من ازدحام خفي يتسلل إلى الإنسان ببطء، لا تصنعه الطرق المزدحمة ولا ضوضاء المدن، إنما تصنعه كثرة ما يحمل داخله من أصوات وعلاقات وتوقعات لا تنتهي.
ومع مرور الوقت، يصبح العقل مثقلًا بتفاصيل صغيرة متراكمة، إلى درجة يفقد معها قدرته على الإصغاء لنفسه بوضوح، ما يولد عنده الإرهاق النفسي من فرط الحضور لا الغياب.
فالبقاء المستمر داخل دوائر الآخرين، والانشغال الدائم بمشاعرهم وتوقعاتهم، يحوّل الإنسان تدريجيًا إلى مساحة مستنزفة لا تجد وقتًا كافيًا لترميم ذاتها.
ومع هذا الاستنزاف الصامت، يبدأ الداخل بفقدان هدوئه دون أسباب واضحة يمكن الإمساك بها.
والأكثر إنهاكًا أن يشعر الإنسان بأنه مطالب دائمًا بالتفسير؛ تفسير صمته، تفسير تأخره، تفسير تغيّر مزاجه، وحتى تفسير حاجته المؤقتة للابتعاد.
وكأن الهدوء أصبح تصرفًا غير مفهوم، بينما تحتاج النفس البشرية أحيانًا إلى الانسحاب المؤقت حتى تستعيد اتزانها بعيدًا عن الضوضاء العاطفية والفكرية المحيطة بها.
لهذا لا تعبّر المسافة دائمًا عن الفتور، فقد تكون أحيانًا شكلًا ناضجًا من أشكال حماية الذات، فبعض الابتعاد لا يُقصد به الانقطاع عن الناس، إنما استعادة التوازن قبل أن يتحول الاستنزاف إلى حالة دائمة.
كما أن العلاقات الأكثر صحة ليست تلك التي تفرض حضورًا مستمرًا، إنما التي تمنح الإنسان شعورًا بالأمان دون ضغط أو استنزاف أو خوف دائم من سوء الفهم.
وفي ظل العالم الرقمي، أصبحت المسافة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فالحضور لم يعد مرتبطًا بالمكان، إنما بالاستجابة المستمرة والتفاعل الدائم والبقاء متاحًا طوال الوقت.
وهنا يفقد الإنسان حقه الطبيعي في الانقطاع المؤقت، حتى يتحول الهدوء إلى شعور بالذنب، وتصبح الراحة مؤجلة تحت ضغط لا يتوقف.
وعند لحظة معينة، يكتشف الإنسان أن نجاته النفسية لا تحتاج دائمًا إلى المزيد من القرب، إنما إلى مساحة هادئة يعيد فيها ترتيب فوضاه الداخلية، فبعض المسافات لا تُبعد الإنسان عن الحياة، إنما تمنعه من الضياع داخلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك