلك في بداية أربعينيات القرن الماضي.
فقد قرّر السير دوغلاس نيوبولد، السكرتير الإداري في السودان، تشكيل مجلس استشاري لشمال السودان فقط، برئاسة الحاكم العام البريطاني للسودان، تمّ افتتاحه في 16 مارس عام 1943.
وقد تمّ استبعاد جنوب السودان تماماً من التمثيل فيه.
لكن مستقبل العلاقات بين شمال وجنوب السودن كان موضعَ نقاشٍ في ذلك الوقت بين الإداريين البريطانيين في مديريات الجنوب الثلاثة والحاكم العام وسكرتارييه الثلاثة (المالي والقانوني والإداري)، وتمخّض النقاش عن ثلاث مقترحاتٍ هي: الوحدة مع الشمال، إلحاق جنوب السودان باتحاد دول شرق أفريقيا (كينيا ويوغندا وتنجانيقا)، وضمّ أجزاءٍ من جنوب السودان إلى شماله، والأجزء الأخرى إلى اتحاد دول شرق أفريقيا.
ويبدو أن الإداريين البريطانيين في دول شرق أفريقيا لم يكونوا متحمّسين لإلحاق جنوب السودان أو أي جزءٍ منه باتحادهم لأنهم رأوا الكثير من المعوّقات لهذا المُقترح، منها مساحة جنوب السودان الواسعة، وصعوبة الترحال والتنقّل داخله بسبب المستنقعات والغابات ووعورة الطرق، بالإضافة إلى الخلافات القبلية واللغوية بين سكانه.
ومن الملاحظ أن مقترح قيام دولة منفصلة لجنوب السودان لم يكن أحد خيارات الإدارة البريطانية في الخرطوم أو في جنوب السودان.
ويبدو أنه كان هناك اقتناعٌ بين حكام المديريات الجنوبية الثلاثة بأن المعوّقات المذكورة أعلاه لن تساعد على قيام دولةٍ متماسكةٍ وقابلةٍ للاستمرار.
وقد أشار بعض الكُتّاب إلى أن أحد الأسباب التي حالت دون تفكير الإدارة البريطانية في إنشاء دولةٍ منفصلةٍ لجنوب السودان هو صعوبة تحديد ورسم الحدود بين شمال وجنوب السودان.
عليه فقد بات واضحاً للإداريين البريطانيين في السودان في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي أن سنوات حكمهم في السودان قد أصبحت معدودةً، وأن عليهم حسم مسألة علاقة جنوب السودان بشماله على وجه السرعة، وقبل أن يبدأوا في إجراءات حزم حقائبهم استعداداً للمغادرة.
وقد ساهمت الضغوط التي مارسها المتعلمون السودانيون الشماليون، سواءٌ من خلال مذكرات مؤتمر الخريجين أو حتى من داخل المجلس الاستشاري لشمال السودان نفسه، واستفسارات الحكومة البريطانية المتلاحقة من لندن، في ضرورة الالتفات إلى هذه القضية الجوهرية، والإسراع في حسمها.
لهذه الأسباب فقد أصبحت مسألة مستقبل جنوب السودان الأولى في قائمة الأسبقيات المُلِحةّ للإداريين البريطانيين في الخرطوم في منتصف الأربعينيات.
ومن هنا جاءت فكرة مؤتمر جوبا بين ممثلين من شمال السودان وجنوبه.
لكن كان واضحاً أيضاً أن الإدارة البريطانية في السودان قد خلصت في ذلك الوقت إلى ضرورة ربط الجنوب بالشمال، بصورةٍ أو أخرى، كما ورد في بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين وتقاريرهم في عامي 1946 و 1947، وكما أوضح السكرتير الإداري وقتها السيد جيمس روبرتسون حين ذكر أنه كان قد اتخذ قرار ربط الجنوب بالشمال قبل انعقاد مؤتمر جوبا.
عليه فقد كان الغرض الرئيسي من مؤتمر جوبا هو تأكيد ذلك القرار بواسطة الشماليين والجنوبيين أنفسهم، والاتفاق على خارطة طريقٍ لتنفيذه.
ترأس السيد جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري، مؤتمر جوبا، وحضره أيضاً حكّامُ المديريات الجنوبية الثلاثة، واثنان من موظفي الإدارة البريطانية في الخرطوم.
وشارك فيه من الشماليين السادة القاضي محمد صالح الشنقيطي، إبراهيم بدري، حسن عثمان، حبيب عبد الله، وسرور محمد رملي.
وقد مثّل الجنوب سبعة عشر عضواً أغلبهم من السلاطين مع مجموعةٍ صغيرةٍ من الموظفين الجنوبيين.
وكان من الشخصيات الجنوبية المعروفة التي شاركت في المؤتمر السادة فيلمون ماجوك، كلمنت أمبورو، بوث ديو، سرسيو ايرو، ادوارد أدوك، جيمس طمبرة، والسلطان لوليك لادو.
وقد لعب السيد محمد صالح الشنقيطي دوراً محورياً في المؤتمر وبذل جهداً كبيراً في شرح وإقناع القادة الجنوبيين بمزايا الوحدة بين شطري البلاد، متحدّثاً عن قطرٍ موحّدٍ قويٍ بإمكانياتٍ بشرية ومادية معتبرة.
وأكّد السيد الشنقيطي مبادئ الأخوّة والاحترام في السودان الموحّد بين كل السودانيين في شطري البلاد، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورة نسيان وتجاوز الماضي التعيس الذي سادت فيه تجارة الرقيق والاستعباد والحروب.
كما وعد أبناء الجنوب في المساواة في الأجر والعمل، وفي التمثيل المنصف في ملء الوظائف التي ستخلو برحيل المستعمر.
ساد التردّد أوساط الأعضاء الجنوبيين في اليوم الأول للمؤتمر وركّزوا في كلماتهم على الماضي وما يحمله من مراراتٍ خلّفتها تجارة الرقيق والحروب التي تواصلت لقرون، وعلى التباين الثقافي والديني واللغوي والعرقي واختلاف العادات والتقاليد بين شعبي شطري البلاد.
وقد انعكس ذلك التردّد وضرورة توخّي الحذر في كلمة السلطان لوليك لادو، أحد القادة الجنوبيين في المؤتمر، والتي شبّه فيها العلاقة المُقترحة بين الشمال والجنوب بعلاقة الزواج، وأوضح أن الطرفين يحتاجان لبعض الوقت للتعرّف على بعض قبل أن يتمَّ الزواج.
تغيّر الموقف تدريجياً في اليوم الثاني للمؤتمر، ووافق الأعضاء الجنوبيون على المشاركة في الجمعية التشريعية القادمة، وعلى فتح الحدود وما يتبع ذلك من السماح بالتنقّل غير المشروط للسودانيين بين شطري البلاد، وضرورة احترام خصوصية الجنوب وتبايناته.
وقد لعب السيد كلمنت أمبورو دوراً محوريا وسط الوفد الجنوبي، وقام بإقناع أعضاء الوفد بالموافقة على هذه التغيّر.
أثارت قرارات المؤتمر الكثير من الجدل بين الأكاديميين والسياسيين السودانيين.
فقد قرأها وفسرّها الكثير من الشماليين على أنها استفتاءٌ وقبولٌ واضحٌ وغير مشروطٍ من الجنوبيين بالوحدة بين الشمال والجنوب.
بل إن بعض الأكاديميين والسياسيين الشماليين ظلوا يكرّرون أن الجنوبيين مارسوا حق تقرير المصير عام 1947 واختاروا الوحدة.
من الجانب الآخر اعتبر الكثير من الجنوبيين نتائج المؤتمر على أنها كانت فقط فرصةً جديدة للشمال لإبراز حسن النية تجاه الجنوب، وجعل خيار الوحدة جاذباً في المستقبل، كما ورد في كلمات السلطان لوليك لادو.
بل إن بعض الأكاديميين الجنوبيين قرأوا ما أثاره بعض السلاطين في المؤتمر من تبايناتٍ وخلافاتٍ في العادات والتقاليد والدين والعرق والثقافة بأنه كان دعوةً لقيام نظامٍ فيدرالي بين شطري البلاد يحفظ ويحترم هذه التباينات.
وأشاروا في هذا المضمار إلى بعض مكاتبات الإداريين البريطانيين أنفسهم التي تضمّنت إشارةً إلى مقترح الفيدرالية.
غير أن مطلب النظام الفيدرالي برز وتمّ عرضه بوضوحٍ في الجمعية التشريعية التي تم انتخابها عام 1948، بعد حوالي العام من مؤتمر جوبا.
كان الجنوب قد تم تمثيله بثلاثة عشر نائباً في الجمعية التشريعية، ترأسهم السيد بنجامين لوكي الذي أصبح المتحدث الرسمي باسم الفيدرالية لجنوب السودان.
فقد طالب النواب الجنوبيون في الجمعية مناقشة والاتفاق على مسألة النظام الفيدرالي لجنوب السودان كأحد أسبقيات برنامج عمل الجمعية.
غير أن النواب الشماليين رأوا ضرورة تركيز النقاش والجهد في ذلك الوقت على مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
وافق النواب الجنوبيون على مقترح النواب الشماليين.
غير أنهم ربطوا موافقتهم على مطلب حق تقرير المصير للشمال في علاقته بمصر على موافقة الأعضاء الشماليين على إقامة نظام فيدرالي بين شطري القطر.
لكن نقاش الجمعية التشريعية تواصل وانحصر في مسألة تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر، والذي كان الموضوع الأكثر أهميةً بالنسبة لنواب الشمال.
وسوف نلاحظ هذا المنحى مرّةً ثانيةً في قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955، والذي نجح فيه الأعضاء الجنوبيون في الربط بين موافقتهم على إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، وإقامة نظامٍ فيدراليٍ بين الشمال والجنوب، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
وهكذا نجح النواب الشماليون في الجمعية التشريعية في تجميد النقاش في مطلب النواب الجنوبيين لنظامٍ فيدرالي بين الشمال والجنوب.
كما نجحوا أيضاً في تجميد مطلب الجنوبيين لإنشاء وزارة لشئون الجنوب التي كان النواب الجنوبيون قد طالبوا بها.
بالتوازي مع عمل الجمعية التشريعية فقد تشكّلت لجنة الدستور برئاسة القاضي ستانلي بيكر في شهر مارس عام 1951.
وكان السيد بوث ديو هو العضو الجنوبي الوحيد من ضمن أعضائها البالغ عددهم ثمانية عشر عضواً.
وباستثناء السيدين ستانلي بيكر وبوث ديو فقد كان أعضاء اللجنة كلهم شماليين.
وقد كانت مهمة اللجنة وضع مسوّدة دستورٍ انتقاليٍ يُحكمُ به السودان خلال الفترة الانتقالية التي تنتهي بتقرير المصير.
وقد أثار السيد بوث ديو مسألة النظام الفيدرالي بين الشمال والجنوب داخل هذه اللجنة أيضاً، وطالب بتضمينه صراحةً في الدستور المرتقب.
لكن اللجنة رفضت رفضاً تاماً مناقشة هذا المقترح.
ودفع هذا الرفض السيد بوث ديو إلى مقاطعة أعمال اللجنة، ثم الانسحاب منها.
وتواصلت أعمال اللجنة بدون تمثيلٍ لجنوب السودان.
وكان ذلك وضعاً مُحبِطاً للنواب الجنوبيين.
وكما سنناقش في المقالات القادمة، فقد تكرّرت سابقة انسحاب الأعضاء الجنوبيين من لجنتي الدستور في عامي 1958 و 1968 احتجاجاً، في المرتين، على رفض مقترح تضمين الفيدرالية لجنوب السودان في الدستور، وأيضاً على مسوّدة الدستور الإسلامي التي صاغتها كلٌ من اللجنتين.
بينما كانت الجمعية التشريعية تناقش مسألة تقرير المصير للسودان والعلاقة مع مصر قام الضباط الأحرار في القاهرة بالاستيلاء على السلطة وإعلان الثورة المصرية في 23 يوليو عام 1952.
وجدت الأحزاب السودانية ضالتها المنشودة في التحوّل المفاجئ للموقف المصري المؤيّد لمطلب السودان لتقرير المصير، والذي تبنّاه مجلس قيادة الثورة المصري بقيادة اللواء محمد نجيب.
تبلور الموقف المصري الجديد ونظّمت الأحزاب السودانية الشمالية نفسها وبدأت المباحثات بين الوفدين المصري والسوداني في نهاية عام 1952، وانتهت بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير في 12 فبراير عام 1953.
وفي 21 مارس عام 1953 صدر قانون الحكم الذاتي كأوّلِ دستورٍ للسودان.
غير أن الأحزاب الشمالية لم تُشرك أيّاً من أبناء الجنوب في محادثات القاهرة التي بدأت بعد قيام الثورة المصرية واستمرت، بصورةٍ متقطّعة، حتى شهر فبراير عام 1953.
ولم تتم حتى دعوة ممثلين للقادة الجنوبيين لحضور مراسم توقيع اتفاقية تقرير المصير في 12 فبراير عام 1953.
وكما ذكرنا أعلاه، فقد صدر قانون الحكم الذاتي كأول دستورٍ للسودان في 21 مارس عام 1953، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير، ولم تكن هناك مشاركةٌ لأيٍّ من الأحزاب أو الأفراد من جنوب السودان.
في حقيقة الأمر فقد كانت الوفود التي ذهبت للتفاوض في القاهرة كلها من الأحزاب والمتعلمين الشماليين مُعطيةً الانطباع بأن مسألة تقرير المصير ومستقبل السودان أمراً شمالياً بحتاً، ولا دخل لأبناء الجنوب فيه.
زاد هذا التجاهل والاستخفاف من غبن القادة الجنوبيين، وترجموه على أنه انعكاسٌ لعدم جدّية الشماليين في التعامل معهم.
وقد ساهمت هذه التطوّرات في تقوية عزيمة السياسيين الجنوبيين على المضي قدماً في مطلب الفيدرالية الذي ذكّروا الشماليين أنهم ظلوا ينادون به منذ مؤتمر جوبا في يونيو عام 1947.
وقد وثّق أبناء الجنوب احتجاجهم على تجاهلهم في محادثات القاهرة بمجموعةٍ من المذكرات تمّ إرسالها بواسطة عددٍ من المنظمات الجنوبية إلى الحاكم العام وقادة الأحزاب الشمالية.
زاد غبنَ القادة الجنوبيين حقيقةُ أن الساسة الشماليين نجحوا في انتزاع حق تقرير المصير للسودان من مصر، ووثّقوا ذلك في الاتفاقية مع مصر وفي قانون الحكم الذاتي، بينما فشلوا هم في انتزاع الفيدرالية من الشماليين، رغم اعتقادهم أنهم نجحوا في اجتماعات الجمعية التشريعية في الربط بين الاثنين.
وجاء قانون الحكم الذاتي لعام 1953 خالياً من أيّ نصوصٍ تُعطي جنوب السودان أي وضعٍ خاص، دعك من نظام الحكم الفيدرالي.
وقد حُذِفتْ المادة 100 من مشروع القانون والتي كانت قد أعطت الحاكم العام صلاحياتٍ خاصةٍ تتعلّق بالجنوب، شملت ضمان معاملة المديريات الجنوبية الثلاثة معاملةً منصفةً.
وقد حلّت محلَ هذه المادة فقرةٌ فضفاضةٌ تعطي الحاكم العام مسئولية خاصة لضمان المعاملة المنصفة لكل مديريات السودان.
وقد أثار حذف هذه المادة والاستعاضة عنها بهذه الفقرة غضب وإحباط الجنوبيين.
وكان كل ما اشتمل عليه قانون الحكم الذاتي فيما يخصّ جنوب السودان هو منح أبناء الجنوب مقعدين في مجلس الوزراء.
وحتى هذا النصّ لم يتم الالتزام به، كما سنناقش في المقال القادم.
مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل:قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (2 – 12)تعرّضنا في المقال السابق من هذه السلسلة من المقالات إلى تصاعد النقاش، في منتصف أربعينيات القرن الماضي، داخل أروقة الحكم الثنائي، حول مستقبل العلاقات بين شمال وجنوب السودان بعد مغادرة حكامه السودان.
ذكرنا أنه رغم أن السلطات البريطانية قرّرت أن يظلَّ السودانُ موحّداً، إلا أنها قامت بالدعوة لمؤتمر جوبا الذي انعقد في شهر يونيو عام 1947، وحضره ممثلون للشمال والجنوب.
شرحنا الجدل في تفسير قرارات المؤتمر بين الشماليين الذين قرأوها كاتفاقٍ على الوحدة، بنما فسر أبناء الجنوب ما أثاره بعض السلاطين في المؤتمر من تبايناتٍ وخلافاتٍ في العادات والتقاليد والدين والعرق والثقافة بأنه كان دعوةً لقيام نظامٍ فيدرالي.
ناقشنا أيضاً إثارة مطلب الفيدرالية في الجمعية التشريعية وفي لحنة الدستور.
كما أشرنا إلى التغيّرات التي تمّت في القاهرة بعد استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو 1952، ومراسم توقيع اتفاقية تقرير المصير في 12 فبراير عام 1953.
كما أشرنا إلى صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1954 كأول دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
كما ذكرنا في المقال السابق، فقد خلى قانون الحكم الذاتي لعام 1953 من أيّ نصوصٍ تعطي جنوب السودان أي وضعٍ خاص، دعك من نظام الحكم الفيدرالي الذي ظلّ يطالب به منذ عام 1947.
كما أن المادة 100 من مشروع القانون، والتي كانت قد منحت الحاكم العام صلاحيات خاصة تتعلّق بجنوب السودان، تم حذفها.
وقد حلّت محل هذه المادة فقرةٌ فضفاضةٌ تعطي الحاكم العام مسئولية خاصة لضمان المعاملة المنصفة لكل مديريات السودان.
وقد كان كل ما اشتمل عليه قانون الحكم الذاتي فيما يخصُّ جنوب السودان هو منحهم مقعدين في مجلس الوزراء.
غير أن هذا النصَّ نفسه لم يتم الالتزام به من الساسة الشماليين، كما سنناقش لاحقاً.
تضمّن قانون الحكم الذاتي إجراء انتخاباتٍ برلمانية لمجلسي النواب والشيوخ في كل أنحاء السودان.
كما تضمّن تشكيل حكومةٍ وطنيةٍ تدير السودان خلال فترة الحكم الذاتي، مع بقاء بعض الصلاحيات الدستورية والإدارية في يد الحاكم العام الذي كان سيظل بريطانياً خلال فترة الحكم الذاتي.
بدأت الاستعدادات لانتخابات مجلسي النواب والشيوخ في شهر أبريل عام 1953، وبدأ الاقتراع في شهر نوفمبر من العام ذاته إثر انتهاء فترة الخريف في معظم أنحاء السودان، وتمّ إعلان النتائج في بداية شهر ديسمبر.
أشرفت على الانتخابات لجنة دولية ترأسها القاضي سكومارسن من الهند.
تكوّن مجلس النواب من 97 مقعداً، خُصِّصتْ منها خمسة مقاعد للخريجين، و92 دائرة جغرافية، شملت 22 دائرة لمديريات الجنوب الثلاثة، منها سبع دوائر لمديرية بحر الغزال، وسبع دوائر أخرى للمديرية الإستوائية، وثماني دوائر لمديرية أعالي النيل.
فاز الحزب الوطني الاتحادي بواحدٍ وخمسين مقعداً، بما فيها ستة مقاعد في الجنوب، من المقاعد الكلية لمجلس النواب البالغة 97 مقعداً، وشكّل الحكومة لوحده في يناير عام 1954، وأصبح السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء.
استعان حزب الأمة الذي أحرز 21 مقعداً فقط بالسيد محمد أحمد محجوب، والذي فاز كمستقلٍ في إحدى دوائر الخريجين الخمسة، ليكون زعيماً للمعارضة.
جرت الانتخابات في جنوب السودان في ال 22 دائرة المخصّصة للجنوب.
شرع السيد بوث ديو، الذي فاز في الانتخابات في احدى دوائر المديرية الإستوائية، في جمع الجنوبيين الذين فازوا في الانتخابات تحت مظلّة حزب الجنوب الذي أنشأه عام 1951.
وقد ارتكز برنامج هذا الحزب على إقامة نظامٍ فيدراليٍ بين الشمال والجنوب، وهو ما كان يطالب به السيد بوث ديو في الجمعية التشريعية عام 1948، ولجنة الدستور عام 1951.
وكان الحزب قد نجح في إحراز عشرة مقاعد في الدوائر التي خُصّصت للجنوب والبالغ عددها 22 دائرة في انتخابات الجمعية التشريعية، كما ذكرنا أعلاه.
وفاز حزبٌ جنوبيٌ آخر سمّى نفسه بتحالف الجنوب السياسي بمقعدين وأعلن أربعةٌ من الفائزين أنهم مستقلون، وحاز الحزب الوطني الاتحادي على المقاعد الستة الباقية في جنوب السودان.
وقد أعاد قادة حزب الجنوب تنظيم أنفسهم وهم في الباخرة في طريقهم إلى الخرطوم بعد انتهاء الانتخابات، وسمّوا الحزب الجديد “حزب الجنوب الليبرالي” والذي عُرف اختصاراً باسم الحزب الليبرالي (وقد تمّت ترجمة الاسم إلى حزب الأحرار).
وقد انضم النواب المستقلون ونواب حزب تحالف الجنوب السياسي إلى الحزب الليبرالي ليرتفع عدد نوابه في البرلمان إلى ستة عشر نائباً.
وأكّد الحزب أن برنامجه يرتكز على النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
أشارت المادة 14 من قانون الحكم الذاتي إلى تشكيل مجلس الوزراء من عشرة إلى خمسة عشر وزيراً، على أن يكون اثنان منهم على الأقل من جنوب السودان.
قام السيد إسماعيل الأزهري بتعيين ثلاثة من نواب الجنوب الذين فازوا في الانتخابات، وهم السادة سانتينو دينق، وبولين ألير، وداك داي، كوزراء دولة بلا أعباء، وليس كوزراء، أو حتى كوزراء دولة لأيةٍ من الوزارات الخمسة عشر التي تمّ إنشاؤها.
وكان ثلاثتهم قد انضموا للحزب الوطني الاتحادي وخاضوا الانتخابات وفازوا فيها تحت مظلّة وتمويل الحزب، ضمن نواب الحزب الستة الذين فازوا في الجنوب.
وهكذا نجح السيد إسماعيل الأزهري في استبعاد الحزب الليبرالي بنوابه الستة عشر من الحكومة لأنه كان ينادي بالفيدرالية.
وعيّن السيد الأزهري ثلاث شخصيات جنوبية ارتبطت بالحزب الوطني الاتحادي، ولا علاقة لهم بالأحزاب الجنوبية، أو بمطلب الفيدرالية، بعد أن نجح في استمالتهم بأموال الانتخابات ووعود الوزارة.
ويبدو أن السيد الأزهري وقادة حزبه قد قرروا اتباع نظرية “فرّقْ تسُدْ” بين أبناء الجنوب.
ولكن كما برهنت الأيام كانت تلك سياسةً قصيرة النظر، ساهمت كثيراً في نمو وتزايد الاحتقان السياسي بين جنوب وشمال السودان، كما سنوضّح لاحقاً.
أبدى الحزب الليبرالي، والذي أصبح الحزب الجنوبي الوحيد في الساحة السياسية السودانية، استياءه وإحباطه من تلك التعيينات، وأعلن أنها لا تُمثّل جنوب السودان ولا تلبّي مطالب وطموحات شعبه.
واعتبر الحزب التعيينات استخفافاً كبيراً بالحزب الليبرالي الذي لم يجد السيد الأزهري من بين أعضائه الستة عشر الذين فازوا في الانتخابات من يعينه في مجلس وزرائه، وتقليلاً من قدر أبناء الجنوب الذين يمثلهم الحزب.
وقد سخر أعضاء الحزب الليبرالي من وظيفة “وزير دولة بلا أعباء”، وأشار الحزب إلى أن السيد الأزهري لم يجد من بين جميع أبناء الجنوب من يمكن تعيينه وزيراً كاملاً، أو حتى وزير دولة لإحدى الوزارات القائمة، وابتدع وظيفة وزير دولة بلا أعباء التي لايملك حاملها أيّة سلطاتٍ تنفيذية، ولم يسمع بها أحد من قبل.
رغم هذه الاحتجاجات فقد أشار السيد الأزهري أنه بهذه التعيينات قد زاد على ما تتطلّبه المادة 14 من قانون الحكم الذاتي فيما يختصّ بتعيينات أبناء الجنوب من وزيرين إلى ثلاثة وزراء.
وكان السيد الأزهري قد رفض مقترح إنشاء وزارة تنمية الجنوب التي كان حزب الجنوب، ومن بعده الحزب الليبرالي، قد اقترحاها وطالبا بها.
تجدر الإشارة هنا إلى أن السيد الأزهري كان قد عيّن السيد ميرغني حمزة، أكبر منافسيه لقيادة الحزب الوطني الاتحادي، وزيراً لثلاث وزارات هي: الزراعة والري والمعارف (التربية والتعليم لاحقاً).
من المؤكّد أن مثل هذا الاستخفاف لم يكن لينتج عنه إلّا مزيدٌ من الغبن والاحتقان في العلاقات بين الجنوب والشمال.
كما أن خلق الشقاق بين ساسة الجنوب، وشراء الذمم بواسطة الأحزاب الشمالية، ساهم في السنوات التي سبقت وتلت الاستقلال في مزيدٍ من الغضب والاحباط بين القيادات الجنوبية، وفي زرع بذور الانفصال في بعض قيادات الحزب الليبرالي، مكان الفيدرالية التي كانت وظلّت المطلب الرئيسي للساسة الجنوبيين خلال تلك السنوات.
وكأن استخفاف السيد الأزهري وحزبه بأبناء الجنوب لم يكن كافياً، فقد فرغت لجنة ملء الوظائف الحكومية التي أصبحت، أو كانت ستصبح، شاغرةً بمغادرة الإنجليز والمصريين الذين كانوا يشغلونها إثر قرب بزوغ فجر الاستقلال (والتي سُمّيت بلجنة السودنة) من أعمالها في شهر يوليو عام 1954.
عيّنت اللجنةُ ستةً فقط من أبناء الجنوب في ما بين أكثر من 800 وظيفة تمّ استيعاب الشماليين فيها.
وكانت أربعٌ من الوظائف الستّ تلك لمساعدي مفتش مركز، بينما كانت الاثنتان الباقيتان هما وظيفتي مأمور.
كان واضحاً أيضا أن تلك الوظائف الستّ نفسها كانت قليلة الأعباء والمسئوليات.
أثار ذلك القرار غضباً شديداً في أوساط الجنوبيين الذين وعدهم السيد محمد صالح الشنقيطي في مؤتمر جوبا في يونيو عام 1947، قبل حوالي السبعة أعوام، بالمساواة مع إخوانهم في شمال السودان في كل شيء، بما في ذلك الوظائف والمرتبات.
وها هم يرون وعود السيد الشنقيطي تذهب أدراج الرياح حتى قبل أن يجفَّ الحبرُ الذي كُتبتْ به.
فقد تمّت معاقبة الحزب الذي يمثل شعب الجنوب بستة عشر مقعداً بإبعاده كليةً من الوزارة لأنه ينادي بالفيدرالية.
وتمّ تعيين ثلاثة جنوبيين لا يمثلون الجنوب وطموحاته في شيء، في مناصب بلا مسئوليات أو معنى.
وبعد هذا كله جاءت نتائج السودنة التي أعطت أبناء الجنوب أقل من 1% من الوظائف مخيّبةً لآمالهم وتوقّعاتهم ولتصبّ الماء المالح على جرح نقض الوعود، وتعمّق الإحساس بالظلم والغبن، وتروي وتغذّي بذور التباعد بين أبناء شطري القطر.
وقد أثارت هذه التطوّرات المحبطة التساؤلات وسط بعض النواب الجنوبيين الذين ينادون بالفيدرالية بجدوى المطالبة بالفيدرالية.
بعد أسابيع قلائل من ظهور نتائج السودنة قرّر الحزب الليبرالي عقد مؤتمره العام في جوبا، وقام بدعوة كل أعضائه من سياسيين وموظفي دولة وزعماء قبليين للمؤتمر.
لكن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء رفض طلب الحزب بالسماح لموظفي الدولة من أبناء الجنوب بحضور المؤتمر بدعوى أن هذا مؤتمر سياسي ولا يحقّ للموظفين العمل بالسياسة.
كان غريباً أن يصدر مثل ذلك الرفض من السيد الأزهري الذي قضى جزءاً كبيراً من عمره في العمل السياسي ضد الإنجليز، خاصةً عندما كان موظفاً حكومياً تحت النظام الإنجليزي نفسه.
وقد حاول السيد الأزهري التقليل من أهمية المؤتمر واستباق نتائجه بإصداره مجموعةً من القرارات تعلّقت باستنكار التفرقة بين أبناء الشمال والجنوب، وقرّرت المساواة في الأجور بين الموظفين الجنوبيين والشماليين، وتحسين أجور الجنوبيين الذين كانوا يعملون في مشاريع الجنوب، والتي شملت مشروعي انزارا والزاندي.
غير أن قرارات السيد رئيس الوزراء لم تتعرّض لمسألة الفيدرالية، أو لمسألة قيام وزارة لتنمية الجنوب، أو حتى البدء في تمويل مشاريع تنمية في جنوب السودان، وكانت هذه إحدى الانتقادات الرئيسية لقرارات حكومة الأزهري تلك من منظمي المؤتمر.
تجاهل الحزب الليبرالي رفض السيد الأزهري للموظفين الجنوبيين بحضور اللقاء، وواصل تحضيره للمؤتمر الذي تمّ عقده في جوبا في الفترة من 18 أكتوبر حتى 21 أكتوبر عام 1954.
وقد حضر المؤتمر أعضاء الحزب بمن فيهم موظفو الدولة، كما حضره أيضاً الجنوبيون الأعضاء بالحزب الوطني الاتحادي.
انتخب الحاضرون السيد بنجامين لوكي رئيساً للمؤتمر، كما انتخبوا نائباً للرئيس وسكرتارية للمؤتمر.
ناقش الحضور مسألة تقرير المصير للسودان بين خياري الاستقلال والوحدة مع مصر، وصوّتوا بالإجماع لصالح الاستقلال.
انتقل الحضور بعد ذلك إلى نقاش المستقبل السياسي لجنوب السودان وتطرّقوا إلى فشل الخرطوم في تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه في مؤتمر جوبا عام 1947 من مساواةٍ في التوظيف والأجر.
وأشاروا إلى أن التنصّل من تلك الالتزامات ونقض تلك الوعود كما حدث في سودنة الوظائف، هو الذي استوجب، مع عوامل أخرى، عقد مؤتمرهم ذاك.
وأوضحوا أن كل ما حدث في الجنوب نتيجة السودنة هو استبدال الموظفين الإنجليز بموظفين شماليين، في تجاهلٍ تامٍ لاتفاق مؤتمر جوبا باستيعاب أبناء الجنوب الأكفاء في أيٍ من الوظائف التي شغرت.
دار بعد ذلك نقاشٌ مطوّل حول النظام الفيدرالي، ماذا يعني، وكيفية تطبيقه، والعلاقة بين الشمال والجنوب بموجب ذلك النظام، وهل الجنوب مستعدٌ للفيدرالية؟ وهل لديه الموارد البشرية والمالية لتطبيقها؟تلى ذلك النقاش الذي امتدّ على مدى اليومين التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت سبعةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي.
لا بد من ملاحظة الامتناع عن التصويت، وليس التصويت ضد مقترح الفيدرالية، من هؤلاء الأشخاص.
كما لابدّ من ملاحظة ان تصويت أبناء وبنات الجنوب لصالح الانفصال عام 2011 جاء شبيهاً في نتيجته بالتصويت لصالح الفيدرالية عام 1954.
من الواضح أن التاريخ فعلاً يعيد نفسه لمن لم يودّوا الاستماع إليه بدايةً!
وهكذا أكّد وأطّر الحزب الليبرالي مطلبه لقيام حكمٍ فيدرالي بين شمال وجنوب السودان، وبما يشبه الإجماع بين المندوبين الذين حضروا المؤتمر في شهر أكتوبر عام 1954.
قامت سكرتارية المؤتمر بتسليم رسالةٍ بقرارات المؤتمر الخاصة بالاحتجاج على نتائج السودنة ومطلب النظام الفيدرالي إلى السيد رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، وإخطارهم بأنه إذا لم تتم الاستجابة لمطلب النظام الفيدرالي فإن ممثلي الجنوب سيقومون بعرض مطلبهم على الهيئات الدولية.
وقام السيد بنجامين لوكي رئيس المؤتمر بتسليم صورٍ من تلك الرسالة إلى الحاكم العام، وإلى وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية المصري أيضاً.
ورغم أن قرارات المؤتمر تمّ تسليمها للسيد رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، فقد تجاهلوا المذكرة ومحتوياتها تجاهلاً تاماً، ولم تتم مناقشتها أو الرد عليها.
وانتهى أمر المذكرة كما انتهى أمر المطالب السابقة لأبناء الجنوب.
تسارعت الخطى في شمال السودان في بداية عام 1955 نحو الاستقلال.
وبمنتصف العام كانت كل لجان الحزب الوطني الاتحادي الحاكم قد استيقظت من سبات الوحدة، واقتنعت بالواقع السياسي الجديد في السودان، فصوّتت لصالح الاستقلال.
تلاشت بذاك الوقت أطروحة وحدة وادي النيل التي كان الحزب الوطني الاتحادي قد تبنّاها لبعض الوقت، وحلّ مكانها إحساسٌ قوي بالوطنية السودانية.
لكن ذلك الشعور كان منغلقاً على ما يجري في الشمال.
كان واضحاً أن الساسة الشماليين ظلوا مشغولين بهذه التطورات، بالإضافة إلى الخلافات داخل الحكومة نفسها والتنافس على الوزارات، لم يُعِرْ هؤلاء الساسة أيَّ اهتمامٍ للغبن المتزايد في جنوب البلاد جراء السياسات الاستعلائية والإقصائية التي كانت تنتهجها الحكومة في الخرطوم تجاه الجنوب، والاستخفاف بمطالبهم، خاصةً مطلب الفيدرالية الذي تزامن مع مطلب حق تقرير المصير في العلاقات مع مصر.
وتوالت وتسارعت الأحداث في الجنوب نفسه نتيجة كل تلك التراكمات، وأدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
نتج عن أحداث توريت فصلٌ سياسيٌ دمويٌّ جديدٌ مؤسفٌ ومؤلمٌ في تاريخ السودان، وعلاقة الشمال والجنوب.
وصف سياسيو شمال السودان ما حدث ب “تمرّد توريت” وأصبح ذلك الوصف هو الاسم الرسمي والشعبي له.
أما في الجنوب فقد تمّت تسمية ما حدث بواسطة عددٍ من الجنوبيين ب “ثورة الأحراش” و “انطلاقة ثورة التحرّر الوطني في جنوب السودان”، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (3 – 12)ناقشنا في المقالين السابقين من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، بدءاً بمؤتمر جوبا عام 1947.
وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية ظلت تجادل أن ذلك المؤتمر كان أولَ منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب مطلب الفيدرالية.
بعد عامٍ من مؤتمر جوبا، تمت إثارة ذلك المطلب في عام 1948 في الجمعية التشريعية، وفي لجنة الدستور عام 1951.
وقد تتبّعنا رفضَ القيادات السياسية الشمالية، خلال تلك الفترة، رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حقِّ تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطورات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953.
وتابعنا صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأولِ دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
وقد تتابعت تلك التطوّرات بعقد الانتخابات في السودان، وإعلان نتيجتها في شهر ديسمبر عام 1954، وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان، والذي أصبح لديه 16 مقعداً من المقاعد التي تمّ تخصيصها لجنوب السودان والبالغة 22 مقعداً.
وقد أعلن الحزب بوضوح أن برنامجه ومطلبه هو النظام الفيدرالي لجنوب السودان.
أكّد الحزب ذلك البرنامج في مؤتمره العام الذي تم عقده في 18 أكتوبر عام 1954، وتمّ فيه التصويت على مقترح النظام الفيدرالي الذي فاز بـ 227 من الأصوات، ولم يصوّت ضده أحد، في حين امتنع عن التصويت سبعةٌ من المشاركين ينتمون إلى الحزب الوطني الاتحادي.
أوضحنا تجاهل الحكومة والأحزاب الشمالية التام للمؤتمر ولقراراته، التي قام الحزب الليبرالي بتوصيلها إلى كل الجهات السياسية في السودان، وإلى الهيئات الدولية، والحاكم العام، وإلى وزير الخارجية البريطاني ووزير الخارجية المصري.
تابعنا بعد ذلك تطور الأحداث في الشمال التي قادت إلى تركيز السياسيين الشماليين على مسألة حق تقرير المصير في علاقة السودان مع مصر، وإعلان الاستقلال، وانشغالهم بالخلافات داخل الحكومة نفسها، والتنافس على الوزارات.
ولم يُعِرْ الساسة الشماليون أيّ اهتمامٍ للغبن المتزايد في جنوب البلاد جراء السياسات العرجاء التي كانت تنتهجها الحكومة في الخرطوم تجاه الجنوب، والاستخفاف وتجاهل المطالب، خصوصاً مطلب الفيدرالية.
تتبعنا بعد ذلك توالي الأحداث في الجنوب نفسه نتيجة كل تلك التراكمات، والتي أدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
وقد أشرنا في خاتمة المقال السابق أنه نتج عن أحداث توريت فصلٌ سياسيٌ دمويٌّ مؤلمٌ ومؤسفٌ في علاقة الشمال والجنوب، وفي تاريخ السودان ككل.
كما أوضحنا أعلاه، فقد توالت الأحداث في الجنوب نتيجة التراكمات التي أشرنا لها بالتفصيل في المقال السابق، وأدّت في 18 أغسطس عام 1955 إلى تمرّد أفراد فرقة الإستوائية في توريت إثر قرار نقلهم إلى شمال السودان.
وقد رفض القادة العسكريون الشماليون في توريت تحديد وتوضيح الفترة التي سيقضيها أفراد فرقة الإستوائية بالشمال.
اندلعت أعمال عنفٍ وإخلالٍ بالأمن أدّت إلى مقتل 336 شمالياً و75 جنوبياً، ونتج عن تلك الأحداث الدموية المؤلمة تعميقٌ كبير للهوّة بين الشمال والجنوب.
وقد زرعت تلك الأحداث بذور الحرب الأهلية والانفصال في جنوب السودان.
وقد أُغلقت الحكومة المدارس – على قلّتها – وأعلنت حالة الطوارئ في كل أرجاء الجنوب.
وقد ظلّت المدارس مغلقةً لمدة عام، بينما ظلت حالة الطوارئ مُعلنةً لمدة نصف قرنٍ من الزمان، وتم رفعها بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في عام 2005.
ورغم أن الحكومة شكّلت لجنة برئاسة القاضي توفيق قطران للتحقيق في أحداث توريت، إلا أن السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء استبق صدور تقرير اللجنة، وألقى باللائمة في بيانه أمام البرلمان في 26 أغسطس عام 1955 على ما أسماهم ب “المتمردين الجنوبيين”، وحمّل الشرطة الجنوبية المسئولية.
وقد كرّر السيد رئيس الوزراء نفس الاتهامات في خطابه الثاني أمام البرلمان في 2 نوفمبر عام 1955 حيث أوضح أن إنذاراً قد صدر للسلاطين بتسليم المتمردين في مناطقهم وإلاّ فإنهم سيكونون أنفسهم قد شاركوا في التمرد، وسوف يدفعون ثمن ذلك.
اتسمت كلمتا السيد رئيس الوزراء بالتسرّع والتهوّر، واستبقت، كما ذكرنا أعلاه، تقرير لجنة القاضي قطران.
وكما سنناقش بعد قليل، فقد أثبت تقرير القاضي قطران عدم صحة الكثير من ادعاءات السيد رئيس الوزراء، مثل تحميله الشرطة الجنوبية المسئولية في أحداث توريت.
كما ألقى التقرير بالمسئولية واللائمة على ما جرى في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955 على حكومة السيد الأزهري وحزبه، كما سنوضّح لاحقاً في هذا المقال.
جرت، بعد أعمال القتل الواسعة المؤسفة التي نتجت من التمرد في 18 أغسطس عام 1955، عملياتُ تفتيشٍ واعتقالاتٍ واسعة في كل أرجاء الجنوب، أعقبتها اعتقالاتٌ ومحاكماتٌ ميدانيةٌ عاجلة ترأس معظمها مفتشو المراكز أنفسهم.
وبمنتصف شهر سبتمبر عام 1955 استسلم 460 من الذين اشتركوا في التمرد، وهرب 140 إلى يوغندا، بينما اختفى من تبقّى من الفرقة الإستوائية وعددهم 780 جندي في أحراش وغابات المديرية الإستوائية.
وقد حكمت المحاكم العسكرية في عجلةٍ بالغةٍ بالإعدام على 147 جندي، تمّ تأييد الأحكام وتنفيذها في 121 منهم.
وقد شملت الإعدامات الملازم رينالدو لويولا الذي كان متهماً بقيادة التمرّد، وكذلك وكيل بلك سترلينو أبويو أحد كبار قادة التمرد.
نتج عن التمرد والمحاكمات وإغلاق المدارس هروب الآلاف إلى الأحراش ليكوّنوا نواة الحركة المسلحة الجنوبية الأولى، وليشعلوا بعد أشهرٍ قليلةٍ الحرب الأهلية في جنوب السودان التي تواصلت (بعد انقطاعٍ قصير) لمدة نصف قرنٍ من الزمان.
كما ذكرنا أعلاه، شكّلت حكومة السيد إسماعيل الأزهري لجنةً للتحقيق في أحداث توريت في 8 سبتمبر عام 1955 (بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الأحداث) برئاسة القاضي توفيق قطران، وعضوية السيد خليفة محجوب الذي كان مديراً لهيئة المشاريع بولاية الإستوائية، والسلطان لوليك لادو الذي كان أحد أبرز المشاركين في مؤتمر جوبا عام 1947.
طلبت اللجنة من السيد وزير الدفاع تعيين مستشارين لها في المسائل الحربية، وقد استجاب السيد وزير الدفاع للطلب وعيّن القائمقام محمد بك التيجاني، والبمباشي علي حسين شرفي عضوين في اللجنة.
ورغم أن التقرير قد صدر في فبراير عام 1956، (بعد خمسة أشهرٍ من تكوين اللجنة، وستة أشهرٍ من أحداث توريت)، فإنه لم يتمْ نشرُ التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثمانية أشهرٍ من صدوره، وبعد ثلاثة أشهرٍ من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري رئاسة الوزارة في يوليو عام 1956.
ويشير هذا التأخير إلى عدم رغبة السيد إسماعيل الأزهري وحكومته في نشر التقرير.
فقد حمّل التقرير حكومة السيد إسماعيل الأزهري صراحةً مسئولية ما حدث في توريت في 18 أغسطس عام 1955.
فقد أشار التقرير إلى الآتي:“ولما كان الموقف على هذا الحال يبدو لنا أن أسلم شيء كان يجب عمله هو أن تُلغى أوامر سفر البُلك نمرة 2 (إلى الشمال) في الحال.
إن المبرّرات التي قِيلتْ عن الحفاظ على هيبة الجيش وكرامته في الوقت الذي كان معروفاً أن حدوث التمرّد أمرٌ محتملٌ، إن لم يكن مؤكّداً، غير مقنعة.
فإنّ هيبة الجيش والإدارة في (المديرية) الإستوائية أيضاً قد سبق أن تلاشت.
وإنّ الإصرار على عدم تغيير الأوامر بدون أن تكون هناك خطط مضادة، أو أن توضع مثل هذه الخطط فإنما يدل على عدم اكتراث بأرواح وممتلكات المواطنين الآخرين.
وإننا في الحقيقة نعتبر هذا خطأً عظيماً.
”(تقرير لجنة التحقيق في الاضطرابات التي حدثت بجنوب السودان في أغسطس سنة 1955، والذي صدر في أكتوبر عام 1956 (الطبعة الأولى)، صفحة 128.
)كما ذكرنا أعلاه، لم يتم نشر التقرير حتى شهر أكتوبر عام 1956، أي بعد ثلاثة أشهر من مغادرة السيد إسماعيل الأزهري الوزارة في شهر يوليو عام 1956.
وقد قامت حكومة التحالف بين حزبي الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (حكومة السيدين) التي ترأسها السيد عبد الله خليل، والتي خلفت حكومة السيد إسماعيل الأزهري ذلك الشهر، بنفض الغبار عن التقرير ونشره في شهر أكتوبر عام 1956، بعد أكثر من عام من حوادث توريت، وأكثر من ثمانية أشهر من اكتمال التقرير وتقديمه لرئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري.
كتب مقدمة التقرير السيد علي عبد الرحمن وزير الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل الائتلافية التي خلفت حكومة الأزهري.
وقد شملت المقدمة الفقرة التالية:“وقد رأت الحكومة أن الديمقراطية الصحيحة تقضي بنشر هذا التقرير باللغتين العربية والإنجليزية حتى يتمكن الشعب على اختلاف طبقاته من الاطلاع عليه ليدرك العوامل والأسباب وما تبع ذلك من تقصيرٍ وإهمال مما أدى بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشر إلى حدوث تلك الاضطرابات المؤسفة التي أودت بحياة عددٍ غير قليل من المواطنين والتي عطلت سير الأصلاح في المرافق العامة في ذلك الجزء من أرض الوطن.
”بات واضحاً أن حكومة السيد عبد الله خليل قد قبلت بدون أيّة تحفظاتٍ التقرير ونتائجه.
وكان واضحاً أيضاً أن النشر والتوزيع الواسع للتقرير باللغتين العربية والإنجليزية هو محاولة من حزبي الشعب الديمقراطي والأمة إحراج السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته، وتحميلهم مسئولية ما حدث في جنوب السودان في 18 أغسطس عام 1955.
وهكذا أصبح التقرير القضائي في أهمِّ وأصعبِ قضيةٍ تواجه السودان في ذلك الوقت مصدراً للمزايدة بين الأحزاب الشمالية ورؤسائها، بدلاً من دراسة التقرير والتعامل معه بجدية ومسئولية، وإحالة المسئولين الشماليين عن الأحداث للمساءلة.
أوضح تقرير لجنة القاضي قطران أن مديرية الإستوائية كانت الأكثر تأثّراً بالاضطرابات التي امتدت فيها لمدى أسبوعين، وأشار إلى أن هناك خلفيةً للتمرّد شملت قلّة القواسم المشتركة بين الشمال والجنوب، والتي زادت منها السياسة البريطانية للمناطق المقفولة حتى عام 1947، والفارق الكبير في التقدّم بين طرفي البلاد.
أوردت اللجنة عدّة أسباب للتمرد منها خيبة الأمل في نتائج السودنة التي لم تنتج عنها سوى ست وظائف للجنوبيين، وتدخّل الإداريين في المديرية الإستوائية في المسائل السياسية، وأوردت كمثالٍ لذلك الحيلولة دون انعقاد مؤتمر البرلمانيين الجنوبيين في مايو عام 1955.
أشارت اللجنة أيضاً إلى محاكمة النائب البرلماني ايليا كوزي في 25 يوليو عام 1955 بتهمة الإرهاب الجنائي لأنه اعترض على إرسال مساعد مفتش المركز برقية تأييدٍ للحكومة باعتبار أنه هو نائب الدائرة والمتحدّث بإسمها.
وأوضحت أن الحكم عليه بعشرين عاما سجناً بواسطة محكمةٍ مشكوكٍ في نزاهتها كان من أسباب التمرد، رغم أن الحكم تمّ تخفيضه إلى عامين لاحقاً.
كما أشارت اللجنة إلى الأخطاء التي صاحبت محاولة مفتش مركز يامبيو معالجة إضراب مصنع النسيج والغزل في 26 يوليو عام 1955 والتي أدّت إلى إطلاق النار وقتل ستة من أبناء الزاندي في أنزارا.
واعتبرت اللجنة فصل 300 عامل من مشروع الزاندي بواسطة لجنة مشاريع الإستوائية في 20 يوليو عام 1955خطأً كبيراً، إذ أنه تمّ كنتيجةٍ للسودنة التي كان الجنوبيون يتوقعون مزيداً من الوظائف بموجبها، بدلاً عن فصلهم واستبدالهم بالشماليين.
وفيما يتعلق بالسودنة والإحباط الذي أصاب الجنوبيين فقد أشار تقرير القاضي قطران إلى أنه:“قد أُرْسِلتْ خطاباتٌ كثيرة إلى أعضاء البرلمان الجنوبيين وإلى الحكومة نورد فيما يلي على سبيل المثال مقتطفات من تلك الخطابات(لقد كانت نتائج السودنة مخيبةً للآمال بدرجةٍ عظيمة، أي أربعة مساعدي مفتش مركز ومأمورين.
يبدو أن قصد زملائنا الشماليين هو أن يستعمرونا لمدة مائة عام أخرى.
)”كما أوضح التقرير مجموعةً من الأخطاء صاحبت قرار نقل كتيبة توريت إلى الشمال، وأوضح التقرير أنه كان يجب التعامل مع تلك الأخطاء والظروف، وإلغاء قرار النقل، بدلا من الإصرار عليه فقط لحفظ هيبة وكرامة القيادة العسكرية الشمالية للكتيبة، خصوصاً أن تلك القيادات كانت تعلم سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرّد ولن تنفذ قرار النقل (كما ورد في الاقتباس من التقرير في الجزء 10 أعلاه).
وقد قامت الإدارة العليا للقوات المسلحة في الجنوب، حسب تقرير القاضي قطران، بإجلاء عوائل الضباط الشماليين من توريت تحسّباً لعواقب قرار الكتيبة الجنوبية رفض قرار النقل، مما يؤكد علم القيادة سلفاً أن الكتيبة سوف تتمرد.
أشار التقرير إلى الوعود الكثيرة للجنوبيين منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ثم بواسطة الحزب الوطني الاتحادي قبل وأثناء الانتخابات، ثم حكومة السيد إسماعيل الأزهري، وأنه لم يتم الوفاء بها، ووصفت تلك الوعود بالتهور وعدم المسئولية.
وقد شملت تلك الوعود وعوداً من الضابط المصري الصاغ صلاح سالم الذي كانت مهمته في السودان وقتها العمل على فوز الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات لضمان الوحدة مع مصر.
وقد ورد في تقرير القاضي قطران الاتي:“كما زار الصاغ صلاح سالم الجنوب في تلك الأيام….
ووعد بأنه:“عند مغادرة البريطانيين فإن الأربعين وظيفة من مديري المديريات ومفتشي المراكز ومساعدي مفتشي المراكز في المديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى للجنوبيين.
ولقد وعد بإسناد الوظائف الفنية الأخرى للجنوبيين.
”كما أورد التقرير الحادثة الآتية:“في أحد الاجتماعات بجوبا سأل تمرجي (ممرض) صغير السن الصاغ صلاح سالم باللغة الإنجليزية:سؤال: هل تعني أني عندما يغادر البريطانيون سأصبح باشمفتشاً طبياً للمديرية (مستعملاً الحروف الإنجليزية الأولى للكلمات باشمفتش طبي كاختصار)؟جواب: (لم يعرف الصاغ صلاح سالم معنى ذلك الاختصار) نعم، نعم بالتأكيد.
”لا بد من التذكير برقصة الصاغ صلاح سالم العبثية المشهورة أثناء زيارته تلك لجنوب السودان ليحثّ الجنوبيين على التصويت للحزب الوطني الاتحادي وللوحدة مع مصر.
انتقد تقرير القاضي قطران سلوك التجار الشماليين وذكر أنهم يعتبرون الجنوبيين أقل مرتبةً من الشماليين ويسمونهم “عبيد” (يعتذر الكاتب عن إيراد هذه الكلمة العنصرية البغيضة القبيحة في هذا المقال.
لكن المسئولية والأمانة العلمية للاقتباس تقتضي إيراد الفقرة المُقتبسة كما هي).
وأوضح التقرير أن استعمال ذلك اللفظ منتشر في المديريات الجنوبية، ويدل على الامتهان ويعيد إلى الأذهان حقبة تجارة الرقيق.
كما أشار التقرير إلى تدخّل التجار الشماليين في الإدارة، وإلى علاقاتهم الوطيدة مع الإداريين الشماليين التي أعطتهم حمايةً أكثر من الجنوبيين، ووصف الإداريين الشماليين بالتعالي وأن مفتش المركز كان يُنظر إليه كإلهٍ صغير.
أشار التقرير أيضاً في هذا المجال إلى البرقية المنسوبة زوراً إلى السيد إسماعيل الأزهري رئيس الوزراء التي وجّه فيها الإداريين الشماليين: “لا تستمعوا إلى شكاوى الجنوبيين الصبيانية وضايقوهم وعاملوهم معاملة سيئة بناءً على تعليماتي.
وكل إداري يفشل في تنفيذ أوامري سيكون عرضة للمحاكمة.
”وقد ذكرت اللجنة أن البرقية نُسِختْ على ورقٍ حكومي وتمّ توزيعها على نطاقٍ واسع في الجنوب.
وقد أبدت اللجنة اندهاشها أنه رغم انتشار البرقية فإن عدداً من الإداريين لم يسمعوا بها، وأن الذين سمعوا بها لم يتخذوا أيّة إجراءاتٍ لدحض مضمون البرقية.
عليه فقد أدان التقرير بصورةٍ واضحة الحكومة والحزب الحاكم، والإداريين والقيادات العسكرية والتجار الشماليين في الجنوب، وحمّلهم مسئولية تمردّ حامية توريت في 18 أغسطس عام 1955 وما نتج عنه من أحداث مؤسفة قادت إلى الحرب الأهلية هناك.
كما أن التقرير، خلافاً لبيانات السيد رئيس الوزراء، لم يحمّل البوليس الجنوبي أو السلاطين أي جزءٍ من المسئولية.
لا بد أن تكون الصورة قد اتضحت أمام القارئ عن لماذا لم تقمْ حكومةُ السيد إسماعيل الأزهري بنشر تقرير القاضي قطران عن أحداث توريت!
وتكون الصورة قد اتضحت أيضاً عن لماذا قامت حكومة السيد عبد الله خليل بنشر وتوزيع التقرير بصورةٍ واسعة، بواسطة وزير داخليتها السيد علي عبد الرحمن، الذي انشقَّ من الحزب الوطني الاتحادي بسبب التنافس، والذي أصبح عداءً حاداً، مع رئيس الحزب السيد إسماعيل الأزهري.
وكما ذكرنا أعلاه فقد قبلت حكومة السيد عبد الله خليل التقرير ونتائجه دون أيّة تحفظاتٍ أو ملاحظاتٍ.
إضافةً إلى هذا فقد وعد السيد علي عبد الرحمن في المقدمة التي كتبها للتقرير بالآتي:“والحكومة حينما تنشر هذا التقرير على الرأي العام تؤكد أنها بصدد اتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نُسِب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة سواء كانوا من رجال الإدارة أو البوليس أو الجيش أو غير هؤلاء من الموظفين ممن تضمنت محاضر لجنة التحقيق التي بنت عليها هذا التقرير اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية.
”لم يستطع الكاتب الحصول على أيّة وثائق أو مراجع تفيد بأن الحكومة قد نفذت هذا القرار الخاص باتخاذ الإجراءات التأديبية ضد أي موظفٍ حكوميٍ ورد اسمه وتم اتهامه بالتقصير في تقرير القاضي قطران.
غير أن الكاتب لا يعتقد أن أي مسئولٍ قد واجه أية إجراءاتٍ تأديبية.
عليه فقد قام تقرير القاضي قطران بتحميل السيد إسماعيل الأزهري وحزبه وحكومته المسئولية عن أحداث توريت.
لكن السيد الأزهري قام، لهذه الأسباب، بتعليق نشر التقرير.
ولم يتم نشر التقرير إلا بعد أشهرٍ من سقوط حكومته، واستلام منافسه السيد علي عبد الرحمن مقاليد وزارة الداخلية في حكومة السيد عبد الله خليل.
وكما أوضحنا أعلاه فقد قامت تلك الحكومة بالتبنّي الكامل لحقائق ونتائج التحقيق، وقامت بنشره وتوزيعه باللغتين العربية والإنجليزية بصورةٍ واسعة لكي تحرج السيد الأزهري وحزبه.
وعلى الرغم من أن حكومة السيد عبد الله خليل قد وعدت باتخاذ الأجراءات التأديبية ضد كل من نسب إليه أي إهمال أو تقصير من موظفي الحكومة ممن تضمّن تقرير القاضي قطران اتهامهم بالتقصير في أداء واجباتهم الرسمية، لكن لا يبدو أن ذلك قد حدث.
عليه فقد انتهت قضية حوادث توريت في الخرطوم بصدور ذلك التقرير، لكنها أشعلت نار الحرب الأهلية في جنوب البلاد.
بعد هذا السرد لأحداث توريت وتقرير القاضي قطران، سوف نواصل في المقال القادم سرد ونقاش الطريقة الاستخفافية التي واصلت الأحزاب الشمالية التعامل بها مع مطلب جنوب السودان للفيدرالية.
وقد تواصل ذلك الاستخفاف في طريقة التعامل مع القرار الخاص باستقلال السودان من داخل البرلمان الذي تم نقاشه والاتفاق عليه في 19 ديسمبر عام 1955، والذي اشتمل على وعد الفيدرالية لجنوب السودان.
وكما سنوضح في ذلك المقال، فقد تم نقض ذلك الوعد باستخفافٍ واستهتارٍ كبيرين، زادا من إحباط وغضب الجنوبيين، ورفعا من سقف مطالبهم التي تمدّدت لتصلَ مطلب حقِّ تقرير المصير، والذي انتزعوه بقوة السلاح والمقدرات التفاوضية والدبلوماسية العالية، وقاد إلى كارثة انشطار الوطن، وإلى الأبد.
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (4 – 12)تتبّعنا في المقالات الثلاثة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي.
وتوقّفنا عند مؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، والذي كان كان أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يناقش العلاقة بين طرفي القطر.
وقد أوضحنا أن القيادات السياسية والمجموعات الأكاديمية الجنوبية متفقةٌ على أن ممثلي الجنوب لذلك اللقاء أثاروا بوضوح مطلب الفيدرالية، وكان المؤتمر بذلك أول منبرٍ شماليٍ جنوبيٍ يثير فيه أبناء الجنوب ذلك المطلب.
تم بعدها بحوالي العام في عام 1948 إثارة ذلك المطلب في الجمعية التشريعية، ثم في لجنة الدستور عام 1951.
وقد أوضحنا رفض القيادات السياسية الشمالية في تلك الفترة رفضاً تاماً مناقشة مقترح الفيدرالية، وإصرارهم على التركيز على مسألة حق تقرير المصير للسودان في علاقته مع مصر.
انتقلنا بعد ذلك إلى مناقشة التطوّرات التي قادت في مصر إلى استيلاء الضباط الأحرار على السلطة في 23 يوليو عام 1952، وتوقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953.
ناقشنا بعد ذلك صدور قانون الحكم الذاتي في 21 مارس 1953، كأول دستورٍ للسودان، بغرض وضع الأسس لإدارة السودان خلال الفترة الانتقالية والتي ستقود إلى تقرير المصير.
وشرحنا تجاهل الأحزاب الشمالية للأحزب الجنوبية، ورفضها تضمين أيّ موادٍ عن النظام الفيدرالي ووضعية جنوب السودان في قانون الحكم الذاتي لعام 1953.
ناقشنا قيام انتخابات عام 1953، وفوزر الحزب الليبرالي، الذي تبنّى مطلب الفيدرالية، بستة عشر مقعداً، وتأكيده تبنّي مطلب الفيدرالية خلال مؤتمره الذي عقده في شهر أكتوبر عام 1954، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، والذي ألقى باللائمة في أحداث توريت على حكومة السيد إسماعيل الأزهريكما ذكرنا في المقال السابق، فقد تكوّنت لجنة القاضي قطران للتحرّي في أحداث توريت في سبتمير عام 1955، وأصدرت تقريرها في شهر فبراير عام 1956.
غير أن التقرير لم يتم نشره حتى شهر أكتوبر عام 1956، بعد ثلاثة أشهر من سقوط حكومة السيد الأزهري وتولّي السيد عبد الله خليل رئاسة الوزارة في شهر يوليو عام 1956.
وقد أوضحنا أسباب ذلك التأخير في المقال السابق.
خلال الفترة العام من شهر سبتمبر عام 1955 (تاريخ تكوين لجنة القاضي قطران) حتى شهر أكتوبر عام 1956 (تاريخ نشر تقريرها)، وقعت أحداثٌ كبيرةٌ وهامةٌ في مسار قضية جنوب السودان ومطلب الفيدرالية سنناقشها بقدرٍ من التفصيل في هذا المقال.
بعد أربعة أشهرٍ من تمرّد توريت في 18 أغسطس عام 1955 قررت الحكومة والمعارضة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان.
وافق أعضاء البرلمان الجنوبيون على تأييد القرار شريطة أن يتضمّن ذلك القرار مطلبهم لإقامة نظام حكمٍ فيدرالي في الجنوب.
وافقت قيادات الأحزاب الشمالية على هذا المطلب، وصدر قرار مجلس النواب بإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان بالإجماع يوم الاثنين 19 ديسمبر عام 1955 في جلسته رقم 43، الدورة الثالثة.
وقد تضمّن القرار فقرةً تطلب من الجمعية التأسيسية القادمة أن تعطي الاعتبار لمطلب النواب الجنوبيين بإقامة النظام الفيدرالي لجنوب السودان داخل السودان الموحّد.
وتقرأ تلك الفقرة كلآتي:“نحن أعضاء مجلس النواب في البرلمان مجتمعاً نرى أن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاث ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.
”سعد الجنوبيون كثيراً بهذه الفقرة من القرار، واعتقدوا أن حلمهم ابن الثمانية أعوام قد صار قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وأشاد الكثيرون بالوحدة الوطنية التي مثّلها وعكسها ذلك القرار.
وتمّت الاحتفالات الرسمية بعيد الاستقلال، ورُفِع علم السودان في أول يناير عام 1956.
غير أنه كان استقلالاً مُلبّداً بغيوم الخلافات وبذورِ الحرب في جنوب البلاد التي اشتعلت قبل أشهر قليلة من الاستقلال، والتجاهلِ التام من قِبلِ القيادات السياسية في الشمال لمطلب الفيدرالية.
وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد تمّ إعدام عددٍ من قادة التمرد في جنوب السودان بعد أيامٍ فقط من احتفالات عيد الاستقلال.
عليه، فبينما كانت زغاريد الفرح تشقُّ عنان سماء الشمال، كانت أصداء صرخات وآهات أحزان أُسرِ من تم إعدامهم تتنقّل بسرعةٍ وسط غابات وأحراش الجنوب.
رغم الفرح الغامر في الخرطوم، فقد طغت على احتفالات الاستقلال الخلافاتُ الحادة بين الحكومة والمعارضة.
تصاعدت تلك الخلافات وأدّت بعد أسابيع قليلة من الاستقلال إلى سقوط حكومة الحزب الوطني الاتحادي.
وكما ناقشنا في المقال السابق فقد خلفتها حكومةٌ قومية شملت كل الأحزاب، بما في ذلك حزب الأمة، برئاسة السيد إسماعيل الأزهري في شهر فبراير عام 1956.
غير أن تلك الحكومة القومية نفسها انهارت بعد خمسة أشهر تحت وطأة الخلافات الحادة داخلها.
حلّت في شهر يوليو عام 1956 محل الحكومة القومية ما أُطلِق عليه حكومة السيدين (السيد عبد الرحمن المهدي راعي حزب الأمة، والسيد علي الميرغني راعي حزب الشعب الديمقراطي الذي تمّ تكوينه في يونيو عام 1956 بعد الانشقاق داخل الحزب الوطني الاتحادي).
تشكّلت هذه الحكومة الائتلافية الجديدة في شهر يوليو عام 1956 برئاسة السيد عبد الله خليل سكرتير حزب الأمة، ونائبه السيد ميرغني حمزة من حزب الشعب الديمقراطي.
وانتقل من تبقّى من الحزب الوطني الاتحادي بقيادة رئيسه السيد إسماعيل الأزهري إلى المعارضة.
وتسلّم السيد محمد أحمد محجوب، والذي كان قد انضمّ إلى حزب الأمة بذاك الوقت، مقاليد وزارة الخارجية.
وكان السيد محمد أحمد محجوب قد ترشح وفاز في دوائر الخريجين عام 1953 مستقلّاً.
كما ذكرنا من قبل فقد ظلّ قانون الحكم الذاتي لعام 1953 هو دستور السودان خلال فترة الحكم الذاتي التي انتهت بإعلان الاستقلال.
وقد تمّ القيام بتعديلاتٍ طفيفةٍ على قانون الحكم الذاتي على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955 قبل إعلان الاستقلال، وصدر في يوم الاستقلال – الأول من يناير عام 1956 – تحت مسمى “دستور السودان المؤقّت لعام 1956” ليُحكمَ به السودان (حسب قرار مجلس النواب قي 31 ديسمبر عام 1955) حتى الفراغ من صياغة دستورٍ دائمٍ جديد.
شمل الدستور المؤقت مجلس سيادة من خمسة أعضاء، أحدهم من أبناء الجنوب، ليكون رأس الدولة ويحلّ محل الحاكم العام.
وأشار الدستور إلى أن رئاسة هذا المجلس تكون شهريةً بالتناوب بين أعضائه الخمسة.
وهكذا أصبح بإمكان العضو الجنوبي بالمجلس أن يكون رأس الدولة على الأقل شهرين كل عام.
وقد تمّ اختيار السيد سرسيو أيرو ليمثّل الجنوب في مجلس السيادة.
كما أن عضوية الجنوبيين في مجلس الوزراء تحت مسمى “وزير دولة بلا أعباء”، والتي شملت السادة داك داي، وبولين ألير، وسانتينو دينق، لم تتواصل بسبب نقد وسخرية أبناء الجنوب، خاصةً أعضاء الحزب الليبرالي.
حلَّ محل وزراء الدولة بلا أعباء الثلاثة وزيران جنوبيان أحدهما السيد سانتينو دينق لوزارة المخازن والمهمات، والثاني السيد داك داي لوزارة النقل الميكانيكي.
وكما ذكرنا من قبل فقد كان الاثنان وزيري دولة بلا أعباء في الحكومة السابقة.
صحيحٌ أنه لا تحمل أيّةٌ من هاتين الوزارتين حتى على جزءٍ من أهمية ووزن ومسئوليات أية وزارة من الوزارات السيادية والاقتصادية والخدمية الأخرى.
لكن عند مقارنة هذا الوضع بما كان عليه قبل أشهر فلا بد للمراقب أن يلاحظ التحسّن النسبي في الوضع السياسي لأبناء الجنوب.
فقد حصلوا على عضوية مجلس السيادة، مع أربعة أعضاء شماليين، ورئاسته الشهرية الدورية، وحصلوا أيضاً على وزارتين كاملتين.
وإضافةً إلى هذا فقد حصلوا على وعدٍ بالحكم الفيدرالي من البرلمان، وهو النظام السياسي والدستوري الذي كان غاية ما يتطلّعون إليه منذ السنوات التي سبقت الاستقلال.
وبدأ القادة الجنوبيون يمنّون أنفسهم بحكم الجنوب تحت مظلّة النظام الفيدرالي، والمشاركة، رغم محدوديتها، في حكم السودان ككل.
لكن فرحة الجنوبيين لم تدم طويلاً.
شكّلت حكومة السيد عبد الله خليل لجنة الدستور في بداية شهر سبتمبر عام 1956 من 46 عضواً برئاسة السيد بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب، وتمّ تعيين السيد أحمد خير نائباً له.
شملت اللجنة ثلاثة أعضاء فقط من أبناء الجنوب، من بينهم الأب سترنينو لوهوري.
وقد كان ذلك التمثيل بالطبع ضعيفاً ولا يعكس الوزن السكاني أو السياسي للجنوب.
بدأت اللجنة أعمالها في نفس الوقت الذي خرج فيه الإسلام السياسي إلى العلن في السودان من عباءة السيدين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني اللذين أصبحا الحاكمين الحقيقيين للسودان، وتحت مظلّتهما الحكومة الائتلافية لحزبي الأمة والشعب الديمقراطي، أو ما عُرِف بحكومة السيدين.
وقد استمر هذا الائتلاف في حكم السودان من شهر يوليو عام 1956 إلى ما بعد انتخابات فبراير/مارس 1958، وحتى انقلاب 17 نوفمبر عام 1958 الذي سوف نناقشه بتفصيلٍ في مقالٍ قادم.
تمخّضت لجنة الدستور وولدت دستوراً إسلامياً عربياً للسودان، ودولةً مركزيةً لا مكان فيها للفيدرالية.
فقد نصّت المادة الأولى من الفصل الأول من مسودة الدستور على أن السودان دولةٌ موحّدةٌ، وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية.
ونصّت المادة الرابعة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، بينما نصّت المادة الخامسة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.
عليه فقد أكدت مسوّدة الدستور أن السودان دولةٌ مركزيةٌ موحدةٌ، ناسفةً بذلك حلم الجنوبيين بالفيدرالية التي ظنوا أنهم على أبوابها.
وقد انسحب مندوبو الجنوب الثلاثة من لجنة الدستور حال إجازة اللجنة لهاتين المادتين من الدستور.
في تبرير رفضها للنظام الفيدرالي أوضحت لجنة الدستور، كما نقل ذلك السيد محمد أحمد محجوب للبرلمان، “أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
”لا بد من ملاحظة أن القرار برفض النظام الفيدرالي صدر من لجنة الدستور، وليس من الجمعية التأسيسية كما نص قرار البرلمان الذي أشرنا إليه أعلاه! !كانت مسألة في غاية الغرابة أن تقوم مجموعةٌ متعلمةٌ مستنيرةٌ أُنيطت بها هذه المهمة الوطنية الكبرى أن تتعامل بتلك البساطة المتناهية، وذلك الاستخفاف مع قضيةٍ بمثل ذلك الحجم والأهمية.
وهكذا وبهذه البساطة والسرعة حطمّت اللجنة آمال وتطلّعات أبناء الجنوب المتواضعة لقيام نظامٍ فيدرالي، وأهدر الشماليون بغطرسةٍ وعنادٍ واستخفاف فرصة وحدة البلاد.
وقد بذر هذا الرفض ونقض العهود والاستعلاء بذور الانفصال التي استطالت وآتت أكلها بعد نصف قرنٍ من الزمان.
وقد أوضح السيد محمد أحمد محجوب أن قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بطلبه للجمعية التأسيسية القادمة إعطاء النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي كان فقط لإرضاء الجنوبيين حتى يصوتوا للاستقلال، مما يعكس قدراً كبيراً من الاستخفاف بأبناء الجنوب وبالاتفاقيات معهم، وعدم الجدية في التعامل معهم (راجع كتاب السيد أبيل ألير التمادي في نقض المواثيق، صفحة 23 من النص الإنجليزي الأصلي للكتاب).
أصبح واضحاً بعد ذلك التصويت أنه لم يكن أحدٌ جاداً في ذلك الوعد للجنوبيين.
وسوف نناقش في مقالات قادمة التصعيد العسكري للحرب في الجنوب الذي قام به السيد محمد أحمد محجوب عندما صار رئيساً للوزارة عام 1965، والمجزرتين اللتين وقعتا في جنوب السودان في عهد الحكومة التي ترأسها خلال فترة الحكم المدني الثانية (مجزرتي جوبا و واو – يوليو 1965).
وسنناقش أيضاً تهميش دور العضو الجنوبي الوحيد في مجلس السيادة بتغيير الرئاسة الشهرية إلى رئاسة دائمة تولاها السيد إسماعيل الأزهري، كما سنناقش في مقالٍ قادم.
أُصِيب الجنوبيون بخيبة أملٍ كبيرة عبّر عنها الأب سترنينو لوهوري عندما انسحب هو والعضوان الجنوبيان الآخران من لجنه الدستور كما ذكرنا أعلاه.
وقد خاطب الأب سترنينو البرلمان (كما أوردنا في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات) في 16 يونيو عام 1958موضحاً في ألمٍ وحسرة عن خيبة أمله في رفض الشماليين لمطلب الجنوبيين لنظام الحكم الفيدرالي في إطار السودان الموحّد، ومحذراً أن نتيجة هذا الرفض ستكون يوماً ما انفصال جنوب السودان رضي الشمال أم أبى.
وقد وقف التاريخ إلى جانبه، وصدقت نبوأته.
ورفع نقضُ الأحزاب الشمالية لوعد الفيدرالية سقفَ مطالب أبناء الجنوب تدريجياً إلى نقطة حق تقرير المصير، ومن هناك إلى النتيجة المأساوية التي وصلت إليها البلاد في 9 يوليو عام 2011، بعد نصف قرنٍ من نقض وعد 19 ديسمبر عام 1955.
لقد قرّرت لجنة الدستور أن كل ما طلبه قرار البرلمان هو إعطاء الاعتبار الكافي لمطلب الحكم الفيدرالي، وهو ما فعلته اللجنة.
بل لقد كان هذا أيضاً هو تفسير بعض القانونيين والسياسيين الشماليين للقرار.
من الجانب الآخر، رأى الأعضاء الجنوبيون في مجلس النواب أن ما تمّ في 19 ديسمبر 1955 كان حزمة اتفاقٍ تتكوّن من وقوف النواب الجنوبيين مع قرار إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان مقابل منح الجنوب الحكم الفيدرالي.
من الواضح أن تفسير لجنة الدستور لقرار البرلمان وطريقة تعاملها معه قد مثّلا استخفافاً كبيراً بمطلب النواب الجنوبيين وطموحاتهم.
ويبدو من هذا المنطق أن القضية بالنسبة للسياسيين الشماليين هي مسألة نزاعٍ قانونيٍ بين طرفين يكسبها من هو أكثر “شطارة قانونية” من الآخر، وليست قضية وطنية سياسية خطيرة، اشتعلت بسببها حربٌ أهلية طاحنة قبل أكثر من أربعة أشهرٍ فقط من تاريخ القرار.
كما أنه لا بد من التوضيح أن قرار مجلس النواب في 19 ديسمبر عام 1955 ذكر أن “… مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية.
”يثير هذا القرار عدداً من الأسئلة، منها:أولاً: لماذا أحال البرلمان مقترح الفيدرالية لجنوب السودان إلى لجنة الدستور ولم يتخذ فيها القرار بنفسه، وهو السلطة التشريعية العليا في البلاد؟لقد اتخذ البرلمان قراراً أخطر من هذا عندما أعلن الاستقلال، فكيف ولماذا يفشل ويرفض اتخاذ قرارٍ بالفيدرالية للجنوب؟ثانياً: لماذا تم عرض المسألة على لجنة الدستور، واعتبر الساسة الشماليون قرار لجنة الدستور نهائي، بدلاً من الانتظار وعرض الأمر على الجمعية التأسيسية إذا كان البرلمان لا يريد اتخاذ القرار؟كما لابد من التوضيح والإضافة أن الدستور الذي ستصيغه اللجنة هو مجرد مسوّدة تنبني على ما تم الاتفاق عليه بين الأحزاب السياسية، وتتم مناقشتها ومراجعتها وتعديلها وإجازتها بواسطة الجمعية التأسيسية.
إنني اعتقد أن كل ما حدث كان انعكاساً لعدم الجدية من السياسيين الشماليين في التعامل مع مطلب الفيدرالية، ومع قضية الجنوب ككل، إن لم يكن مناورةً متفقاً عليها بين النواب الشماليين.
لم تُعمِّر الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي طويلاّ، فقد نخرت في عظامها الخلافات السياسية والشخصية، ليس فقط بين الحزبين المؤتلفين، بل حتى من بين أعضاء كلٍ من الحزبين الحاكمين نفسيهما داخل الحكومة.
برز نزاع حلايب الحدودي مع مصر، ووقف حزب الأمة موقفاً صلباً ضد مصر، صعّد فيه الخلاف وأوصله إلى مجلس الأمن.
من الجانب الآخر حاول حزب الشعب الديمقراطي بحكم علاقته الوطيدة مع مصر حلّ النزاع عن طريق التفاوض بين البلدين، دون اللجوء إلى طرفٍ ثالث، “وتفويت الفرصة على الاستعمار والامبريالية العالمية.
”ثم جاءت مسألة المعونة الأمريكية والتي لم يجد حزب الأمة مشكلةً في قبولها، بينما عارضها بشدّة حزب الشعب الديمقراطي باعتبار أنها “الغطاء لمشروع الرئيس الأمريكي ايزنهاور الامبريالي في الشرق الأوسط.
”وكانت علاقات الحكومة مع الاتحادات والنقابات السودانية مصدر شدٍ وجذب بين محاولات حزب الشعب الديمقراطي التعايش معها وكسب ودِّها، وبين رفض مواقفها ومطالبها بواسطة حزب الأمة الذي رأى فيها واجهةً للشيوعية.
وتأجّج الصراع على كراسي الوزارة بين قيادات الحزبين، فقد أصرّ حزب الشعب الديمقراطي على إشراك بعض قياديه الذين خسروا انتخابات فبراير عام 1958، في الوزارة مثل السيدين علي عبد الرحمن رئيس الحزب، وميرغني حمزة نائب الرئيس.
لقي ذلك المقترح معارضةً ليس فقط من حزب الأمة، ولكن من بعض قيادات حزب الشعب الديمقراطي نفسه.
وقد نجح حزب الشعب الديمقراطي (أو في حقيقة الأمر السيد علي الميرغني راعي الحزب) في فرض مقترحه، وتمّ تعيين السيد علي عبد الرحمن وزيراً للداخلية، والسيد ميرغني حمزة نائبأ لرئيس الوزراء ووزيراً للزراعة والري.
وقد رأى الكثيرون في هذين التعينين طعنةً لمبادئ الديمقراطية ونتائج الانتخابات والمشاركة في السلطة.
أزاء هذه الخلافات والمشاكل لم تعد قضية الجنوب من بين أسبقيات الحكومة والأحزاب السياسية رغم حالة الغليان والاحتقان في أوساط الساسة والمتعلمين الجنوبيين.
وقد تواصل منح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية، فقد شملت الحكومة الائتلافية السادة بنجامين لوكي لوزارة الأشغال، وغوردون أيوم لوزارة الثروة الحيوانية، والفريد بورجوك لوزارة الثروة المعدنية.
تصاعدت الخلافات بين حزبي الائتلاف – الأمة والشعب الديمقراطي – وأحسّ السيد عبد الله خليل أن أيامه كرئيسٍ للوزراء قد قاربت نهايتها، وأنه سيفقد وظيفته القيادية نتيجة ائتلافٍ جديدٍ قادمٍ بين حزب الشعب الديمقراطي والحزب الوطني الاتحادي، أو حتى بين حزبه وأحد هذين الحزبين.
إزاء هذا الوضع وجّه السيد عبد الله خليل الفريق إبراهيم عبود بالقيام بانقلابٍ عسكري واستلام السلطة وتشكيل حكومةٍ مشتركة بين العسكريين والمدنيين السياسيين.
بعد تردّدٍ دام أسابيع، وضغوطٍ هائلةٍ ومتواصلةٍ من السيد عبد الله خليل، قام الفريق عبود في 17 نوفمبر عام 1958 – بعد أشهرٍ قليلة من الانتخابات النيابية الثانية في السودان – بانقلابه مُنهياً الحلقة الأولى من سلسلة حلقات الحكم المدني في السودان، ومبتدئاً حلقة قفز العسكر على مقاعد السلطة في السودان.
بتلك البساطة وجّه رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل طعنةً نجلاء للديمقراطية الوليدة لن تفيق منها البلاد أبداً، وفتح شهيّةَ العسكر للسلطة، والبابَ واسعاً للانقلابات العسكرية في السودان التي توالت وتواصلت منذ ذلك التاريخ.
وقد اتهمت القيادات الجنوبية السيد عبد الله خليل بأنه وجّه الفريق عبود باستلام السلطة ليقوم الجيش بحلِّ قضيةِ الجنوب عن طريق البندقية بعد فشل الحكم المدني في ذلك، وليس بالحل السلمي الفيدرالي أو بالتفاوض.
وقد كان حلُّ البندقية هو ما حاوله، وبعنفٍ وقسوٍة، الفريق عبود وصحبه في جنوب السودان على مدار ستة أعوامٍ، وهو ما أدّى إلى سقوطه في ثورة أكتوبر 1964، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (5 – 12)تتبّعنا في المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.
انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.
أشرنا إلى تجاهل، ثم رفض، الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضمّن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جادّاً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
شرحنا ردة الفعل في اوساط القوى السياسية الجنوبية والتي تمثّلت في خيبة أملٍ كبيرة، وفي رفع سقف المطالب في أواساط الكثيرين منهم، وفي الوصول لقناعةٍ في أوساط آخرين أن الشمال قد أغلق باب التفاوض، وأن كل ما تبقى لهم هو الانضمام للحركات المسلحة الجنوبية التي كان أعداد محاربيها في تزايدٍ مستمر.
وقد كان الإغلاق لباب التفاوض قد تم ليس فقط لمطلب الفيدرالية، بل تعداه بدعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة، كما ذكرنا في المقال السابق، وكما سنتابع في هذا المقال.
وسيناقش المقال ببعض التفصيل كيف تعامل الفريق عبود وصحبه مع مطلب النظام الفيدرالي، ومع قضية الجنوب ككل، وكيف أدّى حلُّ البندقية الذي تبنّوه إلى سقوطهم بعد ستة أعوامٍ من استلام السلطة.
استولى الفريق إبراهيم عبود ورفاقه العسكر على السلطة في 17 نوفمبر عام 1958، بناءً على دعوة السيد رئيس الوزراء عبد الله خليل، كما أشرنا في المقال السابق.
أذاع الفريق عبود بيانه الأول وأعلن فيه تعليق العمل بدستور السودان المؤقّت لعام 1956، وحلَّ البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية، ومصادرة ممتلكاتها، وفرض الأحكام العرفية في سائر أنحاء البلاد.
أوضح الفريق عبود أن أسباب قيام “ثورة 17 نوفمبر” هي الفساد وسوء الإدارة واستشراء شراء الذمم بين نواب البرلمان وما نتج عنه من عدم الاستقرار السياسي، والفشل في حلِّ مشكلةِ الجنوب.
أعلن الفريق عبود تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة من ثلاثة عشر ضابطاً من كبار العسكريين في الجيش السوداني، ومنحه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية العليا في البلاد.
وقد تمّ إدخال عدّة تعديلات على عضوية المجلس خلال السنوات الأولى بعد الانقلاب بسبب الخلافات داخل قيادات الجيش، وبسبب محاولات الانقلاب المتكرّرة، بدءاً بمحاولة الأميرالاي عبد الرحيم محمد خير شنان، والأميرالاي محي الدين أحمد عبد الله في مارس عام 1959.
غير أن عضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة ظلّت حصراً على ضباط الجيش الشماليين، ولم يتشرّف بعضويته أيُّ ضابط جيشٍ جنوبي خلال كل فترة حكم الفريق عبود، رغم وجود عددٍ من الضباط الجنوبيين في الجيش.
ولم يختلف الأمر كثيرأ في مجلس الوزراء الذي تمّ تشكيله بعد يومٍ من نجاح الانقلاب.
فقد شمل المجلس وزيراً جنوبياً واحداً وهو السيد سانتينو دينق الذي شغل وزارة الثروة الحيوانية.
وكان السيد سانتينو دينق وزيراً لنفس الوزارة في حكومة السيد عبد الله خليل التي أطاح بها الانقلاب العسكري.
ويبدو أن وزارة الثروة الحيوانية قد أصبحت بذاك الوقت حقّاً مكتسباً للجنوبيين لا ينافسهم فيها شماليٌ.
شمل مجلس الوزراء أربعة مدنيين شماليين هم السادة أحمد خير لوزارة الخارجية، وعبد الماجد أحمد لوزارة المالية، وزيادة أرباب للتعليم والعدل، والدكتور محمد أحمد علي لوزارة الصحة، وهيمن العسكر على بقية الوزارات.
وقد كان السيد زيادة أرباب وزيراً لنفس الوزارات في حكومة السيد عبد الله خليل، وأصبح هو والسيد سانتينو دينق الوزيرين الوحيدين في حكومة الفريق عبود اللذين واصلا من الوزارة السابقة.
كما ذكرنا من قبل، فقد كان استيلاء الفريق عبود على السلطة بناءً على توجيهات رئيس الوزراء السيد عبد الله خليل نفسه، كما أكّد ذلك تقرير القاضي صلاح شبيكة عن انقلاب 17 نوفمبر عام 1958.
بعد يومين من الانقلاب أصدر السيد عبد الرحمن المهدي إمام طائفة الأنصار وراعي حزب الأمة بياناً أعلن فيه عن تأييده للانقلاب.
أوضح البيان أن السياسيين من قادة الأحزاب قد فشلوا في إدارة البلاد، وأن الحكومات الأربعة التي حكمت البلاد قبل الثورة (الانقلاب) لم يواكبها النجاح.
كما أشار البيان إلى أن قيادات الجيش التي أخذت الأمور في أيديها سوف لن تسمح بالتردّد والفساد والفوضى في البلاد.
وقد تبع ذلك البيان بيانٌ مماثل من السيد علي الميرغني إمام طائفة الختمية وراعي حزب الشعب الديمقراطي، يعلن فيه أيضاً تأييده للانقلاب ويسأل الله أن تؤدي تلك الخطوة إلى الازدهار والتقدم للبلاد.
فسّر المراقبون البيانين بأنهما تأييد السيدين التام للحلِّ العسكري لقضية الجنوب الذي تبنّاه البيان الأول للفريق عبود.
وقد اتّهم بعض القادة الجنوبيين السيد عبد الله خليل بتدبير الانقلاب حتى يتسنّى للجيش حسم الحرب الأهلية في جنوب السودان بالبندقية، وبدون تدخلٍ من المدنيين.
وكما سنناقش في مقالٍ قادم، فقد شملت رسالة حزب سانو في 8 نوفمبر عام 1964 من منفاه في ليوبولدفيل في جمهورية الكونغو، إلى السيد رئيس وزراء حكومة ثورة أكتوبر الأولى، السيد سر الختم الخليفة، والتي اقترحت عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية جنوب السودان، الفقرة التالية:“ومن المفهوم أن بعض الأحزاب تواطأت مع الجيش لاتمام الانقلاب حتى تتمكن من تصفية قضية الجنوب.
لكن التجربة المرة كشفت الغشاوة عن أعين المخدوعين.
”وسواءٌ كان هذا فعلاً أحد أسباب دعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة ام لا، فقد كان ذاك هو تماماً ما قام به الفريق عبود وصحبه.
فقد كان برنامجهم في الجنوب مبنيّاً على ركيزتين، هما: الحل العسكري لمشكلة التمرّد، وأسلمة وتعريب الجنوب كحلٍ متوازٍ ومكمّلٍ للحلّ العسكري بغرض دمج جنوب السودان ثقافياً مع شماله.
تسلّم الفريق عبود مهام وزارة الدفاع، بالإضافة إلى رئاسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء.
وأعلنت الحكومة الجديدة بعد أسابيع قلائل من الانقلاب أن جنوب السودان في حالة تمرّد على القانون والنظام، وأن الردَّ الوحيد والمناسب لهذا التمرد هو الردُّ العسكري الحاسم.
تمّ تعيين حاكمٍ عسكريٍ لكلٍ من المديريات التسعة في السودان.
لكن حكام المديريات الجنوبية الثلاثة مُنِحوا كافة الصلاحيات العسكرية التي يحتاجونها لدحر التمرد.
بدأت مباشرةً بعد الانقلاب حملاتٌ عسكريةٌ مكثّفة في كل مناطق الجنوب التي يشتبه وجود متمردين فيها، وصاحبتها حملات اعتقالاتٍ واسعة شملت سياسيين وأكاديميين وطلاب مدارس وسلاطين.
صاحبت تلك الحملات محاكماتٌ ايجازية أصدرت أحكاماً بالسجن لسنواتٍ طويلة لعددٍ كبيرٍ من المعتقلين بتهم التمرد على الدولة.
وتواصلت التصريحات النارية من قادة المجلس العسكري الجديد الحاكم في الخرطوم، متوعّدةً قيادات التمرد في الجنوب بالحريق والموت والدمار.
فقد نُسِب إلى اللواء حسن بشير نصر، الرجل الأكثر قوّةً في نظام الفريق عبود، القول:“إذا كان لا بُدَّ مما ليس منه بُدٌّ فستُضرم الحرائق في النبات والشجر والإنسان في الجنوب، ولن يبقى في تلك الأرجاء ديار، ولن تقوم بعدها لعقارب الأنانيا السامة قائمة.
”وقد كانت الحركات المسلحة في الجنوب قد أطلقت على نفسها اسم الأنانيا – أي العقارب السامة أو الأفعى السامة.
وأصبحت تُعرفُ بذلك الإسم.
وقد سارت حكومة الفريق إبراهيم عبود في نفس نهج الأحزاب السياسية الشمالية في رفضها للنظام الفيدرالي لجنوب السودان.
بل إن الحكومة الجديدة حذّرت ساسة وسلاطين وأبناء الجنوب من المطالبة بالنظام الفيدرالي، وقرّرت أن يكون ذلك النوع من المطالب السياسية جريمةً يعاقب عليها القانون.
وتم بالفعل سنّ تلك القوانين الطائشة.
كما أن اللواء محمد طلعت فريد، عضو المجلس الأعلىى للقوات المسلحة، ووزير الاعلام والعمل، والناطق الرسمي بإسم حكومة الفريق إبراهيم عبود، أعلن صراحةً للصحف السودانية في 3 ديسمبر عام 1958:“لن نعترف بالفيدريشن، ولا نعترف بأن أيّةَ منطقة هي ملكٌ لأبناء تلك المنطقة دون سواهم.
إننا نؤمن بأن السودان كله، شرقه وغربه، وشماله وجنوبه، بكامل حدوده الجغرافية، وحدةٌ واحدةٌ لا تتجزّأ.
”وواصل اللواء محمد طلعت فريد “إن حكومة الثورة لن تتهاون مطلقاً مع كل من يحاول تمزيق وحدة البلاد وستضرب بشدّة على كل من تسوّل له نفسه أن يسعى لذلك.
”وقد انفتح باب العقاب للمطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان الذي وعد به اللواء طلعت فريد الجنوبيين واسعاً وعلى مصراعيه عندما أعلن الحاكم العسكري للمديرية الإستوائية في 8 فبراير عام 1959 عن تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة احد المواطنين، وهو سائق شاحنة جنوبي، بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي لجنوب السودان.
وفي وقتٍ لاحق أعلن الحاكم العسكري أن المحكمة أدانت المتهم وحكمت عليه بالسجن خمس سنوات.
وتواصل ذلك النوع من المحاكم العبثية.
وكان السياسي الجنوبي السيد أزبوني منديري وقتها في السجن أيضاً بعد إدانته بالمطالبة بالنظام الفيدرالي، وبقي بالسجن حتى قيام ثورة أكتوبر عام 1964.
ورغم أن حكومة الفريق عبود لم تتبنّى نظام الإسلام السياسي كفلسفةٍ لحكم البلاد، أو تصدر قوانين إسلامية، إلا أنها تحرّكت بسرعة في اتجاه أسلمة وتعريب جنوب السودان باعتبار أن المشكلة هي قضيةُ تكاملٍ ثقافيٍ بين شطري البلاد سوف يحلّها اعتناق الجنوبيين للديانة الإسلامية وتحدثهم اللغة العربية.
وقد قرّر النظام الجديد في الخرطوم فرض الاثنين – الإسلام واللغة العربية – بالقوة في جنوب البلاد كحلٍ طويل المدى لمشكلة الجنوب.
من هنا أخذ الحل العسكري في الجنوب بُعداً إسلامياً عربياً حتى مع غياب أي ادعاء أو مناداةٍ بدولةٍ إسلاميةٍ في السودان.
وكما ذكرنا أعلاه، فقد رأت حكومة الفريق عبود في فرض الهوية الشمالية في الجنوب وسيلةً للاندماج والتكامل بين شطري البلاد.
ولتطبيق هذا التوجّه الأهوج فقد أصدرت الحكومة قراراً بأن تحلَّ اللغةُ العربية مكان اللغة الإنجليزية واللغات المحلية في الجنوب، وأن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس في المدارس ولغة التعامل في المكاتب.
نتج عن هذا القرار إبعاد الموظفين والمدرسين الجنوبيين الذين لم يكونوا يتحدثون اللغة العربية، وإحلالهم بموظفين شماليين.
لا بُدَّ من الإشارة هنا إلى أنه تمّ إدخال اللغة العربية في الجنوب في عام 1949، بعد عامين من مؤتمر جوبا، وقد كانت تُدرّس جنباً إلى جنب مع اللغة الإنجليزية.
ولكن أصبحت اللغة العربية في سنوات الفريق عبود هي اللغة الوحيدة المسموح تدريسها والعمل بها في مدارس ومكاتب الجنوب.
وقد كانت هناك تحفّظاتٌ من بعض القادة الجنوبيين لإدخال اللغة العربية في مدارس الجنوب عام 1949.
فقد تخوّف هؤلاء القادة في أن يكون إدخال اللغة العربية هو حصان طروادة لفرض الإسلام في مدارس الجنوب، وهذا ما حدث فعلاً مع بداية حكم الفريق عبود.
لتطبيق برنامجها الإسلامي في الجنوب، فقد قامت الحكومة بطرد كل المنظمات الكنسية والتبشيرية والبالغ عددها أكثر من 300 منظمة من الجنوب، وإغلاق الكنائس والمدارس التابعة لها.
وصدر في عام 1962 قانون الجمعيات التبشيرية والذي يتطلّب من كل جمعية الحصول على إذنٍ قبل ممارسة أي نوعٍ من النشاط في جنوب السودان.
تحدثت الحكومة أيضاً عن “سودنة التبشير” في الجنوب، ولكن يبدو أن ذلك الحديث كان لامتصاص الغضب حول طرد المنظمات الكنسية الأجنبية من جنوب السودان.
وقد كانت نتيجة إغلاق المدارس التابعة للمنظمات الكنسية هي انضمام عددٍ كبيرٍ من طلاب هذه المدارس إلى الحركات المسلحة، بعد أن فشلت السلطات في استيعابهم في المدارس الحكومية.
ويُعزى ذلك الفشل إلى قلّة المدارس في الجنوب، ومحدودية الأماكن لاستيعاب الطلاب فيها، وعدم رغبة الحكومة في التوسع في التعليم في الجنوب.
غير أن حكومة الفريق عبود لم تتنبّه إلى ذلك الخطأ الكارثي إلّا بعد فوات الأوان.
وقد تقرّر أيضاً أن تكون عطلة نهاية الأسبوع هي يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد الذي كان العطلة منذ دخول الحكم الثنائي جنوب السودان.
كما بدأت الحكومة في مشروعٍ متكامل لإرغام الجنوبيين على تغيير أسمائهم المسيحية والمحلية بأسماء عربية إسلامية، وفي فتح المساجد (مع إغلاق الكنائس) وتدريس المواد الإسلامية.
وقد تمّ تطبيق هذه الإجراءات العبثية الطائشة الهوجاء بقوة السلاح التي منحتها الحكومة بدون قيودٍ لحكام الجنوب العسكريين الجدد.
وهكذا تزامن التصعيد العسكري لهزيمة التمرد مع تصعيد برنامج التكامل الثقافي بفرض اللغة العربية والديانة الإسلامية في كل أنحاء جنوب السودان.
نتج عن تلك الإجراءات العسكرية القاسية وإجراءات دمج الجنوب ثقافياً مع الشمال هروب عشرات الآلاف من السودانيين الجنوبيين (الذين لم يتم اعتقالهم) إلى دول الجوار – كينيا ويوغندا وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير وقتها)، واكتظت معسكرات اللاجئين في هذه الدول بهؤلاء اللاجئين.
وقد أدّت هذه السياسات الطائشة الهوجاء إلى انخراط عشرات الآلاف من الشباب الجنوبيين في حركة المقاومة في الجنوب التي أطلقت على نفسها الأنيانيا، والتي واصلت الحكومة تسميتها بحركة التمرد والخوارج.
وقد أشرنا إلى هذه المسألة في الجزء 17 أعلاه.
في تلك الأثناء قام القادة السياسيون الجنوبيون – السادة ويليام دينق وسترنينو لوهوري وجوزيف أدوهو – من منفاهم في شرق أفريقيا بإنشاء حزب الاتحاد الوطني الأفريقي السوداني، أو ما عُرف بحزب سانو – وهي الكلمة التي تكوّنها الأحرف الأولى لإسم الحزب باللغة الإنجليزية:Sudan African National Union (SANU).
تبنّى هذا الحزب مطلب النظام الفيدرالي الذي كان ينادي به الحزب الليبرالي الجنوبي في بداية الخمسينيات، رغم نمو وتصاعد النعرة الانفصالية في أوساط مقاتلي الأنيانيا والشباب في جنوب السودان، ووسط اللاجئين في الدول المجاورة للجنوب.
وقد مارست حكومةالفريق عبود ضغوطاً كبيرةً لإقناع الحكومةاليوغندية بتسليمها قيادات حزب سانو (باعتبار أن المطالبة بالفيدرالية جريمة بمقتضى القانون السوداني)، لكن الحكومة اليوغندية لم تذعن لتلك الضغوط، بل اندهشت في حقيقة الأمر لذلك الطلب المتغطرس الغريب.
كما أن العلاقات العرقية والثقافية وتداخل القبائل بين جنوب السودان ودول كينيا ويوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ساهمت كثيراً في نمو التعاطف مع قضية مواطني جنوب السودان، وقبولهم والسماح لهم بالإقامة والعمل والدراسة في تلك الدول.
وقد وضح تعاطف تلك الدول مع قضية مواطني جنوب السودان في حديث أحد نواب البرلمان اليوغندي في إحدى جلسات البرلمان عندما تحدث عن الحرب المدمرة في جنوب السودان، وتساءل: كيف نستطيع أن نتحدث عن جرائم حكومة جنوب أفريقيا وحكومة البرتقال (في انقولا وموزمبيق) في الوقت الذي يجري فيه ذبح المواطنين في بلدٍ مجاور لنا؟غير أن كلّ تلك السياسات الهوجاء والإجراءات العسكرية القاسية من حكومة الفريق عبود لم تنجح في كبح جناح الحركات المسلحة في جنوب السودان، أو حتى وقف نموه.
بل أدّت في حقيقة الأمر، إلى عكس ذلك تماماً بهروب عشرات الآلاف من شباب الجنوب وانضمامهم إلى الحركات المسلحة.
وظلّت القوات المسلحة تواجه الخسائر البشرية والمادية المتزايدة في أحراش وغابات جنوب السودان التي لم يكن لدى أفرادها أدنى تصوّر لطبيعتها القاسية ولوسائل التعايش معها.
وتفشّت أمراض المناطق الإستوائية، خصوصاً مرض الملاريا والبلهارسيا، وسط الضباط والجنود، مما ساهم كثيراً في تردّي الحالة الصحية والروح المعنوية لهؤلاء الضباط والجنود.
بعد خمسة أعوامٍ من السياسات العسكرية الهوجاء الفاشلة، والخسائر البشرية والمادية المتواصلة للجيش السوداني في الجنوب، أحسّ الفريق إبراهيم عبود ورفقاؤه في المجلس الأعلى للقوات المسلحة بضرورة مراجعة تلك السياسات والبحث عن حلول أخرى.
كوّن الفريق عبود في 20 أغسطس عام 1964 لجنةً من 27 شخص، 15 من الشماليين و12 من الجنوبيين للنظر في مشكلة الجنوب ودراسة أبعادها لإعادة الثقة بين شقي البلاد والمحافظة على وحدة القطر، والتقدّم بتوصياتٍ في هذا الشأن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
شملت اللجنة من الشماليين السادة سر الختم الخليفة، وأحمد محمد يس، وبشير محمد سعيد.
وشملت من الجنوبيين السيد سرسيو ايرو العضو بمجلس السيادة الأول في السودان، والسلطان لوليك لادو الذي شارك في مؤتمر جوبا عام 1947، وفي لجنة القاضي قطران التي قامت بالتحرّي في أحداث توريت عام 1955.
غير أن الأمر بتشكيل اللجنة ومرجعيتها وضع المسئولية على الأوضاع في جنوب السودان “على عاتق تمرّد عام 1955 الذي أودى بحياة المئات من الشماليين الأبرياء، ” “وعلى الاستعمار البريطاني الذي أغلق الجنوب أمام الشماليين ومنعهم من التداخل والتواصل مع إخوانهم في الجنوب.
”كما أوضح أمر تشكيل اللجنة أن الخلافات العرقية واللغوية والدينية والثقافية بين شطري البلاد لا يجب أن تكون سبباً للتمرد لأن هذه الخلافات تسود بين قبائل الجنوب الكثيرة نفسها.
يبدو أن من قاموا بكتابة مرجعية هذه اللجنة قد قرأوا تقرير القاضي قطران وتحميله حكومة السيد إسماعيل الأزهري مسئولية أحداث توريت عام 1955، فقرروا أن يغلقوا الطريق أمام اللجنة من السير في طريقه.
جاء تكوين اللجنة متأخراً كثيراً، وكانت صلاحياتها محدودةً، وفرضت عليها مرجعيتها الكثير من القيود.
بل في حقيقة الأمر فإن تلك المرجعية وجّهت اللجنة بما يجب أن يشمله التقرير.
لكن قبل أن تنتهي اللجنة من أعمالها قام الشماليون الذين أرهقتهم الحرب وفقدوا فيها الكثير من أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم ومعارفهم بالثورة على النظام.
تصاعدت الثورة التي اندلعت من جامعة الخرطوم وامتدت لكل أنحاء السودان في 21 أكتوبر عام 1964، أي بعد شهرين فقط من تكوين اللجنة.
كانت مشكلة جنوب السودان الوقود الذي غذّى الثورة، وكانت المطالبة بحلٍ سلميٍ لتلك المشكلة هي أهم وأعلى الشعارات والمطالب التي رفعها المتظاهرون.
بل إن ندوة جامعة الخرطوم التي أطلقت شرارة ثورة أكتوبر كانت عن قضية الجنوب.
وقد طالب المتظاهرون أيضاً بعودة الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود، واستقلال القضاء والتعليم الجامعي.
بعد أيامٍ من المحاولات الفاشلة لإخماد المظاهرات بالعنف والاعتقالات قام الفريق إبراهيم عبود بحلّ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء، وتسليم السلطة لجبهة الهيئات التي قادت ثورة أكتوبر والتي كانت تُمثّل الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات.
وإذا كان الحل العسكري لقضية الجنوب هو الذي قاد السيد عبد الله خليل لتوجيه الفريق عبود باستلام السلطة كما حدث في 17 نوفمبر عام 1958، فإن فشل ذلك الحل كان الوقود الذي أشعل وغذّى ثورة أكتوبر.
وكان رفض مطلب الفيدرالية كامناً في قلب الحدثين.
ولقد تواصل ذلك الفشل في حلِّ قضية الجنوب بالرفض القاطع والإجماعي من الشمال لمطلب الفيدرالية المتواضع الذي واصلت القيادات الجنوبية إثارته.
حدث ذلك خلال الفرصة التاريخية النادرة التي نتجت عن ثورة أكتوبر، وتمثّلت في مؤتمر المائدة المستديرة.
وقد أهدر الشماليون تلك الفرصة في غطرسةٍ وعناد، كما سنناقش في المقال القادم (والسادس) في هذه السلسلة من المقالات.
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (6 – 12)تتبّعنا في المقالات الخمسة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.
انتقلنا بعد ذلك لانتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي في جنوب السودان ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.
، وأشرنا إلى تجاهل ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
أوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، والتي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
بذلك القرار المتغطرس الخاطئ تم نسفُ أمل وطموح الجنوبيين لنيل النظام الفيدرالي، ورفعُ سقف مطالبهم.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء للفريق عبود لاستلام السلطة.
وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وسياسات أسلمة وتعريب الجنوب بالقوة، بغرض دمج الجنوب ثقافياً في الشمال.
أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
اتفّق قادةُ الأحزاب والنقابات والاتحادات التي قادت ثورة أكتوبر، والتي سمّت نفسها “جبهة الهيئات”، على وثيقةٍ سموها “الميثاق الوطني” يوم 27 أكتوبر عام 1964.
تضمّن الميثاق خارطة طريق لعودة الديمقراطية، شملت الغاء الأحكام العرفية وعودة جميع الحريات التي صادرها نظام الفريق عبود.
تمّ الاتفاق أيضاً على العودة لدستور السودان المؤقت لعام 1956، والذي كان قد انبنى على إعادة صياغة بعض مواد قانون الحكم الذاتي لعام 1953 على عجلٍ في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر عام 1955، وتمّت تسمية الدستور الجديد “دستور السودان المؤقت لعام 1964.
”تشكّلت يوم 30 أكتوبر عام 1964، أي بعد عشرة أيامٍ من اندلاع الثورة، حكومةٌ عريضةٌ من ممثلي منظمات جبهة الهيئات برئاسة السيد سر الختم الخليفة.
لم يكن للسيد سر الختم الخليفة دورٌ في قيادة ثورة أكتوبر.
وقد تمّ اختياره بصفته المهنيّة فقط، والتي ظلّ يتولاها حتى لحظة اختياره رئيساً للوزراء.
وكما ذكرنا في المقال السابق، فقد قام الفريق عبود بتعيين السيد سر الختم الخليفة عضواً في اللجنة التي شكّلتها الحكومة في أغسطس عام 1964 لدراسة قضية الجنوب، ربما لأنه عمل لفترةٍ من الزمن في جنوب السودان.
لم تشمل قائمةُ الموقّعين على الميثاق الوطني (والتي تضمّنت 28 من القيادات الحزبية والنقابية) قيادياً واحداً من جنوب السودان.
ولكن لا يبدو أن أحداً من القيادات الشمالية قد فطن إلى ذلك الخلل، لأنه تناسق مع التجاهلات الكثيرة السابقة لأبناء الجنوب منذ مفاوضات القاهرة في عام 1952 والتي قادت إلى توقيع اتفاقية تقرير المصير الخاصة بالسودان في 12 فبراير عام 1953كما أن الميثاق الوطني نفسه لم يتضمّن أيّة فقرةٍ عن مشكلة الجنوب، رغم الاعتقاد الكبير والعام (الخاطئ) بشمولية القضايا التي تناولها الميثاق.
فلأن مشكلة الجنوب كانت السبب الرئيسي لثورة أكتوبر، فمن الضروري أن يكون الميثاق الوطني، كما تصوّر الكثيرون، قد تناول تلك المشكلة، حتى لو لم يتعرّض لها في حقيقة الأمر.
غير أن الحكومة الجديدة، برئاسة السيد سر الختم الخليفة، شملت ثلاثة وزراء جنوبيين، منهم السيد كلمنت أمبورو الذي تسلّم مهام وزارة الداخلية.
كانت تلك أول مرّة في تاريخ السودان يتولى فيها سياسيٌ جنوبيٌ مهام وزارة سيادية منذ تشكيل أول وزارة وطنية في السودان عام 1954.
فقد ابتدع السيد إسماعيل الأزهري عام 1954 في أول مجلس وزراء مناصب وزراء دولة بلا أعباء للجنوبيين، كما أوضحنا من قبل.
وبعد عامٍ قام بمنِح الجنوبيين وزاراتٍ من الدرجة الثانية مثل المخازن والمهمات، والنقل الميكانيكي، ثم تمّت ترقيتهم إلى وزارة الثروة الحيوانية.
وكما ذكرنا من قبل، فقد شارك السيد كلمنت أمبورو في مؤتمر جوبا عام 1947، ولعب دوراً إيجابياً كبيراً في نجاح المؤتمر.
بالاضافة إلى السيد كلمنت أمبورو، شملت الوزارة السيد أزبوني منديري وزيراً للمواصلات، والسيد هيلري لوقالي وزيراً للأشغال.
وكان السيد أزبوني منديري قد قضى عدّة سنواتٍ في السجن بعد إدانته بتهمة المطالبة بالنظام الفيدرالي بواسطة حكومة الفريق عبود، وتم الإفراج عنه بعد نجاح ثورة أكتوبر.
تمّت إعادة مجلس السيادة بموجب دستور السودان الجديد المؤقت لعام 1964 كرأسٍ للدولة، ومثّل السيد لويجي أدوك الجنوب فيه.
وكان الفريق إبراهيم عبود قد شغل منصب رأس الدولة لفترةٍ قصيرة بعد سقوط نظامه في أكتوبر عام 1964، بناءً على طلب جبهة الهيئات، حتى يتم الاتفاق على دستور عام 1964، والتوافق على أعضاء مجلس السيادة الجديد.
عليه فقد تمّ إبعاد الفريق عبود من منصب رأس الدولة في 14 نوفمبر عام 1964 حال الاتفاق على الشخصيات التي سيشملها مجلس السيادة، رغم عرض المسألة كاستقالةٍ من الفريق عبود نفسه.
تشكّل مجلس السيادة في 14 نوفمبر عام 1964، بعد دقائق من إعلان “استقالة” الفريق عبود كرأسٍ للدولة.
شمل المجلس السادة الدكتور التيجاني الماحي، الدكتور مبارك الفاضل شداد، عبدالحليم محمد، إبراهيم يوسف سليمان، ولويجي أدوك.
وقد ظلّت تلك المجموعة في عضوية المجلس حتى قيام الانتخابات وإعادة تشكيل المجلس في يونيو عام 1965، كما سنناقش في مقالٍ لاحق.
كما ذكرنا أعلاه لم تشمل جبهة الهيئات أي عضوٍ من جنوب السودان، رغم أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان قضية الجنوب، وأن الحل السلمي لها كان المطلب الرئيسي للثوار.
كان يمكن، بل في حقيقة الأمر كان يجب على جبهة الهيئات، تمثيل الجنوبيين في عضويتها.
وكان من الضروري أن يكون واحداً على الأقل من هؤلاء القادة الأربعة (السادة كلمنت أمبورو، أزبوني منديري، هيلري لوقالي، أو لويجي أدوك) أحد الموقعين على الميثاق الوطني.
كان ذلك الوضع سيعكس أهمية تمثيل جنوب السودان، ويؤكّد حقيقة أن السبب الرئيسي لاندلاع ثورة أكتوبر كان حرب الجنوب، ويضع حلَّ المشكلة على رأس قائمة الأسبقيات.
رغم ذلك الإغفال الكبير في الميثاق الوطني، فقد أعلنت الحكومة الجديدة أن من أوائل مهامها الوصول إلى حلٍّ لمشكلة الجنوب، كما طالبت جماهير الشعب السوداني التي أشعلت الثورة.
وقد أرسل ذلك الإعلان، وتعيين السادة كلمنت أمبورو، وأزبوني منديري، وهيلري لوقالي كوزراء، رسالةً إيجابيةً إلى القادة السياسيين الجنوبيين، وقرّر عددٌ منهم التجاوب معها.
أرسل رئيس حزب سانو، السيد ويليام دينق الذي كان يقيم في المنفى في مدينة ليوبولدفيل (كينشاسا لاحقاً) في جمهورية الكونغو الديمقراطية، رسالةً إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس الوزراء في الثامن من شهر نوفمبر عام 1964 يهنئه والشعب السوداني فيها بنجاح ثورة أكتوبر وتبنّي الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
اقترحت الرسالة عقد مؤتمر مائدة مستديرة يضم كافة الأحزاب السياسية السودانية وممثلين للنقابات والاتحادات لمناقشة الخطوط العامة للعلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب.
طالبت الرسالة كشرطٍ لعقد المؤتمر العفو غير المشروط عن جميع اللاجئين، والاعتراف بحزب سانو كحزبٍ سياسي يحقُّ له أن يشترك في الانتخابات التي تقرّر أن تُقام في شهر مارس عام 1965 على أساس برنامجه المتمثّل في الحكم الفيدرالي.
طالبت الرسالة أيضاً برفع حالة الطوارئ في الجنوب، ودعوة ممثلين لمنظمة الوحدة الأفريقية والدول المجاورة ومنظمة الأمم المتحدة لحضور المؤتمر بصفة مراقبين ومستشارين.
تطرّقت الرسالة للعلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب والوعود التي لم يفِ بها الشمال ومرارات الحرب الأهلية، ونادت الرسالة بالتسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ لها شخصيتان وثقافتان متمايزتان، لكن يمكن أن يتعايشا في سلامٍ تحت مظلة النظام الفيدرالي.
دعونا نتوقّف لحظةً عند هذه الفقرة الوطنية الرائعة من رسالة حزب سانو التي دعتْ إلى:“التسليم بأن السودان دولةٌ أفريقيةٌ عربيةٌ، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكلٍ بموضوع الدين واللغة.
فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمورٌ حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة.
فالوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب.
وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي.
وإن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
ولا يجب أن نخشى الوحدة الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم.
وأكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساسٍ فيدرالي.
ولدينا في أفريقيا مثال نيجيريا.
أما اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء فهي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.
”وكما قد يلاحظ القارئ، فهذه الفقرات من رسالة السيد ويليام دينق في 8 نوفمبر عام 1964 هي في مضمونها نفس الفقرات من الرسالة التي وجّهها الأب سترنينو لوهوري رئيس كتلة النواب الجنوبيين للبرلمان السوداني في 19 يونيو عام 1958 (قبل ستِّ سنوات)، والتي ضمّناها في المقال الأول من هذه السلسلة من المقالات.
وكلا الرسالتين تفيض وطنيةً وحلماً بحلٍ سلميٍ فيدراليٍ لقضية الجنوب، تحت مظلة وحدة البلاد.
وقد أرسل حزب سانو صورةً من تلك الرسالة إلى جميع الأحزاب السودانية، وإلى نائب مدير جامعة الخرطوم وإلى اتحاد طلابها أيضا (كاعترافٍ بدور الجامعة في ثورة أكتوبر ومناداتها بالحل السلمي لقضية الجنوب).
كما تم إرسال صورة من الرسالة إلى كافة الدول الأفريقية والسكرتير العام لمنطمة الوحدة الأفريقية، وإلى سكرتير عام الأمم المتحدة في نيويورك، ومندوب الأمم المتحدة لشئون اللاجئين في جنيف، ولجنة الحقوقيين الدولية في جنيف، ورئيس القسم الخاص بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة في نيويورك.
أرغمت تلك النغمةُ التصالحية والإيجابية من حزب سانو الحكومةَ السودانية الجديدة على التجاوب مع مضمون الرسالة.
فقد قام السيد رئيس الوزراء بالردِّ عليها بعد مشاوراتٍ موسعةٍ ومطولةٍ مع قيادات الأحزاب.
تضمّن ردّ السيد رئيس الوزراء الترحيب وقبول مقترح مؤتمر المائدة المستديرة، والموافقة على إصدار العفو غير المشروط لكل من حمل السلاح في جنوب السودان.
ولكن رسالة رئيس الوزراء تعثّرت وارتبكت في مقترح النظام الفيدرالي، واقترحت ترك مناقشة النظام الفيدرالي خلال المؤتمر نفسه.
لا بد من ملاحظة أن نفس هذا التعثّر واجه رسالة الدكتور جون قرنق إلى الدكتور الجزولي دفع الله بعد نجاح انتفاضة أبريل عام 1985، والتي طالب فيها الدكتور قرنق بإلغاء قوانين سبتمبر.
فقد كان رد الدكتور الجزولي دفع الله أن تلك المسألة يجب تركها للمؤتمر الدستوري نفسه، كما ناقشنا في السلسلة الأولى من هذه المقالات.
برزت بعد مكاتباتٍ أخرى بين الطرفين خلافاتٌ في مسألتين، الأولى تتعلّق بمكان عقد المؤتمر والذي رأت الأحزاب الجنوبية عقده خارج السودان بينما رأت حكومة السودان عقده داخل السودان.
وقد نظرت الحكومة في مقترح عقد المؤتمر في مدينة جوبا كحلٍ وسط وكرسالةٍ إيجابيةٍ لأبناء الجنوب.
غير أن الحكومة صرفت النظر عن هذا المقترح بسرعة، بسبب تخوفاتها السياسية عما قد ترسله تلك الرسالة، وبسبب الوضع الأمني في الجنوب وقتها.
كان الخلاف الثاني يتعلّق بالمراقبين الأجانب الذين أصرّت عليهم الأحزاب الجنوبية، ولم تتحمّس الحكومة السودانية للمقترح خوف أن يفتح وجود مراقبين أجانب باب التدخّل الأجنبي في مشاكل السودان الداخلية.
وكحلٍ وسط اتفق الطرفان على عقد المؤتمر في الخرطوم ودعوة سبع حكوماتٍ أفريقيا، شملت كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر لإرسال مراقبين للمؤتمر.
بينما كانت الاستعدادات تجري على قدمٍ وساق لعقد مؤتمر المائدة المستديرة أبى تاريخ السودان التعيس المضطرب إلّا أن يحدث ما يُعكّر الجو السياسي بين الشمال والجنوب.
فقد ذهب آلاف الجنوبيين إلى مطار الخرطوم لاستقبال وزير الداخلية السيد كلمنت أمبورو الذي كان عائداً من زيارةٍ لجنوب السودان في صباح يوم الأحد 6 ديسمبر عام 1964.
تأخّرت الطائرة لعدة ساعات، ويبدو أن المستقبلين الجنوبيين لم يتلقّوا إيضاحاً لأسباب تأخّر الطائرة، وظنوا أن هناك مشكلةً، أو أن مكروهاً ما قد حلّ بقائدهم.
حدث هرجٌ ومرجٌ داخل المطار وانتقل بسرعة البرق خارج المطار، وامتد بعد ساعاتٍ لعدّة مناطق في العاصمة الخرطوم.
هاجم المتظاهرون الممتلكات العامة التي أصاب بعضها خسائر كبيرة.
أمرت الحكومة بالتعامل مع الاضطرابات بحزمٍ وحسم، واعتقلت أعداداً كبيرة من الجنوبيين وحجزتهم لأيام في أحد ملاعب كرة القدم في الخرطوم تحت ظروفٍ سيئةِ.
عاد السيد كلمنت أمبورو للخرطوم سالماً وتمّ إطلاق سراح المعتقلين.
لكن هذه الحادثة والتي سُمّيت “الأحد الأسود” تركت آثارها السالبة على العلاقات الشمالية الجنوبية، وأصبحت مصدر تخوفٍ، وحتى نذير شؤمٍ، لما هو آتٍ لدى بعض المراقبين لمؤتمر المائدة المستديرة.
كما أن حكومة السيد سر الختم الخليفة التي تشكلّت في نهاية شهر أكتوبر عام 1964 تعرّضت لضغوطٍ سياسيةٍ كبيرة من تكتّلٍ جديد أنشأه الحزبان الرئيسيان (الأمة والوطني الاتحادي) مع جبهة الميثاق الإسلامي، واضطرت للاستقالة في 18 فبراير عام 1965، بعد أقل من أربعة أشهرٍ من استلامها السلطة.
ومضى قرابة الأسبوع قبل أن تتشكّل حكومةٌ جديدة، كان صوت ووجود التكتّل الجديد فيها عالياً وواضحاً، وانكمش كثيراً وجود ودور جبهة الهيئات.
لم يكن ذلك التطور مؤشّراً إيجابياً للوضع السياسي، وللتطورات التي تلته، ولمؤتمر المائدة المستديرة المرتقب.
بعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهر من مبادرة حزب سانو، وثلاثة أشهر من حادثة الأحد الأسود، وأقل من شهرٍ من تشكيل حكومة السيد سر الختم الخليفة الثانية، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة.
بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ الاتفاق على أن يُمثّل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات، بثلاثة أعضاء، بينما يُمثّل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء (ثمانية عشر عضو لكلٍ من الشمال والجنوب).
غير أن الأحزاب الشمالية أصرّت على تمثيل مجموعةٍ ثالثةٍ من الجنوبيين الذين بقوا في السودان ليمثلوا الآراء الأخرى للجنوبيين، وهم من تمّ تسميتهم “جنوبيي الداخل”، ممن كانت لهم علاقة وطيدة بالحزبين الكبيرين، بتسعة أعضاء أيضاً تختارهم الحكومة.
كانت خطة وتوقّعات الأحزاب الشمالية أن يرجّح جنوبيو الداخل كفّة المشاركين في مؤتمر المائدة المستديرة لصالحهم.
قاد وفد كلِ حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد).
وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
تمّ اختيار البروفيسور النذير دفع الله (الذي كان وقتها مديراً لجامعة الخرطوم) رئيساً للمؤتمر، وعاونته سكرتارية شملت السادة محمد عمر بشير، وعبد الرحمن عبد الله، ويوسف محمد علي.
يُلاحظ أن رئاسة وسكرتارية المؤتمر كانت كلها من الشماليين، ولم يكن بينهم جنوبيٌ واحد.
لا بد أن يكون هذا التجاهل قد خلّف آثاره السلبية في نفوس الجنوبيين، وأوضح عدم التكافوء والثقة بهم.
ماذا كان سيضير الأحزاب الشمالية لو أضافت أحد أبناء الجنوب لسكرتارية المؤتمر؟ من المؤكّد أن ذلك كان سيرسل رسالةً إيجابية ليس فقط لأبناء الجنوب، بل حتى للمراقبين، ويشير إلى جدية الحكومة الجديدة في حلِّ قضية الجنوب.
لا بد من إضافة أن الوفود الجنوبية كانت قد اقترحت أن يرأس المؤتمر شخصان، أحدهما شمالي والآخر جنوبي.
غير أن الأحزاب الشمالية رفضت ذلك المقترح، بل وسخرت منه بأنه لم يحدث إطلاقاً أن رأس مؤتمراً شخصان.
وهذا بالطبع ليس صحيحاً، فهناك سوابق كثيرة لمؤتمراتٍ رأسها ويرأسها، شخصان (فكرة الرئيس المناوب، أو حتى نائب الرئيس).
كما يُلاحظ أن وفود الأحزاب الشمالية الخمس لم تشتمل على جنوبيٍ واحد رغم ادعاء هذه الأحزاب أنها قومية التكوين.
وقد ذكر قادة هذه الأحزاب أثناء محادثات القاهرة، والتي أدّت إلى توقيع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1953، أنهم يمثّلون كل السودان، رغم عدم وجود جنوبيٍ واحد في وفد التفاوض في القاهرة.
وكما ذكرنا أعلاه، حاولت هذه الأحزاب تمثيل الجنوبيين الذين اعتقدت في تعاطفهم مع الأحزاب الشمالية من خلال تكوين وفدٍ جنوبي آخر ليمثل وجهات النظر الأخرى (كما اعتقدت الأحزاب الشمالية في سذاجةٍ كبيرة)، أو ما عُرِف “بجنوبيي الداخل”، كما ذكرنا أعلاه، لكن تلك المحاولة ارتدت على الأحزاب الشمالية كما سنناقش لاحقاً.
ساد التوتّر منذ البداية على المؤتمرين، وامتدّ هذا التوتر إلى ممثلي الحزبين الجنوبيين والمجموعة الثالثة.
وبرز الخلاف بين مجموعتي سانو – تلك التي قرّرت العودة للسودان وتسجيل الحزب والعمل من الداخل بقيادة السيد ويليام دينق، والمجموعة التي قرّرت البقاء في المنفى والعمل من الخارج بقيادة السيد أقري جادين.
وقد ادّعى كل من الجناحين أنه الممثّل الشرعي لحزب سانو في البداية، ولكن تمّ الاتفاق قبل البدء الرسمي للمؤتمر بدمج الوفدين.
وقد حدث جدلٌ في وجود ممثلي جنوبيي الداخل في المؤتمر الذين أصرّت عليهم الأحزاب الشمالية بحكم علاقتها بهم وتوقعاتها منهم، بينما رفض حزب سانو وجبهة الجنوب تمثيلهم في المؤتمر.
ولكنّ هذه المسألة حسمت نفسها عندما أعلن هؤلاء الممثلون انضمامهم لوفد حزب سانو، مما سبّب حرجاً كبيراً لممثلي الأحزاب الشمالية (وانهيار سياسة فرّق تسدْ بتلك السرعة).
وقد ألقى ذلك القرار المفاجئ والمدهش بظلاله على المؤتمر والمؤتمرين والمراقبين.
سوف ننتقل في المقال القادم، وهو السابع في هذه السلسلة من المقالات، إلى جلسات مؤتمر المائدة المستديرة.
وسنوضّح كيف انتهى المؤتمر بعد أسبوعين بالفشل بعد رفض الأحزاب الشمالية مجتمعةً، وبدون استثناء، لمطلب الفيدرالية الذي تقدم به حزب سانو ورئيسه السيد ويليام دينق في رسالته للسيد سر الختم الخليفة، وفي كلمته في المؤتمر، والتي كانت إعادةً لرسالته تلك.
قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (7 – 12)تتبّعنا في المقالات الستّة السابقة من هذه السلسلة من المقالات التطوّرات السياسية في علاقات شمال وجنوب السودان منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، ومطلب الأحزاب والحركات المسلحة الجنوبية للنظام الفيدرالي.
بدأنا النقاش لمطلب الفيدرالية بمؤتمر جوبا الذي انعقد عام 1947، وواصلنا بعد ذلك بمناقشة المطلب في الجمعية التشريعية عام 1948، ثم في لجنة الدستور عام 1951.
انتقلنا بعد ذلك إلى انتخابات عام 1953 وبروز الحزب الليبرالي ببرنامجه الفيدرالي، والذي أكّده في مؤتمه العام في أكتوبر من ذلك العام.
وأشرنا إلى تجاهل، ثم رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الفيدرالية.
وأوضحنا كيف قادت تلك التراكمات إلى أحداث توريت في 18 أعسطس 1955، التي ناقشها بالتفصيل تقرير القاضي قطران، وألقى باللائمة في الأحداث على حكومة السيد إسماعيل الأزهري.
انتقلنا بعد ذلك إلى قرار البرلمان في 19 ديسمبر 1955، والخاص باستقلال السودان والذي تضّمن الوعد بأن مطالب الجنوبيين لحكومة فيدرالية للمديريات الجنوبية الثلاثة ستُعطى الاعتبار الكافي بواسطة الجمعية التأسيسية القادمة.
أوضحنا أن قرار لجنة الدستور، كما نقله السيد محمد أحمد محجوب، أفاد بأن اللجنة أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية، وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
ناقشنا بعد ذلك انقلاب 17 نوفمبر الذي نتج عن توجيه السيد عبد الله خليل رئيس الوزراء وقتها للفريق إبراهيم عبود باستلام السلطة.
وقد تناولنا ببعض التفصيل السياسات الرعناء التي اتبعها الفريق عبود وصحبه لحل قضية الجنوب – التصعيد العسكري القاسي الحاد، وأسلمة وتعريب الجنوب بالقوة بغرض دمج الجنوب في الشمال ثقافياً.
أوضحنا أن مصير تلك السياسات الهوجاء كان الفشل التام والذي قاد بدوره إلى اندلاع ثورة أكتوبر وسقوط نظام الفريق عبود.
تابعنا بعد ذلك رسالة السيد ويليام دينق رئيس حزب سانو للسيد سر الختم الخليفة والتي اقترح فيها حزب سانو عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية الجنوب، وتعرضنا للتطورات التي قادت إلى الاتفاق على عقد المؤتمرسنواصل في هذا المقال نقاش ما دار في المؤتمر وما تمخّض عنه من تواصلٍ لرفض السياسيين الشماليين القاطع لمطلب الفيدرالية، وارتفاع سقف مطالب السياسيين والحركات المسلحة الجنوبية بسبب ذلك الرفض المتغطرس.
كما ذكرنا في المقال السابق، فبعد خمسة أشهرٍ من ثورة أكتوبر، وأربعة أشهرٍ من مبادرة حزب سانو، انعقد مؤتمر المائدة المستديرة.
بدأ المؤتمر يوم 16مارس عام 1965 واستمر لمدة أربعة عشر يوماً حتى يوم 29 من الشهر نفسه.
تمّ تمثل كل حزبٍ من الشمال (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والشيوعي، وجبهة الميثاق الإسلامي)، وجبهة الهيئات بثلاثة أعضاء، بينما تم تمثيل حزب سانو بتسعة أعضاء، وجبهة الجنوب بتسعة أعضاء.
وقد انضم جنوبيو الداخل الذين اقترحتهم الأحزاب الشمالية، واعتقدت أنهم سيقفون معها، إلى ممثلي حزب سانو، مما تسبب في حرجٍ كبيرٍ للأحزاب الشمالية.
فقد انهارت سياسة “فرّقْ تسدْ” حتى قبل أن يبدأ المؤتمر.
قاد وفد كل حزبٍ من أحزاب الشمال الرئيس أو الأمين العام للحزب (حزب الأمة السيد الصادق المهدي، والوطني الاتحادي السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي السيد علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي السيد عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي الدكتور حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد).
وشارك في المؤتمر أيضاً مراقبون من كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجيريا وغانا والجزائر، تفاوتت رتبهم من وزراء إلى سفراء.
ألقى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة كلمة افتتاح المؤتمر وتحدث عن الخلافات بين شطري البلاد والتخلّف الاقتصادي في الجنوب، ولكنه عزا كل تلك المشاكل للاستعمار الإنجليزي وسياسة المناطق المقفولة،وتحدّث أيضاً عما أسماه الحملة الجائرة حول تجارة الرقيق، وأشار إلى أن ذلك النشاط المخجل قد عتّم تاريخ العنصر البشري في كل العالم، وليس في السودان فقط.
نادى السيد سر الختم الخليفة بروحٍ جديدة لحل مشكلة الجنوب وإنهاء الحرب والبدء في بناء السودان.
غير أنه أشار إلى أن الخارجين على القانون لم يبادلوا الحكومة حسن النية التي وفّرتها بالعفو العام، الذي أعلن المناداة بوقف العنف، مما جعل الجكومة تقوم بواجبها نحو حفظ الأمن لحماية المصالح القومية.
كانت فاتحةُ المؤتمر تلك كلمةً غير موفّقةٍ على الإطلاق.
بل إنها كانت الشرارة الأولى للنار التي التهمت المؤتمر بعد أسابيع قليلة، كما سنرى بعد قليل.
أعاد السيد ويليام دينق في كلمته الحجج التي ساقها في رسالته للسيد سر الختم الخليفة للمطالبة بالنظام الفيدرالي الذي يمكن بالإرادة السياسية تعايش طرفي البلاد تحت مظلته.
وأشار إلى أن النظام الفيدرالي كفيلٌ باستيعاب التباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين الشعبين.
وكرر أطروحته أن الوحدة في نطاق التعددية هي الحلُّ لمشكلة الجنوب.
وهو الحلُّ الذي يمكن أن يتجسّد في دستورٍ فيدرالي.
وأوضح أن كفاح الجنوب الذي يغلب عليه الطابع السياسي، يشمل الجنوبيين على اختلاف معتقداتهم: مسيحيين ووثنيين وغيرهم.
وأعاد السيد ويليام دينق ما ذكره في رسالته من أنه يجب أن لا نخشى الفيدرالية التي ساعدت على إبقاء الوحدة بين الشعوب المختلفة في مناطق كثيرة في العالم، وأن أكبر دولتين في العالم اليوم هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تقومان على أساس فيدرالي.
وأشار إلى دولة نيجيريا كمثالٍ للنظام الفيدرالي الناجح في أفريقيا.
وختم رسالته بالتحذير أن اللجوء إلى السيطرة على الجنوب بالقوة واستخدام الأساليب الاستعمارية البالية في التسويف والاحتواء هي أضمن سبيل لتحطيم وحدة الوطن.
كانت تلك الكلمة تكراراً لكلمة الأب سترنينو لوهوري في البرلمان السوداني في يونيو 1958، والتي أشرنا إليها في فاتحة مقالات هذه السلسلة، وحمل نفس النبوأة التي تحقّقت بعد أربعين عام.
غير أن ممثلي الأحزاب الخمسة الشمالية، جميعها (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي، والجبهة الإسلامية، والشيوعي)، وبلا استثناء، وكذلك جبهة الهيئات، اتبعوا طريقاً مختلفاً.
فقد أكدوا جميعهم في كلماتهم رفضهم التام لكل ما يمكن أن يقسّم السودان، بما في ذلك حق تقرير المصير، أو النظام الفيدرالي، وأعلنوا إصرارهم التام على وحدة السودان.
وقد أوضحوا أسباب رفضهم للنظام الفيدرالي الذي تبنّاه السيد ويليام دينق بأنه يمثل في نظرهم الخطوة الأولى نحو الانفصال.
ونقتبس أدناه جزءاً من الورقة المشتركة التي قدّمتها الأحزاب الخمسة لمؤتمر المائدة المستديرة بعنوان ” مشروع الأحزاب الشمالية لحلِّ مسألة الجنوب”، والتي تم توزيعها على المؤتمرين قبل الافتتاح الرسمي للمؤتمر:“يشعر السودانيون خاصةً في الشمال أن الوضع الفيدرالي ما هو إلّا خطوةٌ نحو الانفصال لأنه درجةٌ بعيدة المدى نحو تلاشي الحكومة المركزية، ولأنه نظامٌ ثبت تشجيعه للنعراتِ الإقليمية والعصبيّات المحليّة لا سيما وأنه في هذه الحالة يشكّل نزعةً إلى الابتعاد عن الوحدة، بعكس المعتاد في النظم الفيدرالية التي تقرّب بين مقاطعاتٍ أو دولٍ كانت مستقلّةً أو شبه مستقلّة، أو لم يكن بينها إلّا الرباط الاستعماري.
”بل لقد ذهب بعض ممثلي الأحزاب خطوةً أبعد من ذلك عندما هاجم السيد إسماعيل الأزهري مطلب الفيدرالية، مصراً على أن الجنوب كان وسيظل جزءاً من السودان، وموضحاً أن الغرض من نظام الفيدرالية هو جمع دولٍ مستقلة تحت غطاءٍ واحد، وليس تقسيم دولةٍ واحدةٍ إلى دولتين.
إضافةً إلى ذلك أعلن السيد الأزهري اعتزازه بتراثه الإسلامي والعربي وأدّعى أن اللغة العربية هي أكثر اللغات المستعملة في أفريقيا.
من الواضح أن السيد اسماعيل الأزهري وممثلي الأحزاب الأخرى قد خلطوا بين الفيدرالية والكونفيدرالية، أو حاولوا التشاطر على أعضاء الأحزاب الجنوبية.
دفع مشروعُ الأحزاب الشمالية لحل مشكلة الجنوب الرافض للفيدرالية، وتلك الكلمات المتغطرسة عن العروبة والإسلام، بعضَ أعضاء الأحزاب الجنوبية إلى الخروج علناً بردّة فعلهم على هذا الرفض الذي كانوا يتوقّعونه، بل وحتى على مطلب الفيدرالية الذي أدلى به السيد ويليام دينق.
فقد كانت كلمة السيد أقري جادين ممثل حزب سانو في الخارج حادةً في نقدها للشمال، ركّز فيها على الخلافات بين شطري القطر، وأعلن فيها أنه لا يوجد شيءٌ مشتركٌ بين الاثنين – لا عادات ولا تقاليد ولا هوية ولا لغة ولا دين ولا مصالح – وأن شطري القطر قد فشلا في التعايش معاً.
وأشار السيد أقري جادين إلى أنه:“بالنظر لواقع التجزئة فهناك حقيقةً “سودانان”، ومطالبة شمال السودان بالوحدة تستند على مصادفةٍ تاريخيةٍ اتخذها ذريعةً لفرض هيمنته السياسية على جنوب السودان.
”وذكّر السيد أقري جادين الشماليين بنقض وعدهم فيما يختص بالنظام الفيدرالي الذي تمّ الاتفاق عليه في شهر ديسمبر عام 1955، ولكنه أضاف أن الأوضاع قد تغيّرت منذ عام 1955، وأنه قد آن الأوان لانفصال جنوب السودان عن شماله، لأن “ادعاء الشمال للوحدة مبنيٌّ على الصدفة التاريخية، ومفروضٌ على الجنوب بالهيمنة.
”واصل السيد غوردون مورتات السير في طريق السيد أقري جادين معدّداً مجالات التباين والخلاف بين الشمال والجنوب، ولكنه طالب بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وليس الانفصال.
وقد بنى السيد غوردون مورتات مطالبته بحق تقرير المصير لجنوب السودان على قرار الشمال تقرير مصيره عام 1955.
فتلك سابقةٌ تاريخيةٌ سودانية، وحقوق الشعبين في شقي القطر يجب أن تكون متكافئةً ومتساوية.
مثّل السيد ويليام دينق صوت الاتزان في المؤتمر، ولكن مقترحاته اصطدمت بتصلّب الشماليين ورفضهم النظام الفيدرالي، واصطدمت أيضاً بالخلافات مع بقية القادة الجنوبيين التي ازدادت صلابةً بعد إعادة تأكيد الأحزاب الشمالية لموقفها الرافض للفيدرالية.
وقد أوضح السيد ويليام دينق فيما بعد أن مقترحه بالنظام الفيدرالي الذي مثّل الحل الوسط بين الانفصال الذي طالب به أقري جادين، والوحدة الكاملة التي أصرّ عليها الشماليون كان سيلقى القبول بين أعدادٍ كبيرةٍ من الجنوبيين لو وافق عليه الشماليون في المؤتمر.
وقد أكد التاريخ سلامة تحليل السيد ويليام دينق عندما وقّعت حركة تحرير جنوب السودان على اتفاقية أديس أبابا مع نظام نميري في 3 مارس عام 1972 (بعد سبع سنواتٍ من مؤتمر المائدة المستديرة) والتي انبنت على الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان (والذي هو الحد الأدنى من الفيدرالية)، كما سنناقش في مقالٍ قادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك