روسيا اليوم - مستشار ترامب يوافق على الاعتراف بالذنب في تهمة خاصة بالاحتفاظ بمعلومات سرية التلفزيون العربي - غارات إسرائيلية على الجنوب.. انقسام في لبنان بشأن اتفاق وقف النار العربي الجديد - ما الفائدة من سرد قصص الولادة؟ القدس العربي - الأردن: الحكومة تتمسك بأسطوانة «رفع الحماية» عنها بعد تحذيرات الإعلام روسيا اليوم - الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال مسؤولين في جهاز الأمن العام التابع لحماس شمال قطاع غزة العربي الجديد - تركيا تعزز حضورها الأفريقي باتفاقيات مع النيجر روسيا اليوم - بيان من الحرس الثوري الإيراني حول التطورات في لبنان القدس العربي - 12 ألف كردي سجلوا أسماءهم للحصول على الجنسية السورية قناة الغد - قراءة مختلفة لرواية شتائم ترمب لنتنياهو!!! قناة التليفزيون العربي - هل أن أي اتفاق أميركي إيراني يوقف الحرب يبقى رهين ضرورة حل الوضع في لبنان؟
عامة

من المريجة إلى باريس

العربي الجديد
العربي الجديد منذ يومين
2

في رحلة عودتي من بيروت، لم أعد أعي كيف كان وداع أهلي. كيف كانت تلك العناقات الأخيرة؟ أذكر فقط أنها كانت على عجل، كأن الوقت نفسه كان يطاردنا، قبل أن تلتقط المسيّرات صور وداعنا، وقبل أن يسجّل الموت اسمي...

ملخص مرصد
تتحدث الكاتبة عن رحلة عودتها من بيروت إلى باريس، حيث ودعت عائلتها في ظروف صعبة تحت تهديد الموت. استذكرت لحظات الوداع العاجلة مع والديها، خصوصاً أمها التي حثتها على الرحيل فوراً. في باريس، تعيش الكاتبة ألم الغربة، متذكرة أهوال الحرب في لبنان، وتستعيد ذكريات أم علي حرب التي تحمل صورة أخيها المفقود سنوياً، لتعبر عن عمق الفقدان الذي لا يقتصر على الموتى بل يمتد إلى الأحياء الذين يعيشون في منفى قسري.
  • وداع عائلي عجل في بيروت خوفاً من تسجيل اسمها في سجلات الموت
  • أقامت الكاتبة عزاءً متواصلاً لبلادها في باريس، متذكرة صوراً وأماكن دمرت في الحرب
  • أبيها زرع شتلة تراب من أرض الوطن في أصيص صغير في باريس رمزاً للارتباط بالوطن
من: الكاتبة، أم علي حرب، والد الكاتبة، والدتها أين: بيروت، باريس، المريجة

في رحلة عودتي من بيروت، لم أعد أعي كيف كان وداع أهلي.

كيف كانت تلك العناقات الأخيرة؟ أذكر فقط أنها كانت على عجل، كأن الوقت نفسه كان يطاردنا، قبل أن تلتقط المسيّرات صور وداعنا، وقبل أن يسجّل الموت اسمي على لوائح الانتظار.

كانت أمي حريصة على أن أرحل فوراً، قبل أن يُدرج اسمي في سجلّ الغياب.

لم تكن تودّعني كما تودّع أمّ ابنتها المسافرة، بل كمن تنقذها من موت يقترب.

أما أبي، فأذكر أنني ناديته مرة أخرى، فقط لأغمره من جديد.

كان يخرج من البيت على عجل، ربما كان يهرب من وجع الوداع.

لطالما أرعبتني أغنية فيروز: " لمّا عالباب يا حبيبي منتودّع"، وخصوصاً تلك الجملة: " وبخاف تودّعني وتفلّ وما ترجع".

استذكرتها يومها، وفهمت، في تلك اللحظة، لماذا كان أبي يخرج سريعاً من دون أن يودّعني مرة أخرى.

كنت أعلم، في داخلي، أن تلك المرة لا تشبه الوداعات التي تعد بعودة قريبة.

كانت غمرة معلّقة بين الحياة والمنفى، بين بيت لم يعد آمناً وطريق لا أعرف إلى أين يأخذني.

أبي، الذي أكلت البلاد من لحمه وما زال يضحّي لأجلها، لم يكن لديه ابن يقدّمه للوطن، فقدم ابنته إلى الاغتراب.

لم يفعل ذلك تخلياً، بل ليفكّ عن البلاد عبء مسؤوليته عني، وليخفّف عن قلبي احتمال أن أصبح رقماً جديداً في سجلّ الخسارات.

ليست الشهادة وحدها معنى التضحية من أجل البلاد.

الغربة أيضاً تضحية: أن تنجو بجسدك بينما تبقى روحك هناك.

أن ترى حياتك من بعيد، كأنها بيت مضاء على تلة لا تستطيع الوصول إليه.

أن تظل حياً، لكنك تعيش نصفك الآخر مؤجلاً، في وطن لا تعرف متى يسمح لك بالعودة إليه.

أذكر أنني لم أودّع حيّنا في المريجة كما يجب.

كنت أريد أن أودّع، تحديداً، أم علي حرب؛ تلك المرأة الجنوبية التي تشبه البلاد، والتي لطالما قالت لي: " ربنا يخلّيلي هالوجه".

ليست الشهادة وحدها معنى التضحية من أجل البلاد.

الغربة أيضاً تضحية: أن تنجو بجسدك بينما تبقى روحك هناكأستذكر أنني تعرّفت إلى حكايتها يوم سألت أمي: لماذا تحمل، كل سنة في الثالث عشر من نيسان (إبريل)، صورة شاب صغير؟ قالت لي يومها إنه عيد ميلاد أخيها.

لم أفهم كثيراً.

لكنني فهمت لاحقاً أن ذلك اليوم هو ذكرى اندلاع الحرب الأهلية.

كانت تحمل صورة أخيها كي لا ينسى العالم أن ثمة أحزاناً تُقام، وعزاءً يُفتح، حتى من دون قبر.

ومنذ ذلك الحين، فهمت أن بعض الغائبين لا يحتاجون إلى مقبرة كي نحزن عليهم.

يكفي أن تبقى لهم صورة، وامرأة تحملها كل عام، وبلاد لا تكفّ عن إنتاج الفقد.

كانت أم علي حرب درساً مبكراً في معنى أن يسكن الحداد جسد امرأة.

بقي اسم عائلتها، " حرب"، يذكّرها بالفاجعة التي أخذت أخاها، كأن الحرب كانت اسماً يلاحقها في كل نداء، وفي كل ورقة، وفي كل تعريف.

أستذكرها اليوم في باريس، وأستذكر وجعها الذي لم أفهمه في صغري، ثم عشته في كبري.

أفهمها الآن.

أفهم لماذا كانت تبدو كأنها تقيم عزاءً لا ينتهي.

بعض النساء لا يشيّعن موتاهن مرة واحدة؛ يعشن العمر كله وهن يودّعنهم من جديد.

وهكذا أقمت عزاء البلاد.

حملت صوري هناك، وصور الأماكن بعد القصف، وجلست كأم مكلومة لا تعرف أين تدفن أبناءها، ولا كيف تنجو من ذاكرة بلا قبر.

في كل يوم أفتح عزاءً صغيراً لها.

أضع فيروز، فتنهمر دموعي، ويربّت الآخرون على كتفي كمن يواسون امرأة في فقيدها.

يقولون إن هذا الألم سيمضي، ويأخذون بخاطري قليلاً، ثم يرحلون.

وحدي أبقى في مجلس العزاء، أبدّل الأغنية، وأعيد فتح الجرح.

منذ عدت من بيروت، أقمت في داخلي عزاءً طويلاً لبلدي.

فيروز لا تغنّي للبلاد فحسب، بل تقيم قدّاساً طويلاً لراحة روحها.

تحمل رائحتها كأنها فقيدة، وتوزّعها على الأرصفة، وعلى الذاكرة، وعلى ثيابنا التي حملناها معنا على عجل.

يحدّثني الفرنسيون بنبرة تشبه من يقول لأم فقدت ابنها إنها ما زالت قادرة على الإنجاب: ها هي فرنسا لكِ، ربما تستطيعين إجلاء أهلك إلى هنا.

يبكيني كلامهم ويضحكني في آن.

كيف أخبرهم أن شجرة تفاح في شرق فرنسا لا تغنيني عن زيتونة في شرق البقاع؟ كيف أشرح لهم أن البلاد لا تُستبدل ببلاد، وأن النجاة لا تعني أن القلب صار مقيماً حيث يقيم الجسد؟أحقاً يظنون أن الأمر بهذه السهولة؟أن أجلي أهلي كما تُجلى الأمتعة؟أن أنقلهم من بيت إلى بيت، ومن لغة إلى لغة، ومن سماء إلى سماء، من دون أن ينكسر فيهم شيء؟أبي، الذي حملني في المرات السابقة كي لا أتعب، اقتلع شتلة من أرضنا وزرعها في أصيص صغير، طالباً مني أن أضعها على شرفتي.

كأنه كان يعرف أن المنفى يحتاج إلى شاهد من التراب، إلى شيء حي يقول لنا إننا لم ننقطع تماماً.

لا أحد يفهم أن الأهل ليسوا أفراداً فقط.

الأهل هم البيت، والمفتاح، ورائحة الخبز، وشجرة الزيتون، وضحكة الجيران، والمقبرة التي نعرف أسماء من فيها.

فكيف يُجلى كل هذا؟يا أبي، قلت لي إن من يحمل البلاد على كتفيه يسقط حين تتحرك براكينها؛ وها هي البلاد تهتز فوق كتفيّ، فلا أدري: أأسقط أنا، أم أشيّع البلاد مني إلى مثواها الأخير؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك